كان ممن لقيت بمكة المكرمة شرفها الله المحدث العلامة الأستاذ الدكتور طه بوسريح التونسي المجاور الآن بالبيت العتيق...وهو رجل وإن كان في السن متقدما فهو يفيض نشاطا وذكاء، وعلما وأدبا..جميل المذاكرة ..مسترسل الحديث لا تنفك مجالسه من فائدة علمية ولطيفة أدبية...وكان مما حدثني به في ذلك اللقاء المكي في ظلال البيت العتيق حديثٌ مستفيض عن أعماله العلمية التي يدور غالبها على تحقيق نوادر في الحديث وتراجم أهله وفنونه...والتعريف بأعلام السنة في الغرب الإسلامي كالأصيلي والقابسي وغيرهما...ومن ذلك حديث عن أعمالي العلمية التي نشرتها...وكان مما حدثني به اشتغال طالبة علم تحت إشرافه بابن الطرابلسي الذي كتبت عنه لأول مرة في تاريخ الدراسات الحديثية المعاصرة كتابا..قال الشيخ المحدث:" قالت لي الطالبة إنها استدركت عليك أمورا..."، فقاطعته قائلا: هذا مما أسر به ويثلج صدري...وطالت ليلتنا تلك في ذاك اللقاء المكي المعطر ببهاء البيت العتيق في مسامرة علمية كثر نفعها وعذب معينها وغارت نجومها إلا نجما واحدا هو الشيخ طه بوسريح كان الله له ومد في عمره...وكان مما أهدانيه كتابه الماتع اللطيف:" قصص ضعيفة من التاريخ الإسلامي"، وفيه ذكر الشيخ سلمه الله قصصا معروفة مشهورة يعرفها الناس صحيحة بينما كشف له البحث العلمي الرصين ضعفها ووهاءها وزيفها وبطلانها مثل قصة ثعلبة بن حاطب في امتناعه عن الزكاة، وحديث عمر:" كل الناس أفقه من عمر"، وحادثة خروج المرأة إلى السوق وأمرها بالمعروف، وقصة أحمد بن حنبل والإمام يحيى بن معين والقاص الذي كذب عليهما...وغير ذلك مما يكتب والله بماء الذهب بل بماء العيون...وهو الكنز المدفون، والسر الموعود والعلم الذي هو عين الحقيقة ومنتهى البرور بالآباء ...