من القضايا التي مهَّد بها صاحب كتاب الأسطورة – زعمَ لنسف كتاب الإمام المبجل محمد بن إسماعيل البخاري ذي الشأن الأرفع إثبات تناقض أهل الحديث في رواية الشيء وضده، والأمر وعكسه، والحديثِ ومناقضه وذلك في فصل عنونه بـــــ:" أنصار الحديث يخالفون الحديث" ص21، ولنا معه وقفاتٌ نوضح له فيها ما قد غاب عنه من علمٍ سوف يوقظه من الغفلات، إنْ رام تدارك ما قد فات، والتوبة فيما هو آت، فمن ذلك:
- لقد سخِر المؤلف غير آبهٍ من " العقلية " التي يتمتع بها أهل الحديث، فرواته ومدونوه ومحققوه كلهم عنده متناقضون، هالكون في رواية الإباحة لأمرٍ ومنعه، فمنهجهم العلمي متناقض، ووجوههم " وقحة" ص21 عندما تبرز على الناس ساردة أحاديث منع " كتابة وتدوين الأحاديث" ، ونحن هنا نبشر الكاتبَ بأنه مسبوقٌ باتهام أهل الحديث بالتناقض والتلون، فمن قبلُ تحدث أهل الاعتزال عن تناقضات أهل الصنعة في روايتهم للحديث وعكسه، وقالوا فيهم إنهم حُمَّالُ آثار لا يفقهون معانيها، وزواملُ – الزاملة: ما يحمل عليه من الدواب- للأخبار لا يدرون ما يحملون من خيرها وشرها، ولقد ناقشهم ابن قتيبة في بعض ما كتب في كتابه الماتع:" تأويل مختلف الحديث"، فسبحان الله فكأنَّ التاريخ الذي يعيشه " محدث مراكش" في تقدُّم وسائل تواصله - كما قد زعمَ في أول كتابه- لم يعْدُ تاريخَ استعمال الناقة وسيلة عابرة للقارات، وكأنْ الإنسان هو الإنسان، والناقة هي الطائرة، والفرس هو السيارة، والسفينة هي الصاروخ العابر للمحيطات الواصل إلى تحقيق الأهداف والغايات؟؟ فحداثيُّ اليوم هو حداثيُّ الأمس سلخا للتهمة، وسرقة للفرية، وإرجافا بها بين من آمنت قلوبهم وانصاعت عقولهم..اللهم أنْ يكون التباينُ في أنَّ ذاك القديم اسمه النَّظام أو أبو هذيل العلاف، أو ابن الراوندي، ويكون هذا الحادث الطارئ، والغرُّ المارق فلان وفلان وفلان ممن لا نَدُلُّ على أسمائهم خشية أن يقال لقد شهَّرتَ بهم ورفعتَ بين العالمين ذكرهم؟؟
- جرى المؤلف على سَننِ منْ سبق في كراهية أهل الحديث والتَّنقيص منهم والنَّيل من منزلتهم، ولقد عَلِمَ الله وعلِم رسولُه صلى الله عليه وسلَّم وعلِم عبادُ الله من المؤمنين والمؤمنات، وعلِم كلُّ ذي إنصاف من أهْل الأرضِ طُراًّ أنَّ أهل الحديث أبرُّ الناس قلوبا، وأصفاهم نياتٍ، وأصلحهم شأنا، وأصدقهم قيلا، وأرفعهم بين علماء الإسلام حالا، وأسْعاهم في تنقية الأخبار رِجْلا، وأطولهم في ذلك يدا، وأبعدهم رحلةً في الأرض طولا وعرضا، قد أضنوا في ذلك أجسامَهم والمؤلفُ محدثُ مراكش وأحوازها جالسٌ مكانَه في راحةٍ من عيش، بينما أهل الحديث قد أبْلوا فيه أعمارَهم والمؤلفُ ينسف علمَهم في نضارةٍ من شباب، ورقة من وجه..ّوقلَّة منْ علم،ونعيم من حياة...بحيث لو فاخَرَنا أهلُ الأرض بفلسفة أرسطو طاليس، وطِبِّ أبقراط، وحكمة أفلاطون، وقوانين حمورابي، وتعاليم زرادشت، وسياسة غاندي ونسبية أنشتين، وفطنة باستور، وشاعرية فيكتور هيكو وعبقرية ليونار دو دافنشي – لفاخرناهم بدقة منهج أهل الحديث أهل الرواية والدراية، وعلماء تنقيد الآثار سندا ومتنا، فهم كما يقول د/ أسد رستم اللبناني المسيحي المنصف في كتابه الفذ الرائد الماتع" مصطلح التاريخ " ص5 و6- " أول من نظم نقد الروايات التاريخية ووضع القواعد لذلك...فإنهم اضطروا اضطرارا إلى الاعتناء بأقوال النبي، وأفعاله لفهم القرآن...فانبروا لجمع الأحاديث ودرْسها وتدقيقها، فأتحفوا علم التاريخ بقواعد لا تزال في أسسها وجوهرها محترمة في الأوساط العلمية حتى يومنا هذا".
أفيحقُّ لصحفي مغمور بعدَ هذا البيان الرائع من ذلكم المسيحي المنصف أن يصف أهل الحديث بسكيزوفرينيا ص 21 التي بحث عن معناها ليلة من الليالي حتى أضنى راحلته، وهو في ذلك ظالم مُتعدٍّ، ظالم للتاريخ مُتعد على جهود عشرات الألوف من أهل الحديث مشرقا ومغربا، إذ كيف يكون أهل الحديث بهذا الوصف الذي يفيد انفصاما في الشخصية واضطرابا في السلوك، وقلقا دائما في النفس، وكآبة ملازمة مستمرة في العيش والحياة، وقولوا لي بربِّكم مَنْ أولى الناس بهذا الوصف: أهل الحديث الذين أنفاسهم بأنفاس النبي مختلطة، تفوح طيبا وعنبرا، ومِسكا وقرنفلا، أم هو الذي...؟؟ مَنْ أولى الناس بأن يكون مضطربا في حياته مُشوَّش البال، عَكِر المزاج، دائمَ الوسوسة: أهل الحديث الذِّين يشتغلون بكلام النبي المتَّصل بالسماء حيث الطهر والنقاء، والنور والصفاء، وحيثُ النفسُ وما سوَّاها فألهمها تقواها وهداها، وثبَّتها بنور ربها ومولاها، فهي راضيةٌ لرضى خالقها وباريها، وهي مُطمئنة لهدى مَنْ فَطرها وسوَّاها..
وأنا واللهِ لا ينقضي عجبي من قول المؤلف بعدُ ص21 عن أهل الحديث:"...وبعدها يطلعون بوجوههم الوقحة على الناس ليسردوا عليهم أحاديث وآثار ( كذا قال) في منع كتابة وتدوين الأحاديث في سكيزوفرينيا غريبة جدا، تحطُّ من قدر هؤلاء عند ذوي العقل الراجح والفكر المستنير"، فيا لله العجب، مَنْ أحقُّ الناس أن يوصف بالوقاحة وصفاقة الوجه وقلة الحياء: رجلٌ سخَّر قلمَه – إنْ كان ما خرج من كتابه من قلمه وإنشائه- لنسْف كتاب طار في الآفاق صحةً وجلالةً ، أم أهل الحديث الذين حفظوا للدين أعلامه، فذادوا عنه الكذب، ودافعوا عنه صيانةً لحياضه من أن يتسوَّر عليها من لا يحسن كالمؤلف وأضرابه من هُواة إثارة الفتن، وإذكاء النار في الهشيم؟
ثم إن المؤلف يَعدُّ نفسَه من ذوي العقل الراجح والفكر المستنير؟ وهذا لعمرُ الله عينُ الصفاقة والجهالة، إذ لو كان منْ يضرب الناسَ بالحجارة عاقلا، ومنْ يمشي بينهم عاريا مفكرا مستنيرا- لاضطربت الموازين، واختلت الأنظمة، وتساقطت النجوم من سمائها، ولصارتِ الشمسُ تطلع عند غروبها، ولصلَّى الناس العشاء عند انصداع الفجر وإرسال الشمس إشراقها، ولتبلبلتِ الكواكب في دورانها، ولما بقيَت لنا معرفةٌ في سَدادها وصِحَّتها ولاتَّخذْنا الحمقى سادة، والمغفَّلين قادة، فعندها نقول على الدنيا السلام، ولَرجونا من ملذاتها الفِطام؟؟؟
- لم يتوقف المؤلف لحظةً عن أن يكيلَ التُّهم لأهل الحديث، فهو يكرههم ويلفِّق جاهدا الأباطيل في حقِّهم، ففي ص21 حاكمَ المؤلفُ أهلَ الحديث وسمَّاهم في شماتةٍ مقيتةٍ الشيوخ، وقال إنهم قد غفلوا عن التفكير في الجواب الذي حيَّره هو ولم يحيِّرهم هم، لأنه يعاني من الفِصام الذي نبزهم به- عن السؤال القائل:" لماذا تأخر تدوين السنة لحوالي مائة سنة على وفاة الرسول ، وهي بهاته ( كذا قال) القيمة من التشريع؟" ص21.
ونحن هنا نهلل ونكبِّر وسنخرج إلى الطرقات كبارا وصغارا جماعات ووحدانا نشكر الله ونرفع الرايات، ونقول لقد فتح إيلال في الإسلام فتحا جديدا، ودخل أرضا جديدة ليست لغيرنا، وسقط على علم دقيق استخراجُه، صعبٍ استنباطُه، ونُسرع إلى كتابِ كينيز نَشتدُّ ( نهرع) لتسجيله ونطالب هيئة الأمم ببراءة اختراعه، ونُوصي بأن يمنح جائزة نوبل، وأن يكون على رأس مؤسسة المبدعين؟؟؟؟
وإنا والله لو فعلنا ذلك لضحك الناس منا، ولغدونا محط هُزء وسخرية، لأن العلم الذي ظنَّ المؤلف أنه لم يسبق إليه- قديمٌ، قد سلخه من قائلين به قدامى، وأرفعهم في ذلك صوتا، وأعلاهم فيه كعبا المستشرقون الطاعنون، والغربيون الحاقدون، فهذا شاخت يقول:" من الصعوبة أن يعدَّ واحد من الأحاديث الفقهية صحيحا، وأنها وضعت للتداول بين الناس منذ القرن الثاني وما بعده" انظر المدخل إلى التشريع الإسلامي لشاخت بالإنجيليزية ص34، وهذا روبسون يقول:" إن الأسانيد تمَّ اختلاقها في القرن الثاني، وتمَّ تركيبها لأحاديث مختلقة، ونسبت لشخصيات ومراجع أعلى لترويجها" انظر الإسناد في إسلام العادات لروبسون بالإنجيليزية ص18
ويمكن إبطال دعوى الاستشراق مع دعوى محدث مراكش من وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث النبوي كتب في العهد النبوي من سنة 1 للهجرة إلى الوفاة النبوية سنة 11، فمما أمر النبي بكتابته المعاهدات والوثائق والرسائل، كالوثيقة التي كتبها عندما دخل إلى المدينة، ولقد ذكرها أبو عبيد في كتاب الأموال في ثلاث ورقات، والوثيقة التي عاهد فيها الرسول نصارى نجران وهي برمتها في كتاب الخراج لأبي يوسف القاضي ص72، وفي الوثيقتين كثيرا من التشريعات والأحكام.
وأما الرسائل التي أمر الرسول الكريم بكتابتها فمنها كتاب الصدقات الذي أخرجه البخاري في صحيحه حديث رقم 1454، وصحيفة عمرو بن حزم وهو طويل في نحو ثلاث أوراق وفيه تفاصيل دقيقة عن الجنايات والديات، وهي في الموطأ باختصار، وأخرجها كاملة ابن حبان في صحيحه برقم 6559.
ومن ذلك صحيفة كانت عند علي بن أبي طالب كتبها بأمر الرسول فيها كثير من التشريعات في مقادير الزكاة والجنايات، أورد بعضها البخاري في صحيحه برقم 111، وأمر الرسول بكتابة خطبته في فتح مكة لأبي شاه كما في البخاري برقم 112.
الوجه الثاني: كثيرٌ من الصحابة كتبوا بإذن الرسول في حياته، فممن كتب عبد الله بن عمرو بن العاص الذي سمى صحيفته الصادقة، وأنس بن مالك، وسعد بن عبادة الأنصاري، وسمرة بن جندب كما قد أومأنا إلى ذلك في الحلقة الماضية من هذه المعركة.
الوجه الثالث: أقبل الصحابة بعد وفاة النبي على كتابة الأحاديث التي كانوا يحفظونها فمن ذلك رسالة أبي بكر الصديق في فريضة الزكاة، ورسالة عمر بن الخطاب إلى عتبة بن فرقد ورسالته إلى أبي موسى الأشعري، ورسالة علي بن أبي طالب للخليفة عثمان بن عفان وغير ذلك.
الوجه الرابع: من سنة 70 للهجرة حتى سنة 120 حيث بدأ في هذه المرحلة تدوين السنة لا كتابتها، إذ الكتابة كانت قبلُ، وأما التدوين الذي يعني التأليف فلقد بدأ في هذه المرحلة في آخر القرن الأول، وذلك بواسطة جهتين: جهة علمية من العلماء في جميع الأقاليم الإسلامية، وجهة رسمية تتمثل فيما أمر به عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة 101ه من جمع الحديث النبوي.
الوجه الخامس: بدأت مرحلة التصنيف من سنة 120 إلى 150 تقريبا حيث ظهرت الكتب المصنفة على الأبواب الفقهية، فممن ألف في هذه المرحلة: عبد الملك بن جريج ت 150هـ، وسعيد بن أبي عروبة ت156هـ والأوزاعي ت 156هـ وشعبة بن الحجاج ت 160 هـ وسفيان الثوري ت161هـ وحماد بن سلمة ت167هـ، ومالك بن أنس ت 179هـ وغيرهم.
الوجه السادس: فيما بين 150 هـ إلى 200 ظهرت مرحلة كتب الموسوعات المصنفة فظهرت المسانيد والسنن والصحاح، ودخلت السنة عهدا جديدا دونت فيها أغلب المرويات وميزت من حيث درجاتها تمييزا دقيقا.
وبعدُ فإنَّ كلام مؤلف الأسطورة ليس هو إلا شغَبُ صبي دارج يتعلَّم المشي، فكيف يقال إن أهل الحديث لمَ لمْ يتساءلوا لماذا تأخرت كتابة الحديث إلى القرن الثاني الهجري؟ وفي الجواب عن أهل الحديث نقول إنهم لم يتساءلوا عن ذلك لأن كتابة الحديث كانت بينهم معروفة مذْ كان الرسول حيا، وتوالت بعده جهود الصحابة والتابعين وأتباع التَّبع على الكتابة والتدوين والتصنيف، وأنتَ فأعْرض عن شَغب المؤلف وصياحه بأن الحديث لما لم يدون مبكرا قبل المائة الأولى عُلم أنه ليس تشريعا ولا مؤهلا أن يكون ناسخا ولا مبيِّنا ولا مفصِّلا للقرآن الكريم، فإنَّ ذلك من الحماقة التي أعْيت صاحبها، ومن الدَّاء العُضال الذي أعجز المريضَ عن إيجاد دوائه...
وللحديث صلة ...وتستمر المعركة...