قال ابن القيم في كتاب ( الروح ) ما خلاصته : إن الدين كله يدور على أربع قواعد : حب وبغض ، وفعل وترك ، والفعل والترك يترتب على الحب والبغض ؛ فمن كان حبه وبغضه وفعله وتركه لله فقد استكمل الإيمان ، بحيث إذا أحبَ أحب لله ، وإذا أبغض أبغضَ لله ، وإذا فعل فعلَ لله ، وإذا ترك تركَ لله ، وأي نقص من هذه الأربعة يعد نقصا من إيمان العبد ودينه بحسبه .

وهذا بخلاف الحب مع الله فهو نوعان : نوع يقدح في أصل التوحيد وهو شرك ؛ ونوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله ولا يخرج من الإسلام .

فالأول كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم ؛ قال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ، وهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم وآلهتهم مع الله ، كما يحبون الله ؛ فهذه محبة تأله وموالاة ، يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء ؛ وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره الله ، ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد ، وشدة بغضها وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم ؛ وبذلك أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه ، وخلق النار لأهل هذه المحبة الشركية ، وخلق الجنة لمن حارب أهلها وعاداهم فيه وفي مرضاته ، فكل من عبد شيئًا من لدن عرشه إلى قرار أرضه فقد اتخذ من دون الله إلها ووليا وأشرك به كائنا ذلك المعبود ما كان ، ولا بد أن يتبرأ منه أحوج ما كان إليه .

والنوع الثاني : محبة ما زينه الله للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ؛ فيحبها محبة شهوة ، كمحبة الجائع للطعام ، والظمآن للماء ، فهذه المحبة ثلاثة أنواع : فإن أحبها لله توصلا بها إليه واستعانة على مرضاته وطاعته أثيب عليها ، وكانت من قسم الحب لله توصلا بها إليه ، ويلتذ بالتمتع بها ، وهذا حال أكمل الخلق  الذي حبب إليه من الدنيا النساء والطيب ، وكانت محبته لهما عونا له على محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره .

وإن أحبها لموافقة طبعه وهواه وإرادته ولم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه ، بل نالها بحكم الميل الطبيعي ، كانت من قسم المباحات ، ولم يعاقب على ذلك ، ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه .

وإن كانت هي مقصوده ومراده وسعيه في تحصيلها والظفر بها ، وقدمها على ما يحبه الله ويرضاه منه كان ظالما لنفسه متبعا لهواه .

فالأولى محبة السابقين ، والثانية محبة المقتصدين ، والثالثة محبة الظالمين .

فتأمل هذا الموضع وما فيه من الجمع والفرق ، فإنه معترك النفس الأمارة والمطمئنة ؛ والمهدي من هداه الله .