أخرج أحمد بإسناد حسن عن عبد الرحمن بن خنبش التميمي أنه سئل: كيف صنع رسول الله ليلة كادته الشياطين؟ فقال: إن الشياطين تحدرت تلك الليلة على رسول الله من الأودية والشعاب، وفيهم شيطان بيده شعلة نار يريد أن يحرق بها وجه رسول الله ؛ فهبط إليه جبريل فقال: " يا محمد قل . قال: ما أقول ؟ قال : قل : أعوذ بكلمات الله التامات (التامة) التي لا يجاوزهنَّ برٌ ولا فاجر ، من شر ما خلق وذرأ وبرأ ، ومن شر ما ينزل من السماء ، ومن شر ما يعرج فيها ، ومن شر ما ذرأ في الأرض ، ومن شر ما يخرج منها ، ومن شر فتن الليل والنهار ، ومن شر كل طارق ، إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن " فطفئت نار الشياطين وهزمهم الله [1] .

وروى أحمد ومسلم عن عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي فقال: يا رسول الله ! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي . فقال : " ذاك شيطان يقال له خنزب ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه ، واتفل عن يسارك ثلاثا " قال: ففعلت ذلك ، فأذهبه الله عني . وفي رواية : " فإذا أتاك فاخسأه " ففعلت ، فذهب عني [2] .

وخنزب : بتثليث الخاء ، ونون ساكنة ، وزاي مكسورة ومفتوحة ، والخَنْزَب: قطعة لحم منتنة ؛ وفي الحديث دليل على أن للصلاة شيطانًا مخصوصًا يقال له : خنزب ، يلبس على الإنسان قراءته ، ويوسوس له في صلاته ، ويحول بينه وبينها ، فينكده فيها ، ويمنعه لذتها والتفرغ للخشوع فيها [3] .

ولدفع هذا الشيطان إذا أحسسه الإنسان ، أن يتعوذ بالله تعالى منه ، ويتفل عن يساره ثلاثا . قال عثمان : ففعلت ذلك فأذهبه الله عني . فإذا فعل أحد ذلك واسترسل معه الشيطان ، فالخلل في تعوذه ، فعليه أن يعاود التعوذ مع صدق التوجه واستحضار القلب .

قال الطحاوي - : سلطان الشيطان على بني آدم هو وسوسته إياهم ، وإيقاعه في قلوبهم ما لا يحبون ، وإنساؤه إياهم ما يذكرون . فلما كان من تشكي عثمان إليه من الشيطان ، ما شكاه إليه منه ، مما هو موهوم منه أن يفعله به ؛ لأنه من سلطانه على بني آدم ، أمره أن يخسأه ، وهو الإبعاد .ا.هـ [4] . قلت: ومعنى الإبعاد هنا أن يستعيذ بالله تعالى ليبعده عنه ، ويتفل عن يساره ثلاثا ، كما في الروايات الأخرى ، والعلم عند الله تعالى.

--------------------------------------------------

[1] أحمد: 3 / 419. وقال المنذري في الترغيب: رواه أحمد وأبو يعلى ولكل منهما إسناد جيد محتج به. ا.هـ.

[2] أحمد: 4 / 216، ومسلم (2203).

[3] انظر النهاية في غريب الحديث: 2 / 83، ولسان العرب مادة (خنزب)، وشرح مسلم: 14 / 190.

[4] شرح مشكل الآثار: 1 / 345.