لا يختلف اثنان لهما عقل وتأدب في اللغة في أن مؤلف الأسطورة قد مُنع البلاغة والبيان عما يختلجه من أفكار، ولذلك تجد أسلوبه منحطا في الغالب، يُسفُّ فيه إسفافا يشعرك أن الرجل غير متمرس بأساليب من ينتقدهم وهم أهل الحديث الذين فصحت ألسنتهم، وجادت لغتهم، ونورَّت عباراتهم، فكأنها من قبس النبوة خارجة، ومن فلَق فيه نابعة...وأنتَ إذا أردت على ذلك شاهدا ودليلا فطالعْ من الكتاب فاتحة ص25 ومما طرحه المؤلف ههنا من شبهات وأراجيف:

- ما برح المؤلف يُدندن حول قضية رواية أهل الحديث للأحاديث المجيزة والمانعة للكتابة، ويرى في ذلك تناقضا في" الشخصية المحدثة"، وعدم اتزان فيها، إذ كيف يروون الشيءَ وضده، والأمر وعكسه، ولعمر الله فإن ذلك ليس منقصة في أهل الحديث، كيف وهو يدلُّ دلالة واضحة على أمانتهم، وصدْقهم وشدَّة توقِّيهم، وسلامة نياتهم، وعنايتهم بنقلِ كلِّ ما هو موجود في الباب أو الموضوع الواحد، فكيف تصبح المنقبة مثلبة، والمحمَدة مطعنا، والحسنة سيئة؟؟ إن هذا لهو الحُمق بعينه والبلادة برأسها؟
- يسوق المؤلف هنا ما سماه أعذار أهل الحديث في رفع التناقض بين الأحاديث المجيزة والمانعة من الكتابة، ويكثر شغبه، ويتناهى لغطه، ويفقد توازنه بل عقله فيدَّعي أن المحدثين قد ورقعوا في " ورطة"، ويا لله العجبُ مَنْ أحق الناس بالوقوع في الورطة، والحصول في السَّقْطة ولزوم الزلة، و وأن تُحصى عليه الهفوة بعد الهفوة: أهل الحديث أرباب ذوي الشأن العلِي، والنَّفَس الزكي، أم أهل الزيغ والضلال ممن يناطح الهامات الكبار، والشوامخ الأعلام؟؟
- يستغرب المؤلف صنيع أهل الحديث في قولهم إن أحاديث المنع من الكتابة منسوخة بأحاديث الإذن، ويدَّعي أن ذلك صنيع غريب، قلت: بل الغريبُ هو عدم انصياع المؤلف لما يقوله أهل الصنعة، إذ هم أدرى بملابسات الأحاديث لأنهم أضبط لهذا الشأن، وأحقُّ منْ يقرر فيها أنها منسوخة.
- يتحدى المؤلف في صفاقة وجه، وقلة حياء وجهالة عمياء من يثبت له أن الصحابة قد كتبوا حديث رسول الله ، ويقول وهو سادرٌ في غيه وحماقته:" ...وإذا كانوا فعلا كتبوا أحاديث رسول الله، فأرونا ماذا كتبوا وما دونوا"؟؟؟؟ ص 25
والمؤلف المفكر المتحدي غافل عما صح عن الصحابة بعضهم لا كلهم من أنهم كتبوا يقول لمثبت الكتابة لذاك الجيل:"...فنقول له أثبت ذلك من خلال تدوينة واحدة..". ص25
ووالله إن الحماقة والسفاهة قد أعيت أصحابها، إذ لو علِم هذا الكاتبُ مقدار ما كتبه الصحابة من الحديث النبوي لعِظم شأنه عندهم وعدِّهم إياه دينا- لما تجرأ على كتابة حرف واحد في هذا المعنى يفضح فيه جهله، ويبين فيه اعوجاج منهجه، وشطط استخراجه، وعُوار نتائجه العلمية؟؟
ولقد سُقنا فيما مضى من جولات وقائع من أخبار بينات تنادي صراحة أن الصحابة قد كتبوا الحديث النبوي أداءً للبلاغ الحديثي على رغم أنف كلِّ معاند شقي؟؟
فأين كانت هذه الأخبار مِن المؤلف وهو الذي يتصدى لمثل الإمام البخاري، أفلا راضَ نفسَه بقراءة المصادر قبل أن يُنازل الأكابر؟ أم يحسَب أن اللعب الحر من الآداب العلمية، والتقاليد الأدبية سيرفع له في العالمين قدرا، ويُعليه بينهم فيصل به إلى الأرض والسما، كلا والله كلا.. ما ازداد المؤلف بين المثقفين إلا مقتا ولا ارتفع له بينهم ذكرٌ ولا سطع له فيهم نجمٌ.
- ويتمادي المؤلف في لجاجه وعناده فيتعالى لغطُه ويكثر صياحُه وندبه عندما يسوق رأي من اعتبر من أهل الحديث أن المنع من كتابة الحديث إنما كان من أجل ألا يختلط ذاك البيان النبوي بالبيان الرباني :القرآن والسبع المثاني، فيعدُّ ذلك من الأعذار الغريبة جدا والخطيرة جدا ص25 و26 ؟؟؟ ونقول نحن إن ذلك من قلة الحياء جدا، ووفور الحماقة جدا، وانتفاء العلم جدا جدا جدا؟؟
وقول من قال بهذا الرأي من أهل الحديث إنما قصد مقصدا ما حام به المؤلف ولن يستطيع، ولا دار في خلده ولن يدور، وهو أن لحديث النبي لطلاوة وعليه لحلاوة، إذ هو الوحي الثاني، والمستند الذي يعول عليه الفقيه المستنبط للحكم الشرعي، فأشبه حاله حال القرآن الكريم في الحجية والاستدلال، فهما – أعني الوحييْن- قد خرجا من في النبي ، والأنوار إذا تزاحمت اختلطت، وإذا تقاربت تزاحمت، فتنبه من تنبه من الصحابة والتابعين المانعين للكتابة إلى هذا المعنى، فقالوا إن المنع أولى، والعهد بالوحيين ما زال قريبا، فلعل مسلما حديث عهد بإيمانٍ يخطئ في إدخال وحي في وحي، وقرآن في سنة، وسنة في قرآن، فإذا حصل المنع أُمنت السبل، وتميز الوحْيان، ووقع التفريق بين الصِّنوان اللذيْن سيردا على النبي الحوض..
وقولُ المؤلف هنا ص26 إنَّ منْ صار إلى هذا القول من أهل الحديث قد أعظم على الفرية، وجنى على الصحابة، إذ لم يعرف أنهم – وهم أهل البلاغة والفصاحة، ورواد الكلِم الحسن والبيان- يميزون بين الكلام المعجز وغير المعجز- في غاية السُّقوط والوهاء، ذلك أنه يقتضي أن َّكل َّكلام في تلك الفترة قاله شاعر مفلق، أو خطيب بليغ مدقق، أو ناثر بيانيٍّ مبرَّز إذا أُعجب به العربي الجهبذ، واستثار فيه بلاغته وبيانه فسَحره وخلَب لبَّه وعقله- كان ذلك قرآنا يتلى، وذكرا يُقدس ويُنمى( يُنسب أيْ إلى الله تعالى)؟؟
وهذا ما لا يقوله عاقل، ولا أحد من ذوي الحجى فاضل؟؟
وأنتَ فدعْكَ من تعاطف المؤلف في ص26 مع أهل الحديث الذين ثبت يقينا أنه يبغضهم، ويتقرب إلى الله تعالى بكرههم- وقوله إن ما قد صنعوا في تبريراتهم لأحاديث الإباحة( يعني الكتابة) هو من العذر الذي هو أقبح من زلة؟
وسبحان الله منْ له يا محدث مراكش وأحوازها أن يحكم على صنيع أهل الحديث الذي ترى فيه أنتَ العيْبَ والشينَ، والخطأ والغلطَ، والهفوةَ والزلة...أأنتَ؟ ومَنْ أنتَ؟؟ أأنتَ زلة؟ أم هفوة؟ أم نقول فيما أنتَ فيه من نقد الكبار:" عذر أقبح من زلة"، بلى أنتَ الزلة بعينها، والخطيئة برأسها، والقُبح بذاته، وأمَّا أن نعتذر لك بأنك لم تشْدُ علما فوق علمك، ومعرفةً فوق معرفتك، فذاك ما لا نُلينه لك، كيف وقد رفعتَ قلمك..وظننتَ أن الطعنَ في الكبار فضيلة، والكلامَ في أهل الحديث منقبة ومزية، والتأويلَ لصنيعهم تحسين للنية فيهم..ألاَ ساءَ ما قدَّرتَ: أيحتاج أهل الحديث إلى ذبِّكَ وأنتَ الطاعنُ المعثارُ حتى تُثبت لهم حسن النية( ص26)؟؟
إنها الصفاقةُ قد أطلَّتْ برأسها؟؟
- ولقد بدا المؤلف في تمام فصل كتابه الذي سماه:" عذر أقبح من زلة " الذي هو في الحقيقة له مهانة ومذلة- منافحا عن القرآن الكريم، ذاباًّ عن حياضه، إذْ أراد أن يُسكت كلَّ من انتقص منزلته وتحيَّف مكانته فيلقمه الشجرَ والحجر، لكننا فطنا إلى حيلته، ووقفنا على دسيسته، وانكشفت لنا خبيئته، فهو قرآني- إن كان كذلك- هالكٌ، وللسنة كاره نابذ..وتراه لذلك يتشبث بكل دليل ساقط، وشاهد للحق دافعٍ، فهو يرى أنَّ منْ نفَّر من الصحابة من كتابة الحديث- إنْ صحَّ عنهم ذلك- إنما صنعوا ذلك لصرف الناس عن الاشتغال بغير القرآن..وهذا حقا هو العذر الذِّي هو أقبح من زلة، إذ كيف يكون الجيل الذي رباه محمد غيرَ مميز للوحيين، فيختلط عليه سبيلُ القرآن وسبيلُ كلام النبي، أم كيف يُظنُّ بصنيع بعض الصَّحابة أنهم ينفِّرون الناس من الحديث وما زال عهدهم بنبيهم قريبا، وجمعُ منْ آمن به وفيرا؟؟
وتستمر المعركة..للحديث صلة قريبة...