كان ممن لقيت من أهل العلم والفضل في المدينة النبوية في غضون عمرتي الأخيرة الدكتور يحيى بكلي الجزائري الأستاذ المشارك في قسم المعلومات ومصادر التعلم بجامعة طيبة..ولقد كان اللقاء حدثا عجيبا لم تتقدمه سابق معرفة ولا تعارف، إذ كان في مكتبة الحرم النبوي الشريف...وذلك أني لما كنت متجولا بين أروقة الكتب الكثيرة المرتبة ذات اليمين وذات الشمال..ألفيت الدكتور جالسا إلى حاسوب يقرأ منه شيئا...فشدني إليه ثوبه، إذ كان لابسا ثوبا تقليديا جزائريا..فوقفت على رأس الدكتور وسلمت ثم سألته هل توجد على الحاسوب الذي بين يديه فهارس إلكترونية للكتب التي في الخزانة..فأجابني على الخبير سقطت، ثم قال عن أي كتاب تبحث، فذكرت له كتابا...ثم بعد حين امتدت بيننا أطراف الحديث، حتى سألني عن اسمي فعرفته بنفسي، وذكرت له أنني مؤلف كتب معروفة، فانبرى يبحث عنها في الحاسوب الذي بين يده جذلان فرحا، ثم لم ينشب بعد أن وجد منها مرتبا في رفوف مكتبة الحرم أربعة كتب استعرضها واحدا واحدا، وتوقف عند كتابي:" الكتب المشرقية والأصول النادرة في الأندلس"، فشده العنوان شدا، وقال:" هذا أدخل في تخصصي"، ثم أخبرني أنه قد ألف كتابا في العلماء الجزائريين الذين درسوا في المسجد النبوي، فتهلل وجهي، وسُرِّي عني، فقلت له:" لابد لي من نسخة منه، فقال:" أبشر" فتواعدنا يوما يأتيني فيه بالكتاب، فأتى ذاك اليوم فوفى الدكتور بوعده...ثم توثقت بيننا عرى الإخاء والمحبة، وعرض علي أن يزيرني الروضة الشريفة بلا كلفة ولا عناء، فكان ما كان من تلك الزيارة المنيفة، واللحظة التاريخية الكريمة التي كانت من أزهى أيام حياتي، حيث عرَّفني الدكتور الفاضل بأسطوانات الروضة الشريفة وما اشتملت عليه من التحف السنية واللطائف البهية...ثم طاف بي في أركان المسجد النبوي وأنوار النبوة مشرقة وعناية المولى لائحة أراني في ذاك التطواف معالم خالدة قد كنت زبرتُ طرفا منها...ولقد كان الرجل عارفا بتاريخ المدينة، مطلعا على مآثرها النبوية، قائما بعلم ماضيها وحاضرها...ذكيا متوقد الذهن، ذا إشارات لطيفة، وبوراق عجيبة...ولقد كتب لي على كتابه كتابة أخجلتني، ومن سِنة الغفلة أيقظتني وبنفسي الضعيفة عرَّفتني...فجزاه الله خيرا وأدام ما بيننا من ود متصلا...