أقسام التفسير:

موضوع أقسام التفسير من الموضوعات التي اهتم بها العلماء منذ زمن:
- و لعل أول تقسيم للتفسير هو الذي ورد عن الصحابي الجليل حبر هذه الأمة ابن عباس ، فقد ورد عنه أنه جعل التفسير أربعة أقسام: روى الإمام عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره، قال حدثنا الثوري قال: قال ابن عباس:" تفسير القرآن على أربعة وجوه: تفسير يعلمه العلماء و تفسير تعرفه العرب، و تفسير لا يعذر أحد بجهالته-يقول من الحلال و الحرام-، و تفسير لا يعلمه إلا الله و من ادعى علمه فهو كاذب".[1].
و قد أورد هذا الأثر الإمام الزركشي في برهانه معلقا عليه بقوله: و هذا تقسيم صحيح، ثم شرع يوجه هذه الأقسام و يوضحها.
و كما يلاحظ فإن هذا التقسيم الذي قال به ابن عباس إنما هو باعتبار القرآن نفسه و ما احتواه من المعاني.
- ثم بعد ذلك ظهر اتجاه آخر في التقسيم، حيث قسم التفسير باعتبار طريقة المفسر في اعتماده الرواية أو الرأي أو باعتبار مصدر التفسير، فقسم التفسير إلى قسمين: تفسير بالرواية و هو ما يسمى التفسير بالمأثور، و تفسير بالدراية و هو ما يسمى التفسير بالرأي.

أما التفسير بالمأثور: فهو تفسير القرآن بالقرآن أو بالسنة أو بكلام الصحابة أو التابعين إليهم بإحسان.- و إن اختلف في التابعين على قولين فمنهم من يدرجهم في هذا النوع من التفسير و منهم من لا يدرجهم- ، و الراجح اعتبار أقوال التابعين من التفسير بالمأثور، و هذا ما قام به الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره المسمى جامع البيان في تأويل آي القرآن، و هو من أحسن التفاسير بالمأثور، و من أفضل الكتب في هذا النوع من التفسير كذلك تفسير الحافظ ابن كثير، الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام جلال الدين السيوطي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية، ومعالم التنزيل للبغوي و غيرها.
و كل التفاسير الأولى كتفسير سفيان ابن عيينة و شعبة بن الحجاج و يزيد بن هارون و وكيع بن الجراح و غيرهم كلها كانت تفاسير بالمأثور جامعة لأقول الصحابة و التابعين.
و هذا النوع من التفسير هو أعلى أنواع التفسير و في مقدمته طبعا تفسير القرآن بالقرآن، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام تعالى في مقدمة التفسير.

التفسير بالرأي: و هو تفسير بالاجتهاد، و ينقسم إلى محمود و مذموم، فإن كان الاجتهاد موفقا أي مستندا إلى ما يجب الاستناد إليه بعيدا عن الجهالة و الضلالة فالتفسير به محمود لا مذموم، و قد ذكر الإمام الزركشي أمورا أربعة يجب على المفسر بالرأي أن يستند إليها حتى يكون تفسيره محمودا جائزا.
و من كتب التفسير بالرأي الجائز: أنوار التنزيل و أسرار التأويل للإمام البيضاوي، و مدارك التنزيل و حقائق التأويل للنسفي، و البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، و روح المعاني في تفسير القرآن العظيم و السبع المثاني للألوسي و غيرها.
- و هناك من أضاف إلى هذين القسمين قسما آخر، فقد قسم بعضهم التفسير باعتبار آخر إلى ثلاثة أقسام: تفسير بالرواية و يسمى التفسير بالمأثور و تفسير بالدراية و يسمى التفسير بالرأي و تفسير بالإشارة و يسمى التفسير الإشاري: و" هو تأويل القرآن بغير ظاهره لإشارة خفية تظهر لأرباب السلوك والتصوف ..."[2]

و قد اختلف أهل العلم في جواز هذا النوع - التفسير الاشاري- فنهم من أجازه و منهم من منعه[3].
- و هناك من جعل التفسير ثلاثة أقسام: تفسير بالمأثور و تفسير بالرأي و التفسير الفقهي: و هو التفسير الذي غلب عليه الجانب الفقهي و ذكر الأحكام الفقهية، و من هذا النوع: جامع الأحكام للقرطبي و أحكام القرآن لابن العربي المالكي و أحكام القرآن للجصاص و غيرها.
و هناك تقسيمات أخرى للتفسير باعتبار ما غلب عليه: فيذكرون مثلا: التفسير التاريخي و التفسير الأدبي و التفسير النحوي و التفسير الإجتماعي..

و من التقسيمات المعاصرة أو الحادثة: تقسيم القرآن إلى تحليلي و موضوعي و إجمالي و مقارن، فمن أهل العلم من قسم التفسير إلى تحللي و موضوعي، و منهم ن جعله رباعيا: تحليلي و موضوعي و إجمالي و مقارن.
و كلا التقسيمين حادث، فلم تكن هذه الاصطلاحات معهودة عند العلماء قديما، و إنما هي اصطلاحات أطلقها بعض العلماء المعاصرين على أنواع التفسير باعتبار طبيعته و اتجاه و منهج المفسر و طريقته في التفسير.
و قبل أن نتحدث عن هذا التقسيم و هل له جدوى و فائدة أم لا، أرى أنه لا بد من ذكر المقصود بهذه الاصطلاحات:

1- التفسير التحليلي:
التحليل لغة مصدر حلل يحلل تحليلا، جاء في المعجم الوسيط:" حلل العقدة حلها و الشيء رجعه إلى عناصره، و التحليل: تحليل الجملة بيان أجزائها و وظيفة كل منها"[4].
يقول الدكتور مساعد الطيار:" التحليلي نسبة إلى التحليل، و المراد تفكيك الكلام على الآية لفظة لفظة و الكلام على ما فيها من معان و إعراب و أحكام و غيرها، ثم الانتقال إلى ما بعدها و هكذا.."و يقول:" -هو- أي أن يعمد المفسر إلى تفسير الآيات حسب ترتيبها في السورة و يذكر ما فيها من معاني و أقوال و إعراب و بلاغة و أحكام و غيرها مما يعتني به المفسر"اهـ[5].

فالتفسير التحليلي هو الذي يتتبع فيه المفسر آيات القرآن-من أوله إلى آخره- يقف عند كل كلمة و لفظة فيفسرها و يقف عند كل آية فيحللها من جميعه الوجوه: فيذكر ما يتعلق بالمعاني اللغوية و الجوانب الإعرابية و يبين معاني الجمل و التراكيب و يذكر ما ورد في أسباب النزول و إن وردت آثار و أقوال عن السلف في تفسير الآية ذكرها..
و يعتبر هذا النوع من التفسير السمة البارزة و النوع المهيمن على أغلب التفاسير إلى زماننا، فأشهر التفاسير كلها من هذا النوع، فتفسير ابن جرير و ابن كثير و المحرر الوجيز و جامع الأحكام للقرطبي و أحكام القرآن لابن العربي و غيرها كلها من هذا القبيل، و كل من يؤلف في التفسير فإنه غالبا ينهج الأسلوب التحليلي.

2- التفسير الموضوعي:
يعتبر التفسير الموضوعي من المصطلحات التي ظهرت في هذا العصر، كنوع من أنواع التفسير الذي ينهج فيه صاحبه تفسير القرآن حسب الموضوع، فهو تفسير باعتبار الموضوع أو بمعنى أوضح عبارة عن جمع المفسر آيات القرآن الكريم المتناسبة في موضوع ما، و المتجهة إلى غاية واحدة، فيجمعها و يكون منها موضوعا يفسره ليبين موقف القرآن منه.
و الموضوع لغة اسم مفعول من مادة وضع، قال صاحب مختار الصحاح:" وضع الشيء من يده يضعه وضعا و موضعا و موضوعا أيضا و هو أحد المصادر التي جاءت على مفعول.". [6].
و الموضوع: الشيء الذي وضع في مكان ما حسيا كان أو معنويا. و في المعجم: الموضوع المادة التي يبني عليها المتكلم و الكاتب كلامه.
و أما في اصطلاح أهل التفسير فهو:" علم يبحث في قضايا القرآن الكريم المتحدة معنى أو غاية عن طريق جمع آياتها المتفرقة و النظر فيها على هيئة مخصوصة و بشروط مخصوصة، لبيان معناها و استخراج عناصرها، و ربطها برباط جامع"، فأي موضوع جمع المفسر آياته من خلال القرآن و تتبعها و فسرها بطرقة علمية مستندا إلى التفسير التحليلي لها، و جمع بحثه في رسالة أو كتاب أو مقال، يرجع إليه من أراد معرفة موقف القرآن الحكيم من هذا الموضوع ، سمي تفسيره تفسيرا موضوعيا.
قال الدكتور مساعد الطيار:" المراد بالموضوعي في اصطلاح أهل التفسير إما موضوع من خلال سورة و إما من خلال القرآن، مثلا" الأخلاق من خلال سورة الحجرات" أو " الأخلاق من خلال القرآن"" اهـ، ثم ميز بين البحث الدلالي و البحث الموضوعي فقال:" و أما دراسة لفظة من خلال القرآن، فإن كانت دراستها من جهة الدلالة و المعنى المراد بها في القرآن فإنها لا تدخل في مسمى الموضوع، و إن كان المراد دراستها من جهة كونها موضوعا فإنها انتقلت من البحث الدلالي إلى الموضوعي" اهـ[7].
و قد مثل لذلك بكلمة"الخير" فإذا اهتم المفسر بالبحث عن مراد الله تعالى بهذه اللفظة و الوقوف على معانيها في كل المواضع التي وردت فيها، فهذا لا يدخل في التفسير الموضوعي، و إنما اهتم بذلك أهل الوجوه و النظائر، أما إذا اهتم بكلمة "خير" و أراد أن يبحث عن الخير كموضوع من مواضع القرآن دون الاقتصار على معني لفظة خير، صار البحث موضوعيا.
و أذكر مثالا آخر: كلمة "الهدى"، إذا بحثنا عن هذه اللفظة في القرآن الكريم و عن مشتقاتها و معانيها بحسب السياق، كان هذا بحثا دلاليا، أي أننا نبحث عن دلالة هذه الكلمة، و هذا يدخل في " الوجوه و النظائر" حيث ذكر أهله أن لهذه الكلمة سبعة عشر وجها أو معنى. أما إذا بحثنا عن كلمة "الهدى" في القرآن الكريم كموضوع، فهذا هو الذي يدخل في التفسير الموضوعي.
و يعتبر ما يسمى بالتفسير الفردي اللبنة الأساسية لهذا النوع من التفسير، و المقصود بالتفسير الفردي تفسير المفردات لغة و اصطلاحا، فعندما يشرع المفسر في جمع مفردة معينة من القرآن و ما يتعلق بمعانيها و ورودها في القرآن الكريم و ما إلى ذلك فإنه يكون بذلك قد تكونت لديه النواة الأولى و الأساسية للبحث الموضوعي المتعلق بهذه الكلمة أو اللفظة.
و التفسير الموضوعي و إن كان مصطلحا جديدا فإن له جذور عميقة، وربما يمكن القول بأن نشأة هذا النوع من التفسير ابتدأ من عهد النبي صلى الله عليه و سلم، و أصحابه الكرام عليهم من الله أفضل الرضوان، فقد كان الواحد منهم ربما سأل عن كلمة أشكلت عليه، و هذه الكلمة قد وردت في عدة مواضع من القرآن، فتتكون وحدة موضوعية لفكرة تطرأ في ذهنه يسأل عنها و النبي صلى الله عليه و سلم يبين و يزيل الإشكال، و لعل من أقرب الأمثلة لهذا، حديث ابن مسعود ، حيث أشكل على الصحابة قوله تعالى:" الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولائك لهم الأمن و هم مهتدون"- الأنعام:82- ، متسائلين: و أينا لم يظلم نفسه، فبين لهم النبي صلى الله عليه و سلم أن الأمر ليس كما فهموا و إنما المراد بالظلم في هذه الآية الشرك،" إن الشرك لظلم عظيم"- لقمان:13-، ففسر آية الأنعام بآية لقمان و هذه طريقة التفسير الموضوعي حيث يجمع المفسر الآيات المتعلقة بموضوع و ينظر إليها مجتمعة حتى يتبين له موقف القرآن الكريم من هذا الموضوع أو ذاك.
و هذا النوع من التفسير ينقسم بدوره إلى قسمين:
- التفسير الموضوعي العام و هو الذي يكون بين عناصره و أطرافه وحدة في الغاية لا في أصل المعنى، و قد نمثل لذلك بموضوع الأخلاق في القرآن، فهذا الموضوع يشمل قضايا كثيرة تربط بينها وحدة في الغاية فقط، فيدخل تحته الصدق، الصبر، الوفاء..، و هذا النوع من التفسير هو الطابع الغالب على تفاسير الأحكام كأحكام القرآن لابن العربي المالكي و غيره.
- التفسير الموضوعي الخاص و هو الذي يكون بين أجزائه وحدة ليس فقط في الغاية و لكن كذلك في أصل المعنى، فيكون أخص من الأول، فمثلا موضوع "الصدق في القرآن الكريم"[8] هذا أخص من موضوع الأخلاق، لأننا في بحثنا نقتصر على الآيات الواردة في موضوع الصدق دون غيره من الأخلاق. و قد نخصص الموضوع أكثر عندما نبحث في موضوع"عاقبة الصدق من خلال القرآن الكريم"مثلا.
و هذا النوع من التفسير كما قلت و إن كان له أصل في التفسير النبوي الشريف، لكنه لم يظهر كمصطلح و قسم يصطلح عليه بهذا الاسم إلا في العصر الأخير، و قد أدى إلى ظهوره عدة أسباب متظافرة، نذكر منه على سبيل المثال:
المنحى الجديد الذي عرفه البحث العلمي في عصرنا حيث اتجه إلى المزيد من التدقيق و التخصص، فاتجهت البحوث و الدراسات القرآنية نحو هذا الاتجاه.
ظهور المعاجم و الفهارس التي تعنى بدراسة القرآن، و الغريب أن معظم هذه الوسائل هي من وضع المستشرقين الذين لا هدف لهم إلى الطعن في الإسلام و أهله، فاضطروا لتحقيق هذا الهدف إلى دراسة كل ما يتعلق بالحضارة الإسلامية و تخصصوا في كل فروعها، فاتجهت ثلثة منهم إلى التخصص في دراسة القرآن الكريم لكونه كان مصدر قوة المسلمين و عزتهم و فتوحاتهم لما تمسكوا به حق التمسك. فوضعوا المعاجم و الفهارس و الوسائل التي تمكنهم من فهم القرآن..و قد أفاد هذا في ظهور هذا النوع من التفسير.

3- التفسير الإجمالي:
الإجمال من أجمل يجمل إجمالا، قال ابن منظور في اللسان:"أجمل الشيء إذا جمعه عن تفرقة و أجمل الحساب كذلك، و الجملة جماعة كل شيء بكماله من الحساب و غيره، يقال: أجملت له الحساب و الكلام، قال الله تعالى:" لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة".."[9].
و قال ابن دريد:" و أجملت الشيء إجمالا إذا جمعته عن تفرقة، و أكثر ما يستعمل ذلك في الكلام الموجز، يقال: أجمل فلان الجواب" - جمهرة اللغة-، و قيل إن الهمزة في الفعل أجمل هي همزة الجعل أي جعلت الشيء مجملا.
و قال صاحب تاج العروس:" و الجملة بالضم: جماعة الشيء كأنها اشتقت من جملة الحبل لأنها قوى كثيرة جمعت فأجملت جملة، و قال الراغب: و اعتبر معنى الكثرة فقيل لكل جماعة غير منفصلة جملة، قلت - القائل هو الزبيدي صاحب تاج العروس-: و منه أخذ النحويون الجملة لمركب من كلمتين أسندت إحداهما للأخرى، و في التنزيل:" قال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة" أي: مجتمعا لا كما أنزل نجوما مفترقة.."[10].
فنخلص إلى أن لفظ الإجمالي نسبة إلى الإجمال، أو نسبة إلى الجملة، و لا منافاة لأن الإجمال جمع الشيء عن تفرقة و كذلك الجملة فهي جمع لكلمات مفترقة أسند بعضها إلى بعض مكونة جملة.
أما المعنى الاصطلاحي للتفسير الإجمالي: فهو التفسير الذي يقتصر فيه المفسر على تفسير الآية جملة واحدة و لا يحللها أو يفك ألفاظها لفظة لفظة كما هو الشأن بالنسبة للتفسير التحليلي.
و قيل: التفسير الإجمالي هو "الذي يفسر فيه المفسر المعاني العامة الإجمالية لما يريد تفسيره من معاني الكلمات الكريمة في آية أو آيات أو في سورة أو ما إلى ذلك".
و من المفسرين من استعمل لفظ " التفسير الجملي"، كفخر الدين الرازي في تفسيره مفاتح الغيب، و كذلك من المعاصرين الشيخ مصطفى المراغي حيث قال في مقدمة تفسيره في بيان منهجه:"..المعنى الجملي للآيات: أتبعنا ذلك بذكر المعنى الجملي لهذه الآية أو الآيات ليتجلى للقارئ منها صورة مجملة حتى إذا جاء التفسير وضح ذلك المجمل"[11]، فكان تعالى يذكر الآية أو الآيات ثم يشرح المفردات ثم يبين المعنى الجملي لهذه الآية أو الآيات قبل أن يشرع في الإيضاح و التفصيل.
لكن الذي اشتهر هو مصطلح التفسير الإجمالي.

4- التفسير المقارن:
المقارن نسبة للفعل قارن مقارنة أي وازن موازنة و أصله قرن.
قال في تاج العروس: قارن الشيء مقارنة و قرانا: اقترن به و بصاحبه و قارنته قرانا صاحبته.
و الأصل الربط بين شيئين، نقول قرن بين كذا و كذا إذا ربطهما ببعض، و الهدف الموازنة لا مجرد الربط.
فالمقارنة الموازنة.
أما التفسير المقارن فيراد به- في اصطلاح أهل الفن-: " جمع المفسر لأقوال المفسرين في آية معينة أو سورة معينة، ثم الموازنة بينها، مع بيان الراجح عنده من هذه الأقوال". إذن فهو تفسير يعتمد على جمع الأقوال التفسيرية لإخراج الراجح من المرجوح. و هذا هو المفهوم الذي اشتهر بين أهل العلم، لكن هناك من توسع فأدخل في التفسير المقارن: المقارنة و الموازنة بين القرآن و غيره من الكتب السماوية الأخرى.

خلاصة و تعقيب:
بعد هذا البيان و التوضيح للمقصود بهذه الأقسام الأربعة، أقول أن هذا التقسيم من التقسيمات المعاصرة التي لم تظهر إلا في العصر الأخير، حيث لم تكن هذه الاصطلاحات معهودة أو مستعملة عند علماء السلف، بل بعض العلماء المعاصرين هم الذين قالوا بهذا التقسيم و عبروا بهذه الاصطلاحات اعتمادا على طرائق و مناهج المفسرين في تفاسيرهم، فمن كان عمدة تفسيره التركيز على موضوع أو مواضع من القرآن الكريم بجمع آياته و يفسيرها و ما إلى ذلك أدرجوه فيما سموه بالتفسير الموضوعي، و من اعتمد التحليل و تتبع الآيات من أول القرآن إلى آخره شارحا للألفاظ و مبينا للمعاني و غير ذلك لقبوا تفسيره بالتفسير التحليلي، و من اكتفى ببيان مجمل للمعاني دون تفصيل أدخلوه فيما اصطلحوا عليه بالتفسير الإجمالي، و من اهتم في كتابه بجمع أقوال المفسرين و قارن بينها و رجح و صحح أطلقوا على تفسيره التفسير المقارن.
و كون هذه الاصطلاحات أو الأقسام حادثة لا يعني أنه ليس لها أصلا، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، و أخص بالذكر التفسير الموضوعي فيمكن القول أن أصله يعود إلى العهد النبوي، كما أن التفسير التحليلي هو في الحقيقة طريقة أغلب المفسرين منذ فجر التدوين تقريبا، فأكبر التفاسير و أشهرها كجامع البيان في تأويل آي القرآن لإمام المفسرين أبي جعفر الطبري و جامع الأحكام للقرطبي و المحرر الوجيز لابن عطية و تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير و غيرها هي من قبيل التفسير التحليلي، و إن لم يصطلح أصحابها بهذا الاصطلاح.
بل إذا قلنا أن تفسير القرآن بالقرآن يدخل في التفسير الموضوعي، كما أشرت إلى حديث ابن مسعود حيث فسر النبي صلى الله عليه و سلم الظلم من آية الأنعام بآية لقمان، و أن هذا يمكن أن يعتبر النواة الأولى لما يصطلح عليه بالتسفير الموضوعي، إذا سلمنا بذلك فلا حرج أن نعتبر تفسير ابن جرير و ابن كثير جمعا بين التفسير الموضوعي-لاعتمادهما تفسير القرآن بالقرآن- و التفسير التحليلي، و كذا التفسير المقارن لأنهما عادة يذكرا أقوال الأئمة في آية ما ثم يرجحان بينها.
و ممن جمع بين التفسيرين التحليلي و الإجمالي من المعاصرين الدكتور أحمد مصطفى المراغي في تفسره حيث يبدأ بشرح مفردات الآية ثم يذكر المعنى الإجمالي- و يسميه المعنى الجملي- ثم يشرع في الإيضاح و التحليل.
و الذي يظهر لي و الله أعلم أن هذا التقسيم لا يعاب بل له فوائد جليلة، كما أن هناك تكامل بين بعض هذه الأقسام، فالتفسير الموضوعي لا بد أن يعتمد و يرجع صاحبه إلى التفسير التحليلي.
و عند التدقيق و التحقيق، يلاحظ أن هذه الأقسام إنما هي - كما سلف ذكره- باعتبار منهج و طريقة المفسر، فهي في حقيقة الأمر طرق و مناهج في التفسير، و إلا فالتفسير علم قائم بذاته المقصود منه بيان معاني القرآن الكريم، فهو شيء واحد، و هذا البيان هو الذي يجب أن يكون هدف المفسر بل إن هذا هو وظيفته كمفسر، لكن الذي يختلف هو طريقته و منهجه في هذا التفسير، لذا فهذه الأقسام الأربعة الأولى أن تسمى طرق أو مناهج أو أساليب التفسير.
فحينما نتحدث عن أقسام التفسير باعتبار المصدر: التفسير بالمأثور و التفسير بالرأي، فهذه تعتبر أقساما لأن المصدر يختلف، حيث يكون المصدر في المأثور القرآن أو السنة أو أقوال الصحابة و التابعين، و يكون المصدر في الثاني الاجتهاد و الرأي الجائز. لكن حينما نتحدث عن هذه الأقسام الأربعة- التحليلي، الإجمالي، الموضوعي و المقارن- فهي أقسام ليس باعتبار المصدر و لكن باعتبار أسلوب و طريقة المفسر في الكتابة، و شتان بين الأمرين.
و ما يقال بالنسبة لهذه الأربعة يقال بالنسبة لغيرها مما اصطلح عليه باصطلاحات مختلفة: كالتفسير الفقهي، النحوي الاجتماعي، اللغوي، الإخباري، الأدبي و غيرها، فهي في الحقيقة طرق و أساليب في كتابة التفسير و ليست أقساما على التحقيق، و الله تعالى أعلى و أعلم.

المراجع:
- مناهل العرفان في علوم القرآن.
- البرهان في علوم القرآن.
- تفسير البحر المحيط.
- الدر المنثور في التفسير بالمأثور.
- مقدمة التفسير لابن تيمية.
- أرشيف ملتقى أهل القرآن.
- مختار الصحاح.
- لسان العرب.
- المعجم الوسيط.
- تاج العروس من جواهر القاموس لمرتضى الزبيدي.
- تفسير عبد الرزاق الصنعاني.
- تفسير المراغي.

[1] الدر المنثور: 3/462.

[2] مناهل العرفان:

[3] ومن أجازه من أهل العلم لم يجزه على إطلاقه بل اشترط شروطا، منها: عدم مخالفته لظاهر القرآن، ألا يكون له معارض شرعي أو عقلي، أن يدل عليه دليل آخر، ألا يكون سلما للترويج لبدعة أو هوى، وألا يعتقد المفسر أنه هو الحق دون غيره.

[4] المعجم الوسيط: 1/194

[5] أرشيف ملتقى أهل القرآن.

[6] مختار الصحاح: 1/740.

[7] ملتقى أهل التفسير.

[8] وقد من الله عليه بكتابة موضوع في هذا الشأن وهو منشور في ملتقانا الكريم.

[9] لسان العرب: مادة جمل.

[10] تاج العروس من جواهر القاموس لمرتضى الزبيدي- مادة أجمل-:28/238.

[11] تفسير المراغي:1/18.