من لطائف القرآن



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد بن عبدالله صلى الله علية وعلى آلة وصحبة وسلم أجمعين وبــــــعد :

فعندما يعيش المؤمن بقلبه مع كلام الله تعالى متدبراً ومتأملاً يجد أسراراً في التعبير القرآني وكنوزاً ضخمة من اللطائف والإيحاءات يعجز البشر جميعاً عن الإتيان بمثلها مما يجعل صاحب العقل السليم والقلب الواعي يسلم بأنه كلام الله تعالى ولما هممت بالكتابة تزاحمت الخواطر والأفكار فقد تعودت على الانطلاق باللسان أكثر مما يفتح الله به علي . فالمهمة صعبة ولكن استعنت بالله تعالى ودعوت الله مخلصاً أن يوفقني لأنقل لكم ما يفتح الله من فهم وتدبر ولطائف في جمال التعبير القرآني .

وأؤكد بداية أن كل حرف من كتاب الله وضع في موضعه للدلالة على معنى دقيق أراده الله تعالى ولا يمكن أن يؤدى المعنى بغيره ولذلك تجد بعض الكلمات وردت في أكثر من موضع بلفظين مختلفين ويرى البعض أن ذلك مجرد تنوع في الاستعمال , لكن بعد التأمل تدرك أسرارا دقيقة تؤكد على أنه كلام الله تعالى

ومن ذلك قوله تعالى ( ) الآية *رقم 99 الأنعام * ,

وقوله تعالى ( ) الآية *رقم 141 الأنعام * .



فقد استعمل الحق في الآية الأولى مشتبهاً وفي الآية الثانية متشابهاً فما الفرق ؟ وما السر في ذلك ؟

أقول وبالله التوفيق يرى البعض أن الكلمتين بمعنى واحد وهذا غير دقيق لأنك إذا تأملت تجد أن هناك فرقاً دقيقاً في المعنى بينهما .أراده الله ،ولا يمكن وضع إحداهما مكان الأخرى.

فمشتبهاً من الاشتباه والفعل اشتبه أكثر ما يفيد الالتباس والإشكال فأقول هذا الشيء اشتبه علي بمعنى التبس

أما التشابه فأكثر ما يفيد التشابه بين شيئين سواءً أدى ذلك إلى الالتباس أم لم يؤد . إذن هناك فرق بين قولك , هذا الشيء اشتبه بكذا أي التبس . وقولك هذا الشيء تشابه بكذا أي وجد شبه بينهما .

ولو تأملت الآية الأولى التي ورد فيها متشابها لأدركت أن الحق جلت قدرته يبين في سياق الآية الدلالة على قدرته وآياته الباهرة في خلقه , فيتحدث الحق عن المراحل الأولى في إنبات النبات فيشير إلى أنه أنزل من السماء ماء ً فأخرج به نبات كل شيء فأخرج منه خضراً , مشيراً إلى تسلسل عملية النمو والإنبات , والنبات في هذه المرحلة يحتاج إلى دقة تأمل ونظر واعتبار , فهو في مرحلة (( اشتباه )) أي يلتبس نوعه وشكله , ولذا لفت الحق الأنظار بعد أن قال مشتبهاً وغير متشابه

فقال (انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه) , فهذه دعوة للتأمل والاعتبار،ولذا لا بد من (متشابها) ثم ختم الآية الكريمة بقوله تعالى ( إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون )



أما في الآية الثانية التي استعمل الحق فيها متشابهاً فتجد الحق يبين كمال قدرته في إنشاء الجنات المعروشات وغير المعروشات مبيناً قدرته في إتمام نضج الثمار , ولذا يذكر هنا والنخل والزرع مختلفاً أكله , فكلمة( أكله )تعني أن الثمار قد اكتملت ونضجت وأصبحت صالحة للأكل , ولذا فالثمار هنا متشابهه وليست مشتبهة بخلاف الآية الأولى ولذا قال: بعدها هنا( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) , فهذا أمرُ بالأكل , بخلاف الآية الأولى , كان الأمر فيها بالنظر والتأمل , وبعد هذا ألا يدرك صاحب أدنى تأمل أن هنا ك فرقاً بين( مشتبهاً , ومتشابها), وأنه لا يمكن استعمال الكلمة منهما مكان الأخرى ؟ ومن العجيب أن القراء جميعاً اتفقوا على قراءة الكلمتين كل كلمة في موضعها ,بلفظها دون اختلاف وهذا دليل على أن القراءات وحي منزل من عند الله تعالى لا اجتهاد لأحد فيها .

ومن دقة التعبير القرآني أنه في الآية الأولى قال( مشتبهاً وغير متشابه) , وهنا أمر يلفت النظر وهو أنه أثبت الاشتباه , فقال ـ مشتبهاً ـ وعند النفي نفى التشابه فقال ـ وغير متشابه ـ فلماذا لم يقل وغير مشتبه ؟

نقول : تأمل يا أخي هذا السر ـ لأن نفى الاشتباه لا يؤدي إلى نفي التشابه ـ فلو قلت هذا الشيء غير مشتبه علي ـ فلا يعني أنه غير متشابه , بخلاف ما لو قلت ـ هذا الشيء غير متشابه ـ فينفي الاشتباه من باب أولى .والله أعلم

وهناك الكثير من أسرار التأمل والتدبر في كتاب الله تعالى ,

وهذه مجرد مقدمة وأرجو ممن يقرأ هذا ويرد في خاطره بعض الآيات التي يحتاج إلى إيضاحها فليكتب لي وأنا على استعداد بعون الله تعالى وتوفيقه ،للرد عليه للبيان والتوضيح بقدر طاقتي البشرية

وفي النهاية ألا يستحق هذا الكلام المعجز أن نخر لله سجدا خاشعين مقريين أنه كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنـزيل من حكيم حميد ؟

وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين

وإلى لقاء آخر مع بيان إعجاز القرآن الكريم في لطيفة أخرى من اللطائف أستودعكم الله وفي انتظار ردودكم

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آلة وصحبة وسلم أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتة


محمود سعد شمس


ملاحظة :آمل عند نقل هذا الموضوع الإشارة إلى مصدره . وهو شبكة ومنتديات بلاد ثمالة .
المصدر اضغط هنا