لا ينقضي عجبي من الأسلوب الذي كتب به مؤلف الأسطورة كتابه وهو يناقش جيلا من التابعين عاشوا في صدر الإسلام ينطقون صوابا، ويتلفظون سدادا، عربيَّتهم إليها المنتهى في الفصاحة ولغتهم الغاية في البلاغة، ومن كان كذلك لابد أن يكون من يناقشهم أو يعترض على آرائهم مثلهم في البلاغة والبيان، والسداد في المنطق والصواب.
بيْد أن المؤلف لم يرزق السداد في المنطق والتعبير، فهو ينحطُّ فيه إلى حدِّ مستوى تلميذ مبتدئ، ودارج لم يطر شاربه، ولا اشتد ساعده، وأنتَ إذا قرأتَ لهذا التلميذ الصغير فتريث في استجلاء معنى ما يقول، ومراد ما يكتب، فإنك إذا ذهبتَ تريد ذلك من أول قراءة ضللتَ السبيل، وتفرقت بك الطرق، وهجمْتَ على ركاكةٍ في التعبير، وإسفافٍ في المنطق تنادي أن الرجلَ لم يقرأ في هذا العلم الشريف( السنة) إلا من قريب، إذ لو كان قارئا قديما لنصوص السنة وكلام جهابذتها من سنوات، لما انحطَّ هذا الانحطاط الذي يجده القارئ فيما قد عنْونَ به من هذا العنوان:" السنة قاضية على القرآن"؟؟ص27 و28.
والمؤلفُ ههنا قد شحَذ لهذه القضيَّة ذهنه وأعدَّ لذلك عُدَّته، فهي وسيلته السَّانحة للطَّعن في السنة ورموزها، وللنَّيل من أهل الطبقة الممتازة من علماء الحديث وخيارها، ولذلك ذهبَ يرسم لأهل الحديث صورة قاتمة، مليئة بعقد مصادمات- توهمها- مع القرآن الكريم، إذ كيف يكون الكتاب العزيز معروضا على السنة وهي أخبار آحاد ظنية الثبوت؟؟ هل في العقل ما يجيز ذلك ويمضيه؟ أو يُقرُّه ويصححه؟
فأما عقل المؤلف فيأبى الإقرارَ والتصحيح، والإجازة والإمضاء؟؟ ولذلك ترى الكاتبَ يُصاب بالدهشة ص 27 وهي حالة لا يشاركه فيها أحدٌ كما أراد أن يوهمنا أننا نصاب معه بها؟ فإنَّ منْ قرأ القرآن الكريم، ووقفَ على حديث النبي ، وطالع َكلام أهل العلم من المتقدِّمين، وسأل اللهَ بعدُ فهما سديدا وفتحا من الله دقيقا – فإنه لن يُصاب بما أُصيب به المؤلف؟ وكيف يصابُ ومعه نور ربه، وتوفيق سيده ومولاه، يهديه سواء السبيل، ويُرشده إلى صراط مستقيم؟؟
لقد ضلَّل المؤلفُ القارئَ لكتابه تضليلا مبينا، وغطى عليه الحقيقة الساطعة تغطية محْكمة، فهو يبرز في هذا الفصل من كتابه منافحا عن القرآن الكريم، مدافعا عن حياضه، مسقطا كل دعوى تنال منه، وتنقص منزلته، وهذا صنيع ٌمعروفٌ من أمثاله من الحداثيين والعلمانيين الذين يتسترون وراء جدار يكيدون للإسلام من خلاله، فهم في صورة مدافع ناقد، ومنافح طاعن، يجمعون بين الضد وعكسه، وبين النقيض وضده صنيعَ من ختم الله على قلبه فهو يرى النورَ ظلاما، والموت حياة، والتردي سموا ورفعة وسُؤْددا؟؟
ويمضي المؤلفُ في غيِّه سادرا ولكلام أهل العلم ناقلا ضاربا بعضَه ببعض، مُتأولا منه ما يفهمه عقلُه الحداثي، وقناعتُه الفكرية التي تنطق بكراهية القديم قرآنا وسنة، وأصولا وفقها، ولغة وأدبا، وتاريخا وهوية وانتماءً، وآيةُ ذلك ودليله، وشاهدُه وحجتُه من كلامه الذي به يؤاخذ، وعليه يحاسب، ما ذكره من أن الحديث الذين يلمزهم بالشيوخ يرون أن السنة قاضية على القرآن...فهلل المؤلف لذلك واستبشر، إذ ظنَّ أنه سقط على ما يُدين به أهلَ الحديث وينال من منزلتهم فيتضاحك منهم الناسُ، وينفر منهم المسلمون المعاصرون، ويكرهونهم ويولون الدبر عن كتبهم الرفيعة الشأن، الجليلة المقدار كالجامع الصحيح للإمام البخاري وغيره...ولقد خاب ظنُّ المؤلف وانتكس وخسر، إذْ على دليل إدانته سقطنا، وعلى حجة تُهمته بإساءة فهْم نُصوص الأئمة وقفنا، لقد نقل الرجلُ عن يحيى بن أبي كثير قوله:" السنة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنة"، وفرح بذلك وطار سعادةً وتيها؟؟ وحسِب الكاتبُ أنه قد أنهى المعركة لصالحه، فأسقط الأسطورة الأزلية، والسيرة الهلالية والبطْشة العنترية، والمقامة البُحترية، وأمات تلك النفوس الزكية، وحبس تلك الأنفاس الذكية، وطمس تلك الهوية الحديثية للأمة الإسلامية، وحطم الكتاب الماتع النافع الجامع الصحيح ذي المأثرة العلية، والمنزلة الرفيعة السامية؟؟
ومناقشة المؤلف فيما استدل به من هذا القول تكون من وجوه نسوقها إليه ههنا:
الأول: هذا القول بحيى بن أبي كثير لم يخرج في الكتب الصحيحة المقبولة، وليس حديثا مرفوعا إلى النبي ، ولا سنة جاءت عن الصحابة ممن أمرنا بالاقتداء بهم حين الخطوب المدلهمة، بل هو قول لأحد أئمة المسلمين، ورأي لرجل واحد من مشاهير رجالاتهم، وخرَّجه الدارميُّ في مسنده أو سننه برقم607 فهذا الذي رواه من أئمة الحديث الذين تُسلك كتبهم في الحديث الصِّرف المروي، ورواه أيضا بعضُ المؤلفين في مناحي عديدة في الثقافة الإسلامية، كالإمام أبي ذر الهروي في ذم الكلام وأهله 2/59، وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى 1/254 وابنِ عبد البر في جامع بيان العلم 2/1194
فليس هو قولا مرويا في الكتب الموثوقة التي غربلتها الأمة، ونقَّحتها أنظارُ الجهابذة كالصحيحيْن فمن دونهما من أصول الإسلام المعتمدة.
الثاني: ليس هذا القول حديثا مرفوعا ولا خبرا مسندا إلى النبي فيصعب بيان وجه العمل به وشرحه، فهو رأي إمام من التابعين عاش في المائة الثانية الهجرية إذ توفي يحيى بن أبي كثير صاحبه سنة 129ه أو سنة 132هـ، والرجل إمام ثقة كما يقول أبو حاتم الرازي لا يروي إلا عن ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وترجمته في تهذيب التهذيب 11/268 و تذكرة الحفاظ للذهبي1/97 وغير ذلك.
الثالث: قولُ يحيى بن أبي كثير لا يلزم المصيرُ إليه إلا بدليل يُستفاد من غيره من نصوص الأئمة وأقوالها، إذ فهْمُ هؤلاء الأعلام يقدم على فهْم غيرهم، لأنهم أدرى بالشائع من ثقافة عصرهم وعِلم أوانهم، فإليهم المرجع في الفهم، وهذا يقول به الخصوم أيضا فهم يفهمون ما يروى عن فكتور هيجو في ضوء عصره، وملابسات وقته، فإذا كان ذلك جائزا عندهم في أفراد من الناس، ووُحدان من العوام، فلَأَنْ يكون جائزا في فُضلائهم وأعيانهم أولى.
لقد كان شائعا في القرن الثاني الهجري أن السنة تشرح القرآن الكريم وتفسره، لأن أولى الناس ببيان القرآن رسول الهدى والبيان محمد العدنان، فعليه أنزل، وهو به نطق، فكان بيانه للقرآن لفظا ومعاني، حرفا ومباني، ورسما وتفسيرا، وفي هذا نصوص كثيرة أعرض المؤلف عن إيرادها لأنها تهد عليه السقف هدا، وتنقض عليه كتابه نقضا، وتدعه خرابا خرابا...
الرابع:كلام يحيى بن أبي كثير يحمل على الشائع في عصره من أن السنة تشرح القرآن الكريم وتفسره، والقرآن يحتاج إلى بيانها وشرحها، وتعبير يحيى بن أبي كثير خاص به، ولا يلزم غيره من أهل الحديث الذين رأوا في كلامه مغالاة في التعبير كالإمام أحمد بن حنبل الذي نقل عنه المؤلف مغتبطا سعيدا قوله المنتقد لقول ابن أبي كثير- لأنه ينصر مذهبه الزائغ في السنة، وسبحان الله أهل الحداثة والعلمنة يستشهدون بقول إمام من الأئمة المتبوعين وغيرهم من الخالفين إذا وافق آراءهم " التقدمية" و" التنويرية"، و" الثورية" " المتقدمة"؟؟ ولو علموا ما كان عليه هؤلاء الأئمة الأعلام من التعظيم للسنة والغيرة عليها والدفاع عنها ما حاموا بحماهم ولا احتفلوا بأقوالهم، فالإمام أحمد بن حنبل علَم السُّنة وجبلُها، وسيِّدُ سادات العلماء في المعرفة بالحديث لو همَّ بعضُ الحداثيين ببابه بتشغيب، أو عزم بعضُ القرآنيين بحماه بتفريقٍ بين العمل بالكتاب لأنه أصل، وبين التوقف في السنة لأنها فرع – لأعلن الإمامُ الجهادَ حسبة..
الخامس: ما نقله المؤلف عن الإمام أحمد بن حنبل من قوله لما نقل إليه قول يحيى بن أبي كثير :" ما أجسرُ على أن أقوله بل أقول أن السنة تفسر القرآن وتبينه"، فيه ضربة قاصمة له، ودليل على تهافت طرحه، إذ يفيد أن الإمام أحمد ويحيى بن أبي كثير متفقان على أن منزلة السنة من الكتاب بمنزلة الرأس من الجسد، لا يُتصور عيش بدونهما، ولا حياة من غيرهما مجتمعيْن غير متفرقيْن، وحسبك ما قاله أحمد في آخر اعتراضه من أن السنة شرحٌ للقرآن وبيان له، فأين ما فهمه المؤلف من أنه يشك في إيمان الناطق بهذا القول ويتهمه في عقله في إسفافٍ وتعييرٍ بعبارة بينها وبين العربية السليمة الأصيلة بونٌ شاسع ومفاوز وبراري وصحارى...
وللحديث صلةٌ ..وتستمر المعركة...