كلماتك عنوان لقلبك وعقلك

عمر بن عبد المجيد البيانوني
http://omarbianony.wordpress.com/

الكلمةُ هي انعكاسٌ لما في العقل والقلب، ولهذا يرتقي بالكلمة أشخاص ويسقط آخرون، فهي ليست مجرد كلمة، وإنما هي تعكس ما وراءها من الإيمان أو الكفر، من المحبة أو البغض، من البر والوفاء أو العقوق والجفاء..

فكلمةُ التوحيدِ (لا إله إلا الله) يدخل بها المسلمون الجنة؛ لأنها تعبِّر عن إيمانهم بالله وتوحيدهم له.

وقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، والذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء.

وعندما قال المشركون لأبي بكر الصديق : يَا أَبَا بكر هَل لَك فِي صَاحبك يخبر أنه أَتَى فِي ليلته هَذِه مسيرَة شهر ثمَّ رَجَعَ فِي ليلته!

فَقَالَ أَبُو بكر: (إِن كَانَ قَالَه فقد صدق، وَإِنَّا لنصدقه فِيمَا هُوَ أبعد من هَذَا نصدقه على خبر السَّمَاء).

فهذه الكلمة التي قالها أبو بكر تعكس مدى إيمانه وتصديقه، وقد رفعته إلى أرفع المنازل.

ولهذا جعل اللهُ تعالى الكلمةَ الطيبةَ كالشجرة الطيبة ذات الأصل الثابت التي تُؤتي ثمارَها كل حين، فقال: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ).

وأخبر الله تعالى أنه يثبِّت عبادَه المؤمنين بالقول الثابت، فقال: (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ).

وقد وعد الله تعالى المؤمن بالأجر العظيم عندما تصيبه المصيبة فيصبر ويقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، فقال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157). لأنه يعبِّر بذلك عن إيمانه بالله ورضاه بما قضاه وقدره، ومَنْ رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط.

وعندما قال المؤمنون: (حسبنا الله ونعم الوكيل)، انقلبوا بنعمة من الله وفضل؛ لأنهم عبَّروا بهذه الكلمة عن صدق توكلهم على الله ويقينهم به وبفضله.

ويوسفُ عليه الصلاة والسلام عندما راودته امرأة العزيز عن نفسها قال: (مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)، فكشف بكلمته عن تمام عفَّتِه ووفائه.

وبعد أنْ كاد له إخوته كيداً وأرادوا الإساءة إليه ونجَّاه الله من ذلك وجعلَ كيدَهم لمصلحته، قال لهم وهو في ملكه وقوَّته: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، فكشف بكلمته عن نقاء معدنه، وسعة صدره، وعَظَمَة أخلاقه.

وبعد أنْ أتمَّ اللهُ تعالى التمكينَ ليوسف في الأرض وآتاه الملك وأقر عينه بأبويه وإخوته قال: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)، فعبر بكلمته عن عظيم شكره لله تعالى.
وعندما قال ذو القرنين الذي مكَّنه الله في الأرض وآتاه من أسباب القوة والتمكين: (مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ)، كشف بكلمته أنه لم تغره قوته وقدرته، بل نسب ذو القرنين الفضل إلى الله ابتداء وانتهاء؛

فابتداءً: (قَالَ: مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ)، وانتهاءً بعد أن أحكم السد خير إحكام: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي)..

وعندما قال قارون: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)، كشف بكلمته عن غروره واعتداده بنفسه ونسيانه لربه.

وعندما قال الذين يريدون الحياة الدنيا عندما خرج قارون في زينته: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، كشفوا بكلمتهم عن اغترارهم بالدنيا، وعدم اعتبارهم بسنن الله وآياته في خلقه..

وعندما قال الذين أوتوا العلم: (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ)، كشفوا بكلمتهم عن تذكرهم للآخرة، وعدم اغترارهم بالدنيا.

وعندما قال المشركون: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)، كشفوا بكلمتهم عن حسدهم وبغيهم واعتدائهم على حقِّ الله تعالى، فالله وحده يقسم رحمته وفضله كيف يشاء، فأجابهم الله سبحانه مستنكراً عليهم: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِياً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).

وهكذا هي الكلمات تعبر عمَّا في القلب والعقل.. وكلُّ إناءٍ بما فيه ينضح. فانظر وتأمَّل في كلماتك لِتعرفَ نفسَك ومقامَك!

وصلى الله على سيِّدنا ونبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، والحمدُ لله ربِّ العالمين.