بسم الله الرحمن الرحيم

“سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين “.. (2
)

“والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فأجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون”..(4
“والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنّه لمن الصادقين، والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين” ..9
“إنّ الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا فى الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم” (23
– سورة النور تبدأ ببداية قوية ومؤكدة (سورة أنزلناها وفرضناها) وبالعقوبة المفروضة على الزانية والزاني، وعدم الرأفة بهما، مما يؤكد عظم هذه الكبيرة وتأثيرها فى المجتمع والأسرة من إستقرار وحفظ النسل وإثبات النسب وصحة الأفراد وغيره..

- الكلمات (فأجلدوا كل واحد منهما، ولا تأخذكم بهما ،وليشهد عذابهما(
تشير الى القبض عليهما (الإثنين معا) فى حالة تلبس وليس تطبيق الحكم على واحد فقط عبر الأخبار أو الشائعات.

(الزانى لا ينكح إلا زانية)
لم يطلق القرآن عليهما صفة الزاني والزانية إلا بعد قبضهما بالجرم المشهود، وإقامة العقوبة عليهما،

ولكن من لم يحضر شهودا أربع لحادثة الزنا أطلق عليها (المحصنة) كما الآية التالية:
“والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فأجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون”..(4)
تأدبا من القرأن الكريم بأن وصف أولئك النساء بـ(المحصنات) رغم أن" بعضهن" قد يكن إرتكبن فعلا جريمة الزنا، إلا أنه توجد صعوبة فى إثبات ذلك بإحضار أربعة شهداء كما إشترطت الآية..
وثانيا لتحريض المؤمنين على (حسن الظن) عموما وبأولئك النساء حتى ولو كان الوضع مشبوها.
لما في القذف من إشانة سمعة للمرأة قد تمتد لأسرتها ومستقبلا لأبناءها وإثبات نسبهم إلخ، ولما فى القذف من فعل تجسس مبغوض دينيا.
ولذا كانت عقوبتهم 80 جلدة وعدم قبول شهادتهم أبدا
.
-وأمام ذلك الفعل (الرمي بالزنا) لا يحدث أكثر من أمرين، إما عقاب القاذف بشدة إذا لم يحضر أربعة شهود، وإما عقاب الزناة إذا أحضر أربعة شهود. ولم يترك الله تعالي الأمر مفتوحا، لخطورته البالغة على المجتمع وعلى سمعة المرأة
.
- الملاحظ أن كل الآيات التحذيرية فى سورة النور التى تتحدث عن الرمي بالزنا توجه الى من يرمي (إمرأة) بالزنا، وليس من يرمي (رجلا)، وذلك لأن المرأة وسمعتها وشرفها أكثر حساسية من الرجل فى كل الأزمان وكل المجتمعات، فعادة لا يعيب المجتمع الرجل (الزاني) وقد لا يؤثر هذا الفعل بسمعته أبدا مقارنة بالمرأة، رغم أن العقوبة الدينية الدنيوية والأخروية واحدة بالنسبة للرجل الزاني والمرأة الزانية.

وفى الآية رقم ( 23) من نفس السورة تقول “إنّ الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا فى الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم”..
أى إنّ الذين يرمون نساء محصنات (حقيقة) لدوافع غيرة وحسد وحقد وتشويه سمعة، فإنّ الله تعالى يدافع عن أولئك المحصنات بأن يلعن قاذفيهم فى الدنيا والآخرة ويعذبهم عذابا عظيما، فالله تعالى عالم الغيب والشهادة والذي لا يغيب عن علمه شئ صغر أو كبر يدافع عن أولئك النساء (المحصنات المؤمنات) فى وجود القانون أو فى غيابه، ولتمييزهن عن بقية النساء "غير المحصنات."
وفيه تقدير الإسلام للنساء المؤمنات الملتزمات بعفتهن طاعة لله تعالى بأن يدافع الله تعالى بنفسه عنهن بإلحاق اللعنة بمن يرميهم فى الدنيا والآخرة وأيضا العذاب العظيم.
ومن رحمة الله تعالى أنه يدافع أيضا عن (الغافلات) بل وذكرهن قبل "المؤمنات" كما فى الآية، والغافلات هن النساء اللاتي لم تصلهن دعوة الإسلام أو الإيمان بالله، كما فى الآية فى سورة يس (لتنذر قوما ما أنذر آباءهم فهم غافلون)، أى لم تصلهن دعوة أبدا، ولكنهن مع ذلك يحافظن على عفتهن بالفطرة أو بسبب تقاليد أو عادات أو ديانة سائدة، فالله تعالى يدافع عنهن بأن يعاقب ويعذب من يرميهن بالفاحشة أشد العذاب، وفى ذلك تأكيد لبشاعة الزنا وكم يبغضه الإسلام (إنه كان فاحشة وساء سبيلا)..صدق الله العظيم

ونفهم ضمنيا أن المشركات (وهن من وصلتهن الدعوة الى الله ولكنهن لم يؤمن) لن يدافع الله تعالى عنهن أمام من يرميهن بالزنا، فهن بعيدين عن الله وعن رحمته وعنايته، والدليل على ذلك بداية السورة فى عقوبة الزاني والزانية )الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك حرم ذلك على المؤمنين) ..فلقد تساوي الزان والمشرك لا فرق بينهما..