هذا المحور يتناول عهدا – على حدّ زعم الرواية - بين الرسول وربّه والذي احد صيغه تقول: "اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة."



أٍولا: صحيح البخاري

1- حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه سمع النبي يقول: اللهم فأيّما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة (البخاري – كتاب الدعوات)

هذا هو الحديث الوحيد الذي ورد في صحيح البخاري.

ثانيا: صحيــــــح مسلم

أمّا في صحيح مسلم فقد ورد عدة احاديث جمعها الامام مسلم تحت عنوان:
(باب من لعنه النبي أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجرا ورحمة)

• الحديث الاول: حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة قالت دخل على رسول الله رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما فلما خرجا قلت يا رسول الله من أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان قال وما ذاك قالت قلت لعنتهما وسببتهما قال أو ما علمت ما شارطت عليه ربي قلت اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو معاوية ح و حدثناه علي بن حجر السعدي وإسحق بن إبراهيم وعلي بن خشرم جميعا عن عيسى بن يونس كلاهما عن الاعمش بهذا الإسناد نحو حديث جرير و قال في حديث عيسى فخلوا به فسبهما ولعنهما وأخرجهما
• الحديث الثاني: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله اللهم إنما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة و حدثنا ابن نمير حدثنا أبي حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي مثله إلا أن فيه زكاة وأجرا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو معاوية ح و حدثنا إسحق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش بإسناد عبد الله بن نمير مثل حديثه غير أن في حديث عيسى جعل وأجرا في حديث أبي هريرة وجعل ورحمة في حديث جابر
• الحديث الثالث: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا المغيرة يعني ابن عبد الرحمن الحزامي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي قال اللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه فإنما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة حدثناه ابن أبي عمر حدثنا سفيان حدثنا أبو الزناد بهذا الإسناد نحوه إلا أنه قال أو جلده قال أبو الزناد وهي لغة أبي هريرة وإنما هي جلدته حدثني سليمان بن معبد حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي بنحوه
• الحديث الرابع: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد عن سالم مولى النصريين قال سمعت أبا هريرة يقولا سمعت رسول الله يقول اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة
• الحديث الخامس: حدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله يقول اللهم فأيما عبد مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة
• الحديث السادس : حدثني زهير بن حرب وعبد بن حميد قال زهير حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه حدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه قال سمعت رسول الله يقول اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه فأيما مؤمن سببته أو جلدته فاجعل ذلك كفارة له يوم القيامة
• الحديث السابع: حدثني هارون بن عبد الله وحجاج بن الشاعر قالا حدثنا حجاج بن محمد قال قال ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله يقول إنما أنا بشر وإني اشترطت على ربي أي عبد من المسلمين سببته أو شتمته أن يكون ذلك له زكاة وأجرا حدثنيه ابن أبي خلف حدثنا روح ح و حدثناه عبد بن حميد حدثنا أبو عاصم جميعا عن ابن جريج بهذا الإسناد مثله
• الحديث الثامن: حدثني زهير بن حرب وأبو معن الرقاشي واللفظ لزهير قالا حدثنا عمر بن يونس حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا إسحق بن أبي طلحة حدثني أنس بن مالك قال كانت عند أم سليم يتيمة وهي أم أنس فرأى رسول الله اليتيمة فقال آنت هيه لقد كبرت لا كبر سنك فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي فقالت أم سليم ما لك يا بنية قالت الجارية دعا علي نبي الله أن لا يكبر سني فالآن لا يكبر سني أبدا أو قالت قرني فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها حتى لقيت رسول الله فقال لها رسول الله ما لك يا أم سليم فقالت يا نبي الله أدعوت على يتيمتي قال وما ذاك يا أم سليم قالت زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها قال فضحك رسول الله ثم قال يا أم سليم أما تعلمين أن شرطي على ربي أني اشترطت على ربي فقلت إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة و قال أبو معن يتيمة بالتصغير في المواضع الثلاثة من الحديث
• الحديث التاسع: حدثنا محمد بن المثنى العنزي ح و حدثنا ابن بشار واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا أمية بن خالد حدثنا شعبة عن أبي حمزة القصاب عن ابن عباس قال كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله فتواريت خلف باب قال فجاء فحطأني حطأة وقال اذهب وادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل قال ثم قال لي اذهب فادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل فقال لا أشبع الله بطنه قال ابن المثنى قلت لأمية ما حطأني قال قفدني قفدة حدثني إسحق بن منصور أخبرنا النضر بن شميل حدثنا شعبة أخبرنا أبو حمزة سمعت ابن عباس يقولا كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله فاختبأت منه فذكر بمثله

التحليـــــــل

وممّا تناولته هذه الاحاديث من امور ظاهرة واخرى منصوص عليها في فتح الباري و شرح النووي:

1- ان الرسول كان يسبّ المسلمين ويلعنهم في بعض الروايات (صحيح مسلم – الحديث الاول) وان الرسول علّل ذلك بأنه من البشر يرضى كما يرضى البشر ويغضب كما يغضب البشر (صحيح مسلم – الحديث الاول والثاني والثالث والرابع والسابع والثامن)

واثار هذا عدة تساؤلات وردت بعضها مع الردّ عليها في كتب الشروح:

أولا: كيف يدعو بدعوة على من ليس لها بأهل؟ ورد هذا التساؤل في فتح الباري وأجاب عليه ابن حجرفنقل عن المازري ان الرسول يحكم بالظاهر, اما امر الباطن فموكول الى الله, فممكن ان يحكم الرسول على شخص بحسب الظاهر فيلحق بهذا الشخص دعاء الرسول او لعنته او شتمه او سبه في حين انه في حقيقة الامر لا يستحق هذا الشخص أيّا من ذلك عند الله تعالى: " قال المازري : إن قيل كيف يدعو بدعوة على من ليس لها بأهل ؟ قيل : المراد بقوله " ليس لها بأهل " عندك في باطن أمره لا على ما يظهر مما يقتضيه حاله وجنايته حين دعائي عليه , فكأنه يقول : من كان باطن أمره عندك أنه ممن ترضي عنه فاجعل دعوتي عليه التي اقتضاها ما ظهر لي من مقتضى حاله حينئذ طهورا وزكاة , قال : وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه , لأنه كان متعبدا بالظواهر , وحساب الناس في البواطن على الله انتهى . وهذا مبني على قول من قال : إنه كان يجتهد في الأحكام ويحكم بما أدى إليه اجتهاده , وأما من قال : كان لا يحكم إلا بالوحي فلا يأتي منه هذا الجواب ." أ.هـ.

ولنا على هذا الكلام عدة ملاحظات:

• ممّا لا خلاف فيه هو ان سنّته شارحة ومبيّنة للقرآن الكريم, فنسأل: هل هناك من عقوبة يكون جزاؤها اللعن او الشتم او السب؟ اذا استعرضنا القرآن الكريم نجد ان اللعن جاء في اربع محاور: اولا: دخل كجزء من اليمين او الشهادة (على خلاف بين الفقهاء) في قضية اللعان بين الزوجين. ثانيا: دخل مرة اخرى في صيغة المباهلة. ثالثا: وردت في حق من قذف المؤمنات بصيغة المجهول. رابعا: وهو المحور الاكبر حيث نجد ان اللعن موجّه في باقي الايات من قبل رب العالمين الى الكفّار والمشركين والمنافقين. فهل هناك من حالات اخرى تستوجب اللعن في حق المسلمين او المؤمنين اعتمد عليها المازري في قوله؟
• ثم انه ورد في صحيح مسلم – الحديث الثامن - انّ الرسول دعا على اليتيمة دونما مناسبة, ودون ان يكون هناك من داع لأن يطبّق الرسول عقوبة شرعية، وقد علّل الرسول دعاءه عليها بالعهد او الشرط على الله.
• ان ما ذهب اليه المازري من ان الرسول معنيّ بالحكم على الظواهر دون البواطن الامر الذي يجعل الرسول يقع في الخطأ يناقض تعريف السواد الاعظم من المحدثين والفقهاء الذين يرون ان الرسول موحى اليه في جميع الامور.
• جاء في صحيح ابن حبان: " عن ابن عباس ثم ان رجلا لعن الريح عند النبي فقال رسول الله لا تلعن الريح فإنها مأمورة وليس أحد يلعن شيئا ليس له باهل الا رجعت عليه اللعنة". والسؤال الواضح هنا: كيف نوفّق بين ما جاء في هذا الحديث من ان اللعنة ترجع الى صاحبها ان لم يكون الملعون أهلا لها من جهة وبين ما جاء من ان لعنة الرسول تتحول الى زكاة وقربى وصلاة لمن لا يستحق اللعنة؟ لن نتفاجأ طبعا اذا خرج علينا احدهم بتوفيق يقول فيه : ما صدر من الرسول من لعنة على من ليس لها بأهل فانها تتحول الى صلاة وزكاة وقربى وامّا ما صدر من غيره من المسلمين فانه يرجع الى المستحق للعنة: امّا اللاعن او الملعون!!!

وحقيقة الامر انه هناك اولويات في التوفيق: فقبل التوفيق بين حديثين هناك اولوية التوفيق مع السنة النبوية والمحاور الاساسية في القرآن الكريم, وان البعض عندما يتحدثون عن التوفيق بين الاحاديث يغيب عن ذهنهم الاولوية الاساسية وهي ان يكون القرآن الكريم محورا في هذا التوفيق. فنقيس التوفيق بين كل من الحديثين والقرآن فان كانا على قدم مساواة من المفاهيم الاساسية القرآنية انتقلنا بعدها الى التوفيق بين الحديثين. اما ان كان هناك أيّ من هذين الحديثين ما يوافق القرآن الكريم والاخر يناقضه فاننا نتحول عن التوفيق بين الحديثين الى الغاء الحديث المناقض للقرآن الكريم والسنة النبوية. فهل ينسجم كلا الحديثين مع السنة النبوية والمفاهيم القرآنية؟

لنعرض اولا الصورة التي يعكسها النص القرآني عن شخص الرسول : فالقرآن الكريم يجعل الرسول محورا مهما في قضية الاخلاق بحيث لا يستطيع احد من البشر ان ينال رتبته, قال تعالى في سورة القلم: وانك لعلى خلق عظيم؛ ثم ان القرآن الكريم ايضا يجعل الشخصية النبوية اسوة لغيرها من الناس والمسلمين والمؤمنين :لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (الاحزاب/21)

واذا ما قارنّا الاحاديث المذكورة في صحيح مسلم بهذين المحورين نجد ان هناك تباينا عظيما بحيث يستحيل الجمع: فالاحاديث تصف الرسول بأنه يسبّ ويشتم ويلعن ويدعو على اليتيم احيانا, وبهذا يتزعزع مفهوم الاية وانك لعلى خلق عظيم في الاذهان، حيث سنجد هناك استثناءات لها, ومن المرفوض طبعا ان نقول بأن هذه الاية عامة قد يداخلها خصوص حيث ان صفة الخلق العظيم قد تنزع عن الرسول في بعض الاحيان. اما بالنسبة للمحور الثاني وهو الاسوة ا لحسنة فان الرسول صلى الله عليه وسلم - وبناء على هذه الاحاديث - لا يكون اسوة حسنة بالمعنى الكامل والشامل على الصعيد الاخلاقي بل هناك استثناءات يجب علينا ان نلحظها ولا نتشبه بالرسول وافعاله فيها، وهذا الكلام بالطبع مرفوض جملة وتفصيلا. اننا نستطيع ان نفهم خصوصية الرسول في قضايا عديدة كتعدّد زوجاته مثلا, ولكن هذه القضايا الخاصة لا تمسّ ولا بأي حال من الاحوال المحاور الرئيسية في شخصه من توحيد وعدل ورحمة وخلق و.....

هذا بالنسبة للقرآن الكريم, اما بالنسبة للسنة النبوية الشريف فسنكتفي بمحورين ايضا:
الاول: ان السنة النبوية هي شارحة للقرآن الكريم ومبيّنة له: وبهذا المعنى لا تستقيم الاحاديث المذكورة في صحيح مسلم بشكل عام مع السنة النبوية في هذا الاطار, اما ما ورد في صحيح ابن حبان فانه ينسجم انسجاما واضحا.
الثاني: لقد جاءت احاديث كثيرة تنهى عن اللعن والسب والشتم وان كثرة هذه الاحاديث وما تضمنته من تحذير ووعيد تبعد ان يكون الرسول وهو الاسوة لأمته ان يكون قد قام بأي منها.

وبالعودة على الحديث الذي جاء في صحيح ابن حبان والمذكور اعلاه, فاننا نجد ان هذا الحديث لا يناقض محوري الخلق العظيم والاسوة الحسنة التي وصف الله بهما رسوله الكريم. وبناء عليه فاننا نذهب الى القول بأن محاولة التوفيق هنا محاولة بائسة لأنها تأتي على حساب السنة النبوية والمحاور الرئيسية في شخص الرسول الكريم كما عرضها القرآن الكريم.
(نلفت النظر الى انه ورد في صحيح البخاري حديثا مشابها للذي ورد في صحيح ابن حبان يقول: "لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر الا ارتدت عليه ان لم يكن صاحبه كذلك.")

ثانيا: ما معنى قوله: "وأغضب كما يغضب البشر"؟
حيث ان الاشكال هنا هو هل كان الرسول يغضب على غير مقتضى الشرع كما يوحي الحديث؟

هنا يضع المارزي الذي ينقل عنه ابن حجر احتمالين:

الاول: ان الرسول خيّر بين الدعوة على الجاني ولعنه وسبه او تركه والزجر له بما سوى ذلك فيكون في كلا الحالين موافقا للشرع حيث ان هناك تخيير.

الثاني: ان يكون الغضب قد حمل الرسول على زيادة يسيرة في العقوبة، فيكون هذا الدعاء تعليما لأمته الخوف من تعدي حدود الله.
جاء في فتح الباري: " ثم قال المازري : فإن قيل فما معنى قوله وأغضب كما يغضب البشر ؟ فإن هذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سورة الغضب , لا أنها على مقتضى الشرع , فيعود السؤال , فالجواب أنه يحتمل أنه أراد أن دعوته عليه أو سبه أو جلده كان مما خير بين فعله له عقوبة للجاني أو تركه والزجر له بما سوى ذلك , فيكون الغضب لله تعالى بعثه على لعنه أو جلده , ولا يكون ذلك خارجا عن شرعه... قال : ويحتمل أن يكون ذلك خرج مخرج الإشفاق وتعليم أمته الخوف من تعدى حدود الله , فكأنه أظهر الإشفاق من أن يكون الغضب يحمله على زيادة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما وقعت , أو إشفاقا من أن يكون الغضب يحمله على زيادة يسيرة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما زادت , ويكون من الصغائر على قول من يجوزها , أو يكون الزجر يحصل بدونها" أ.هـ.

ولنا على هذا الكلام عدة ملاحظات ايضا:
• قال المازري: "...يحتمل اراد ان دعوته عليه او سبه او جلده كان مما خيّر بين فعله له عقوبة للجاني أو تركه..." ونعود للسؤال هنا: هل هناك من عقوبة شرعية يكون السبّ احد اركانها؟؟؟؟
• ان القول بأن الرسول قد خيّر في ذلك هو قول ينقصه دليل: فهل هناك من خبر يؤيّد ذلك؟
• هل يصح ان يكون هذا تعليما للأمة؟ هل الرسول هو قدوة لغيره من المسلمين في هذا الامر؟ هل نستطيع ان نكفّر عن سبّنا وشتمنا لللآخرين بالدعاء؟



ثالثا: ويختم المارزي تبريراته باحتمال اخير وهو ان ماورد من اللعن والسب ورد من الرسول صلى الله عليه
وسلم بغير قصد، والى ذلك ذهب القاضي عياض الذي علّل بأن دعاءه امّا انه جاء
على عادة العرب في وصل كلامها كقولهم تربت يمينك, واما ان يكون غضبه قد حمله
على تعجيل العقوبة وترك الصفح. ويبدو ان هذا التعليل الاخير قد لاقى استحسان ابن حجر.
جاء في فتح الباري: ". ويحتمل أن يكون اللعن والسب يقع منه من غير قصد إليه فلا يكون في ذلك كاللعنة الواقعة رغبة إلى الله وطلبا للاستجابة . وأشار عياض إلى ترجيح هذا الاحتمال الأخير فقال : يحتمل أن يكون ما ذكره من سب ودعاء غير مقصود ولا منوي , ولكن جرى على عادة العرب في دعم كلامها وصلة خطابها عند الحرج والتأكيد للعتب لا على نية وقوع ذلك , كقولهم عقري حلقي وتربت يمينك , فأشفق من موافقة أمثالها القدر , فعاهد ربه ورغب إليه أن يجعل ذلك القول رحمة وقربة انتهى . وهذا الاحتمال حسن إلا أنه يرد عليه قوله " جلدته " فإن هذا الجواب لا يتمشى فيه , إذ لا يقع الجلد عن غير قصد , وقد ساق الجميع مساقا واحدا إلا إن حمل على الجلدة الواحدة فيتجه . ثم أبدى القاضي احتمالا آخر فقال : كان لا يقول ولا يفعل في حال غضبه إلا الحق , لكن غضبه لله قد يحمله على تعجيل معاقبة مخالفه وترك الإغضاء والصفح , ويؤيده حديث عائشة " ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله " وهو في الصحيح . قلت : فعلى هذا فمعنى قوله " ليس لها بأهل " أي من جهة تعين التعجيل"

وتعقيبا على ذلك نقول:
• اذا كان ما وقع من الرسول من الدعاء او اللعن او السب هو مما جرت به عادة العرب من وصل كلامها بلا نية, فعندها يكون الرسول - والعياذ بالله - اما جاهلا بلغة قومه واما مقصّرا بتقرير واستعمال هذا النوع من الصيغ التي تنافي دعوة الاسلام. وهذا التعليل يردّه سياق الاحاديث نفسها حيث ان الاحاديث تعلّل بأن ما فعله الرسول هو من باب الغضب ومن باب بشريّته. ثم انه ان كانت هذه الصيغ تنافي دعوة الاسلام ويذنب من قال بها فلم لم ينبه الرسول على ذلك؟ او على الاقل نتساءل لم استعملها هو نفسه؟؟؟؟ وقد جاء في القرآن الكريم تنبيه على استخدام المفردات احيانا فقد جاء في كتاب اعلام الموقعين عن رب العالمين: قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا رَاعِنا وقولوا أنظرنا نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة ـ مع قصدهم بها الخير ـ لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبة باليهود في أقوالهم وخطابهم؛ فإنهم كانوا يخاطبون بها النبيَّ ويقصدون بها السبَّ، يقصدون فاعلاً من الرعونة، فنهى المسلمون عن قولها؛ سداً لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي تشبهاً بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون. (ج3 ص109)
• اما عن الاحتمال الاخير والذي لاقى استحسانا من ابن حجر فواضح ان ابن حجر كان يحاول التملّص من اي تفسير للحديث يتنافى مع القاعدة الاساسية عن اكثر المحدّثين وهو ان كل ما ورد عن رسول الله من فعل او قول او تقرير انما هو وحي من الله ولهم في ذلك قوله تعالى: وما ينطق عن الهوى. على كلّ حال, حتى هذا التعليل الاخير لا يستقيم مع سنته النبوية الشريفة ولا مع محور الرحمة الذي وصف الله به نبيه الكريم , قال تعالى: وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ولا مع الوصف الذي وصفه اياه في سورة التوبة: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريض عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم (التوبة 128)

ان القول بأن الرسول كان يتسرّع في اقامة الحدود (مع التحفّظ على هذه الحدود المزعومة في هذه الاحاديث) لا نجد له سندا في سنته بل على العكس فاننا نجد في السنة ما يخالف هذا الرأي من تؤدة الرسول في اقامة الحدود وتحرّي الشبهات:
.
- فقد جاء في صحيح البخاري: أن أبا هريرة قال أتى رجل من أسلم رسول الله وهو في المسجد فناداه فقال يا رسول الله إن الأخر قد زنى يعني نفسه فأعرض عنه فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال يا رسول الله إن الأخر قد زنى فأعرض عنه فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال له ذلك فأعرض عنه فتنحى له الرابعة فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه فقال هل بك جنون قال لا فقال النبي اذهبوا به فارجموه وكان قد أحصن أ.هـ.
- وجاء في صحيح البخاري: عن ابن عباس قال لما أتى ماعز بن مالك النبي قال له لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت قال لا يا رسول الله قال أنكتها لا يكني قال فعند ذلك أمر برجمه أ. هـ
- وجاء في صحيح مسلم ما نصّه: حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله فقال يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني فرده فلما كان من الغد أتاه فقال يا رسول الله إني قد زنيت فرده الثانية فأرسل رسول الله إلى قومه فقال أتعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا فقالوا ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم قال فجاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني وإنه ردها فلما كان الغد قالت يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزا فوالله إني لحبلى قال إما لا فاذهبي حتى تلدي فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت هذا قد ولدته قال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبها فسمع نبي الله سبه إياها فقال مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت أ.هـ.


فهذان الحديثان يثبتان ان الرسول كان يتأني أيّما تأن في اقامة الحدود ولا يتسرّع في ذلك. يضاف الى ذلك ان ربّ العزّة وصف رسوله الكريم فقال: بالمؤمنين رؤوف رحيم.

رابعا: ان الرسول علّل هذا العهد والاشتراط على الله بأنه بشر يغضب كما يغضب البشر
ويرضى كما يرضى البشر. فهل تصح هذه الحجة المذكورة؟ ان الرسول في هذه الاحاديث – المذكورة في صحيح مسلم – ينطلق من بشريته في تعليل لعنه وسبّه وشتمه والدعاء على الآخرين! وهنا نسأل: ايّ واحد من البشر لا يغضب كما يغضب البشر؟ ثم نسأل: ما هي ميزة الرسول كأسوة حسنة ان كان سيتصرف مثلما يتصرف البشر في لحظات ضعفهم؟ ثم لماذا يعيب الرسول على غيره من البشر ان يسبّ ويلعن بل ويتهمه بالتفحّش ان كان الرسول نفسه لا يستطيع ان يملك لسانه او غضبه؟ ثم كيف يوصي الرسول غيره ان يكظم غيظه وغضبه - كما جاء في صحبح البخاري ان رجلا قال للنبي أوصني قال: لا تغضب – في حين ان الرسول نفسه لا يملك ان يكون أسوة حسنة في لجم غضبه؟ قال تعالى: وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض أعدت للمتقين (133) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134) (آل عمران) فان كانت سنته شارحة ومبينة للقرآن الكريم فكيف يتفق التعليل المذكور في الحديث مع هذه الايات؟ بل ان التعليل المذكور يذهب الى ان كظم الغيظ الذي ذكرته الآية هو من الصعوبة بمكان ان يلتزم به الرسول فكيف بالناس؟؟ وكان الرسول لا يتردّد في اتهام الساب او اللاعن بالجاهلية والتفحش ولو فعل ذلك مرة واحدة, فأشدّ العجب انه ذكر عن الرسول الكريم ما يقرب عشرة احاديث يلعن فيها ويسبّ ويشتم ويدعو على اليتيم:
• جاء في صحيح مسلم ما نصّه: عن عائشة قالت أتى النبي أناس من اليهود فقالوا السام عليك يا أبا القاسم قال وعليكم قالت عائشة قلت بل عليكم السام والذام فقال رسول الله يا عائشة لا تكوني فاحشة فقالت ما سمعت ما قالوا فقال أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا قلت وعليكم حدثناه إسحق بن إبراهيم أخبرنا يعلى بن عبيد حدثنا الأعمش بهذا الإسناد غير أنه قال ففطنت بهم عائشة فسبتهم فقال رسول الله مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش والتفحش وزاد فأنزل الله وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله إلى آخر الآية
• الرسول يصف ابا ذر بأنه امروء فيه جاهلية لفعله اقل من ذلك, جاء في صحيح مسلم: عن المعرور بن سويد قال مررنا بأبي ذر بالربذة وعليه برد وعلى غلامه مثله فقلنا يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة فقال إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه فشكاني إلى النبي فلقيت النبي فقال يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية قلت يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه قال يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم...
• الرسول ينهى خالدا عن سبّ اصحابه غير ان الرسول في الحديث اعلاه هو الذي يسبّهم: عن أبي سعيد قال كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه
• ثم ان الحجة التي احتج بها الرسول في الحديث امام ربه "انما انا بشر" الا تنطبق على عائشة وابي ذر وخالد بن الوليد اجمعين؟؟؟!!!!


خامسا: قال تعالى: ... ولو انهم اذ ظلموا انفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا
رحيما الآية تحمّل الرسول مسؤولية الاستغفار لمن ظلم نفسه, واذا ما قارنا هذه الآية بالحديث الاول المذكور هنا في صحيح مسلم نجد ان الرسول يتحول من مصدر للاستغفار المعين للمسلمين على التخلص من ذنوبهم والمذكّر لهم بحدود الله فذّكر الى مصدر للعن والسبّ والدعاء.

سادسا: ثم ان الرسول كان عطوفا على المنافقين وكان لا ينفك يستغفر لهم الله وهم الذين في
الدرك الاسفل من النار فما بال هذا الحديث يتوعد من عصى او أثم ان يلعن ويسب من قبل الرسول المبعوث رحمة للعالمين وقد قال تعالى : استغفر لهم او لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين القرآن الكريم يوضّح اشفاق الرسول على المنافقين الذين كفروا بالله ورسوله ثم تراه واقفا يستغفر لهم فنتساءل عن الذنب الذي قد يقع فيه المسلم او المؤمن الذي هو اشد من الكفر بالله ورسوله والذي يستدعي من الرسول الدعاء فيه واللعن والسب. فرغم ما كان يلقى الرسول من أذى من المشركين والكفار كان يدعو لهم بالهداية, والايات القرآنية والروايات التي تتحدث عن هذا الموضوع كثيرة جدا, فان كان هذا حاله مع المشركين, أفيجوز عليه ان يكون اقسى على المسلمين والمؤمنين وقد قال تعالى عنه: بالمؤمنين رؤوف رحيم

سابعا: قال تعالى: واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين * فان عصوك فقل اني بريء مما تعملون * وتوكل
على العزيز الرحيم الآية توضّح للرسول المسلك الذي يجب ان يتبعه في حال عصيان المسلمين له. فهل يجوز للرسول ان يتجاوز هذا النص الى اللعن والسب والشتم والدعاء؟

ثامنـا: الرسول يمثّل القمة العليا في الاخلاق على الصعيد الانساني, ولا يمكن لاي انسان ان يتجاوز هذه المرتبة
التي منحه اياها رب العزة: قال تعالى: وانك لعلى خلق عظيم. جاء في تفسير الرازي: " وفيه دقيقة أخرى وهي قوله: لعلى خلق عظيم وكلمة على للاستعلاء، فدل اللفظ على أنه مستعمل على هذه الأخلاق ومستول عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الجميلة كالمولى بالنسبة إلى العبد وكالأمير بالنسبة إلى المأمور." (تفسير الرازي ج30 ص599)
وهذا القول وان كان يعتبر من البداهة بمكان في اذهان المسلمين الا انه على صعيد التعامل مع المرويات هو عرضة للتأويل والتحوير والاستثناء الامر الذي يميّع المفهوم الواضح الذي جاءت به هذه الاية لحساب المروي. فقد جاء في الصحاح ان النبي كان احيانا يلعن المسلمين. فقام المحدّثون باثبات هذه المرويات ثم لجأوا الى التبرير والتأويل والتخصيص وما الى ذلك. وفي الجانب الاخر نرى انه روي عن بعض الصحابة والتابعين انهم ما لعنوا احدا قط. جاء في الطبقات الكبرى: عن عبيد الله بن هوذة القزيعي قال حدثني رجل من بلهجيم عن جرموز الهجيمي أنه أتى النبي فقال عم تنهاني فقال أنهاك ألا تكون لعانا فما لعن شيئا حتى مات. (ج7 ص79) وجاء في شعب الايمان : وقال سالم وما سمعت ابن عمر لعن شيئا قط (ج4 ص295) وجاء في الطبقات الكبرى : عن المستمر بن الريان قال رأيت أبا الجوزاء الربعي يصفر لحيته قال أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النكري قال سمعت أبي يحدث أن أبا الجوزاء لم يلعن شيئا قط ولم يأكل شيئا لعن قط قال حتى إن كان ليرشو الخادم في الشهر الدرهم والدرهمين حتى لا تلعن الطعام إذا أصابها حر التنور(ج7ص223). اذا, على الصعيد النظري, لن يجروء احد ان يشكّك في القول ان الرسول هو قدوة البشرية على الصعيد الاخلاقي, اما على صعيد الروايات فان سنجد هذا القول معرّض لمفارقات خطيرة حيث ينقل عن الصحابة والتابعين حذرا اكبر في لعنهم للناس بينما سنجد ان الرسول كان اقلّ حذرا.





تاسعا: جاء في صحيح مسلم بشرح النووي وهو يعلّق على ما جاء من الرسول من اللعن
وغيره: "وانما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الازمان" أ.هـ. غير ان نظرة متفصحة لما ورد في كتب الصحاح والسنن تبيّن لنا ان هناك مواضع عديدة, وهي ليست بالنادرة, صّورت الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه كان يلعن ويسب بل واحيانا يقرّ على السب, وفي بعض الروايات يأمر بالسب :

1- عن معاذ بن جبل أخبره قال خرجنا مع رسول الله عام غزوة تبوك فكان يجمع الصلاة فصلى الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا حتى إذا كان يوما أخر الصلاة ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعا ثم قال إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء قال فسألهما رسول الله هل مسستما من مائها شيئا قالا نعم فسبهما النبي وقال لهما ما شاء الله أن يقول قال ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء قال وغسل رسول الله فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر أو قال غزير شك أبو علي أيهما قال حتى استقى الناس ثم قال يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا (مسلم)
2- عن عائشة أن نساء رسول الله كن حزبين فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله عائشة فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله أخرها حتى إذا كان رسول الله في بيت عائشة بعث صاحب الهدية بها إلى رسول الله في بيت عائشة فكلم حزب أم سلمة فقلن لها كلمي رسول الله يكلم الناس فيقول من أراد أن يهدي إلى رسول الله هدية فليهده إليه حيث كان من بيوت نسائه فكلمته أم سلمة بما قلن فلم يقل لها شيئا فسألنها فقالت ما قال لي شيئا فقلن لها فكلميه قالت فكلمته حين دار إليها أيضا فلم يقل لها شيئا فسألنها فقالت ما قال لي شيئا فقلن لها كلميه حتى يكلمك فدار إليها فكلمته فقال لها لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة قالت فقالت أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله فأرسلت إلى رسول الله تقول إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر فكلمته فقال يا بنية ألا تحبين ما أحب قالت بلى فرجعت إليهن فأخبرتهن فقلن ارجعي إليه فأبت أن ترجع فأرسلن زينب بنت جحش فأتته فأغلظت وقالت إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت ابن أبي قحافة فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها حتى إن رسول الله لينظر إلى عائشة هل تكلم قال فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها قالت فنظر النبي إلى عائشة وقال إنها بنت أبي بكر قال البخاري الكلام الأخير قصة فاطمة يذكر عن هشام بن عروة عن رجل عن الزهري عن محمد بن عبد الرحمن وقال أبو مروان عن هشام عن عروة كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وعن هشام عن رجل من قريش ورجل من الموالي عن الزهري عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قالت عائشة كنت عند النبي فاستأذنت فاطمة (البخاري – الرسول يقرّ على السبّ من احد امهات المؤمنين؟؟!!!)
3- عن عائشة قالت اجتمعن أزواج النبي فأرسلن فاطمة إلى النبي فقلن لها قولي له إن نساءك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة قالت فدخلت على النبي وهو مع عائشة في مرطها فقالت له إن نساءك أرسلنني إليك وهن ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة فقال لها النبي أتحبيني قالت نعم قال فأحبيها فرجعت إليهن فأخبرتهن ما قال لها فقلن إنك لم تصنعي شيئا فارجعي إليه فقالت والله لا أرجع إليه فيها أبدا قال الزهري وكانت ابنة رسول الله حقا فأرسلن زينب بنت جحش قالت عائشة هي التي كانت تساميني من أزواج النبي قالت إن أزواجك أرسلنني إليك وهن ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة قالت ثم أقبلت علي تشتمني فجعلت أراقب النبي وأنظر إلى طرفه هل يأذن لي في أن أنتصر منها فلم يتكلم قالت فشتمتني حتى ظننت أنه لا يكره أن أنتصر منها فاستقبلتها فلم ألبث أن أفحمتها قالت فقال لها النبي إنها ابنة أبي بكر قالت عائشة ولم أر امرأة خيرا منها وأكثر صدقة وأوصل للرحم وأبذل لنفسها في كل شيء يتقرب به إلى الله من زينب ما عدا سورة من غرب حد كان فيها توشك منها الفيئة (مسند احمد)
4- عن ابن عون قال كنت أسأل عن الانتصار ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل فحدثني علي بن زيد بن جدعان عن أم محمد امرأة أبيه قال ابن عون وزعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين قالت قالت أم المؤمنين دخل علي رسول الله وعندنا زينب بنت جحش فجعل يصنع شيئا بيده فقلت بيده حتى فطنته لها فأمسك وأقبلت زينب تقحم لعائشة فنهاها فأبت أن تنتهي فقال لعائشة سبيها فسبتها فغلبتها(؟؟؟؟!!!!!) فانطلقت زينب إلى علي فقالت إن عائشة وقعت بكم وفعلت فجاءت فاطمة فقال لها إنها حبة أبيك ورب الكعبة فانصرفت فقالت لهم أني قلت له كذا وكذا فقال لي كذا وكذا قال وجاء علي إلى النبي فكلمه في ذلك (سنن ابي داود) (الرسول يأمر بالسب)
5- عن عائشة قالت دخل على رسول الله رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما فلما خرجا قلت يا رسول الله من أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان قال وما ذاك قالت قلت لعنتهما وسببتهما قال أو ما علمت ما شارطت عليه ربي قلت اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو معاوية ح و حدثناه علي بن حجر السعدي وإسحق بن إبراهيم وعلي بن خشرم جميعا عن عيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش بهذا الإسناد نحو حديث جرير و قال في حديث عيسى فخلوا به فسبهما ولعنهما وأخرجهما (مسلم)
6- حدثنا عارم حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه حدثنا السميط عن أبي السوار حدثه أبو السوار عن خاله قال رأيت رسول الله وأناس يتبعونه فأتبعته معهم قال ففجئني القوم يسعون قال وأبقى القوم قال فأتى علي رسول الله فضربني ضربة إما بعسيب أو قضيب أو سواك وشيء كان معه قال فوالله ما أوجعني قال فبت بليلة قال أو قلت ما ضربني رسول الله إلا لشيء علمه الله في قال وحدثتني نفسي أن آتي رسول الله إذا أصبحت قال فنزل جبريل على النبي فقال إنك راع لا تكسرن قرون رعيتك قال فلما صلينا الغداة أو قال صبحنا قال قال رسول الله اللهم إن أناسا يتبعوني وإني لا يعجبني أن يتبعوني(؟؟؟؟!!!!) اللهم فمن ضربت أو سببت فاجعلها له كفارة وأجرا أو قال مغفرة ورحمة أو كما قال (مسند احمد)
7- عن ابن عباس قال قال رسول الله يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان أو بعيني شيطان قال فدخل رجل أزرق فقال يا محمد علام سببتني أو شتمتني أو نحو هذا قال وجعل يحلف قال فنزلت هذه الآية في المجادلة ويحلفون على الكذب وهم يعلمون والآية الأخرى (مسند احمد)
8- عن عروة بن الزبير ان عائشة قالت ثم ان أمداد العرب كثروا على رسول الله حتى غموه وقام إليه المهاجرون يفرجون عنه حتى قام على عتبة عائشة فرهقوه فاسلم رداءه في أيديهم ووثب على العتبة فدخل وقال اللهم العنهم فقالت عائشة يا رسول الله هلك القوم فقال كلا والله يا بنت أبي بكر لقد اشترطت على ربي شرطا لا خلف له فقلت إنما انا بشر أضيق كما يضيق به البشر فأي المؤمنين بدرت إليه مني بادرة فاجعلها له كفارة (مسند احمد)
9- اخرج احمد, عن انس بن مالك ان رسول الله دفع الى حفصة بنت عمر رجلا فقال لها: احتفظي به. فغفلت حفصة عنه, ومضى الرجل, فدخل رسول الله فقال: يا حفصة ما فعل الرجل؟ قالت غفلت يا رسول الله فخرج, فقال رسول الله: "قطع الله يدك" فرفعت يدها هكذا، فدخل رسول الله, فقال: "ما لك يا حفصة؟" قالت: يا رسول الله قلت قبل كذا وكذا. فقال:"ضعي يدك فاني سألت الله أيما انسان من امتي دعوت الله عليه ان يجعلها له مغفرة" واخرج نحوه عن عائشة رضي الله عنها. (البيان والتعريف ج1 ص72)
10- حدثنا يحيى عن ابن أبى ذئب قال حدثني محمد بن عمرو بن عطاء عن ذكوان مولى عائشة عن عائشة قالت دخل علي النبي بأسير فلهوت عنه فذهب فجاء النبي فقال ما فعل الأسير قالت لهوت عنه مع النسوة فخرج فقال ما لك قطع الله يدك أو يديك فخرج فآذن به الناس فطلبوه فجاءوا به فدخل علي وأنا أقلب يدي فقال ما لك أجننت قلت دعوت علي فأنا أقلب يدي أنظر أيهما يقطعان فحمد الله وأثنى عليه ورفع يديه مدا وقال اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه فاجعله له زكاة وطهورا (مسند احمد)
11- حدثنا يحيى عن ابن عجلان قال حدثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن رجلا شتم أبا بكر والنبي جالس فجعل النبي يعجب ويتبسم فلما أكثر رد عليه بعض قوله فغضب النبي وقام فلحقه أبو بكر فقال يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت قال إنه كان معك ملك يرد عنك فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان ثم قال يا أبا بكر ثلاث كلهن حق ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله إلا أعز الله بها نصره وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة (مسند احمد وجاء في مجمع الزوائد ج8 ص190 ما نصه: رواه احمد والطبراني في الاوسط بنحوه ورجال احمد رجال الصحيح) (الرسول يقرّ الساب على ما يفعل ويقوم دون ان يتوجّه اليه بكلمة)
12- عن أبي الدرداء عن النبي أنه مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال النبي لعله يريد أن يلم بها فقالوا نعم فقال رسول الله لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له (مسند احمد)




ورغم الملاحظات الكثيرة التي تعجّ بها الاحاديث اعلاه (من اقرار الرسول بالسب الى صدور اللعن منه الى امر الرسول بالسب الى عدم رضى الرسول عمّن يتبعه الى دفع أسير الى احد زوجاته مرة عائشة واخرى حفصة واخرى سودة كما ورد في كتاب طبقات المحدثين بأصبهان ج3 ص274 – على حدّ زعم الروايات... الخ) الا ان ما يثير الاهتمام هنا هو : هل نستطيع ان نرسم صورة واضحة للرسول عليه الصلاة والسلام اذا اضفنا هذه الروايات الى سنته الكريمة؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!






2- ان الرسول في هذا العهد شارط على ربه واشترط عليه (صحيح مسلم – الحديث الاول والسابع والثامن)
لم يورد ايّ من كتب الشروح تعليقا على هذه الالفاظ: (اني اشترطت على ربي), (شرطي على ربي اني اشترطت على ربي), و (او ما علمت ما شارطت ربي عليه).

وهذه الالفاظ والصيغ تثير عدة تساؤلات:

• هل يصحّ لأي انسان كان ان يشترط على الله؟ ألا يخلّ هذا بأدب النبوّة وأدب العقيدة؟
• ماذا كان المقابل لهذا الشرط من قبل الرسول؟ هل كان المقابل ان يقبل الرسول بالنبوة؟ واذا كان الامر كذلك, فمتى حصل هذا الاشتراط؟ هل كان عند بداية الدعوة في مكة التي كان يدعو فيها بالهداية للمشركين ويقول له القرآن الكريم فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ويقول له ايضا في ثلاث آيات ولا تحزن عليهم؟ ام ان هذا الاشتراط وقع في المدينة حيث لم يستطع الرسول ان يتحمّل من المسلمين والمؤمنين ما تحمّله من كفّار قريش؟
• هل نستطيع ان نخرج من هذه الاحاديث بحكم فقهي مفاده: ان الرسل تستطيع ان تشرط لأنفسها على الله حتى تقبل تبليغ رسالته او مقابل اي شيء آخر؟
• جاء في صحيح مسلم: "من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وان شرط مائة مرة شرط الله أحق وأوثق". وجاء في صحيح البخاري: " ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل شرط الله أحق وأوثق". فهل يتوافق الشرط الذي شرطه الرسول مع كتاب الله؟ لا ريب ان الحلّ - حسب منهجية التوفيق بين الاحاديث المعتمدة من قبل المحدّثين – بسيط جدا مفاده ان الرسول يستطيع ان يشرط ما يشاء حيث انه يوحى اليه! ولكن لننظر الى هذه الاحاديث من زاوية اخرى: فان هذه الاحاديث تمثّل استثناءات منقطعة النظير:
- فعلى الصعيد الاخلاقي فيما يخصّ الرسول تمثّل هذه الاحاديث استثناء
- وعلى صعيد ان يكون الرسول اسوة حسنة تمثّل هذه الاحاديث استثناء ايضا
- وعلى صعيد ان يشترط الانسان شرطا ليس في كتاب تمثل هذه الاحاديث استثناء أيضا
- وعلى صعيد ان يكون الرسول رحمة للناس, تمثّل هذه الاحاديث استثناء أيضا
- وعلى صعيد ان يكون الرسول مبينا وشارحا لكتاب الله, تمثّل هذه الاحاديث استثناء أيضا
- وعلى صعيد الاحسان لليتيم, تمثّل هذه الاحاديث استثناء أيضا حيث لا يمكن ان نتخذ الرسول مثالا للتعامل مع اليتيم حيث ان قد دعا على يتيمة في الحديث الثامن – صحيح مسلم.



3- ورد ايضا في الحديث الثامن في صحيح البخاري ان الرسول قد دعا على يتيمة ام سليم, فأجاب الرسول بذكر الشرط الذي شرطه على ربه.

وحول هذا الحديث بالذات هناك عدة ملاحظات:
• ما يثير العجب في هذا الحديث هو: لم دعا الرسول على اليتيمة؟ وان كان الرسول قد طلب من ربه ان يتجاوز عن لعناته ودعائه وسبّه بسبب غضبه, فالحديث هنا لا يظهر ان الرسول كان غاضبا. اننا لا نرى في هذا الحديث ايّ مبرّر لأن يفعل الرسول ما فعل, بل ان الحديث يسوق الذهن الى الاعتقاد بان الرسول – والعياذ بالله – قد استغل هذا العهد المزعوم (الذي بينه وبين الله) فدعا على يتيمة ام سليم بدون مناسبة. وهذا ليس الحديث الوحيد الذي يدعو الى التفكير بهذه الطريقة, فقد ورد في مسند الامام احمد:

"عن أبي السوار حدثه أبو السوار عن خاله قال رأيت رسول الله وأناس يتبعونه فأتبعته معهم قال ففجئني القوم يسعون قال وأبقى القوم قال فأتى علي رسول الله فضربني ضربة إما بعسيب أو قضيب أو سواك وشيء كان معه قال فوالله ما أوجعني قال فبت بليلة قال أو قلت ما ضربني رسول الله إلا لشيء علمه الله في قال وحدثتني نفسي أن آتي رسول الله إذا أصبحت قال فنزل جبريل على النبي فقال إنك راع لا تكسرن قرون رعيتك قال فلما صلينا الغداة أو قال صبحنا قال قال رسول الله اللهم إن أناسا يتبعوني وإني لا يعجبني أن يتبعوني اللهم فمن ضربت أو سببت فاجعلها له كفارة وأجرا أو قال مغفرة ورحمة أو كما قال" (وجاء في مجمع الزوائد: رواه احمد ورجاله رجال الصحيح ج9 ص407)

• أمر رسول الله نبيّه فقال: وأما اليتيم فلا تقهر, فهل نسخ فعل الرسول هذه الاية؟! وان كانت افعال الرسول واقواله وتقريراته شارحة ومبيّنة للقرآن, فأين نضع هذا الحديث من الاية الكريمة؟!
• ورد هذا الحديث في صحيح مسلم وصحيح ابن حبان بنفس السند, وورد فيه عكرمة بن عمار الذي ضعفه البخاري فقال: "وقال البخاري لم يكن له كتاب فاضطرب حديثه" (ميزان الاعتدال في نقد الرجال ج5 ص113) وقال احمد بن حنبل عنه: "ضعيف الحديث" (المصدر السابق) وقال ابن معين: "كان اميا حافظا" (المصدر السابق) وقال ابو حاتم: "صدوق ربما يهم" (المصدر السابق), وورد اسم عكرمة بن عمار مع اسماء المدلسين في عدة كتب منها (التبيين لأسماء المدلسين ج1 ص152) و(جامع التحصيل ج1 ص108) و (طبقات المدلسين ج1 ص42) و "قال البيهقي : اختلط في آخر عمره وساء حفظه فروى ما لم يتابع عليه" (الكواكب النيرات ج1 ص65). ولا نرمي مما اوردناه ان ننقد السند, او ان ندخل الى قبر الامام مسلم لنناقشه في عدالة هذا الراوي؛ ما نريد ان نقوله ان هذا الحديث فيه ما فيه من الشبهات والتشويه بسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام, فكيف اذا اضفنا الى ذلك ان من انفرد بروايته لم يلق قبولا عند الامة وخصوصا عند احد كبار المحدثين وصاحب احد اوثق الصحاح وهو البخاري؟ اننا نريد فقط ان نضيف هذه الشبهات حول احد رواة هذا الحديث الى ما اسلفنا حتى نزيد الامر وضوحا من ان هذا الضعف الجليّ في المتن واكبه شبهات ايضا على صعيد السند: فنكون بذلك امام احدى خيارين: اما القبول بهذه الاحاديث على حساب سيرة الرسول وسنته وما وصفه القرآن الكريم به من خلق عظيم ورحمة ورأفة, واما ان نرفضها ونرضى بما وصف الله به نبيّه ولا ننسب الى النبي ما قد يكون افتراء وظلما وتعدّ عليه نحاسب عليه يوم القيامة.

ثم ان القول بأن الرسول قد دعا على يتيمة هو اتهام للرسول , فهل يعقل ان ينقل هذا الاتهام للرسول عن طريق آحاد – بغض النظر عمّا دافع به الرسول عن نفسه؟ ان التهمة في الاحوال العادية تتطلب شاهدين او بالحدّ الادنى شاهد ويمين: أفلا يستحق الرسول ان نبحث له عن شاهد آخر – اي سند آخر- يثبت عليه هذه التهمة الرعناء؟ او على الاقل ان يثبت بطريق صحيح آخر ان أنس بن مالك واسحاق بن عبد الله بن ابي طلحة وعكرمة بن عمار قد اقسموا اليمين جميعا ان الرسول فعل ذلك؟ وهذا الامر ينسحب على كل حديث آخر يتوجه الى الرسول برواية تتهم فيها اخلاقه والعياذ بالله.

جاء في صحيح مسلم بشرح النووي: "..... وأما قوله لها : ( لا كبر سنك ) فلم يرد به حقيقة الدعاء , بل هو جار على ما قدمناه في ألفاظ هذا الباب" . أ. هـ. ونتساءل ان كان الرسول لم يرد حقيقة الدعاء فلم يبرّر لأم سليم ما كان منه, ولماذا أم سليم تتعجب من دعائه ؟! هل كان الرسول وام سليم جاهلين باللغة العربية وتعابيرها حتى نبرّر لهما ما لم يبررا هم لأنفسهم به؟
• "وجاء عن زيد بن حارثة لما أخذ أسيراً وأهدته خديجة لخدمته وجاء أهله بالفداء يفادونه من رسول الله فقال لهم: «ادعوه وأخبروه فإن اختاركم فهو لكم بدون فداء، فقال زيد: والله لا أختار على صحبتك أحداً أبداً، فقال له أهله: ويحك أتختار الرق على الحرية؟ فقال: نعم، والله لقد صحبته فلم يقل لي لشيء فعلته لم فعلته قط. ولا لشيء لم أفعله لمَ لمْ تفعله قط» ورجع قومه وبقي هو عند رسول الله فأخذ بيده وأعلن تبنيه على ما كان معهوداً قبل البعثة."( اضواء البيان في تفسير القرآن ج5 ص428) فهل نصدّق هذه الحادثة المشهورة عن زيد بن حارثة ام نركن الى قصة كهذه التي جاءت في صحيح مسلم والتي تشنّع معاملة الرسول لليتيم؟؟؟ زيد بن حارثة لبث عند رسول الله عليه الصلاة والسلام سنين عديدة فلم يتوجّه اليه الرسول بكلمة او تأنيب, فهل ضاق صدر رسول الله بهذه اليتيمة التي لا حول لها ولا قوة والتي لم يشاهدها منذ فترة بدليل قوله لها: "هيه لقد كبرت"؟؟!!!!!
• لقد كان رسول الله عليه الصلاة والسلام مشهودا له في الجاهلية بكريم اخلاقه وكان يلقّب بالصادق الامين وكانت الرسالة لم تنزل عليه بعد, فهل ضاقت اخلاقه وسعة صدره بعد ان نزلت عليه الرسالة؟؟!! قالت خديجة تصفه بعيد نزول الرسالة عليه: "والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق". (صحيح البخاري)


وفي نهاية هذا المحور نختم بالتساؤل التالي: اذا كانت الاحاديث الواردة في مقدمة هذا البحث قد ثبت انها افتراء على الرسول, فما هي قصتها؟

لنستعرض اولا الروايات التالية:

1- عن ابن عباس قال كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله فتواريت خلف باب قال فجاء فحطأني حطأة وقال اذهب وادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل قال ثم قال لي اذهب فادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل فقال لا أشبع الله بطنه قال ابن المثنى قلت لأمية ما حطأني قال قفدني قفدة حدثني إسحق بن منصور أخبرنا النضر بن شميل حدثنا شعبة أخبرنا أبو حمزة سمعت ابن عباس يقولا كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله فاختبأت منه فذكر بمثله (صحيح مسلم)
2- قد روي عن النبي أنه قال اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر فالعنه واهجه عدد ما هجاني فلعنه (تفسير القرطبي ج: 2 ص: 188)
3- عن الشعبي قال سمعت عبد الله ابن الزبير وهو مستند إلى الكعبة وهو يقول ورب هذه الكعبة لقد لعن رسول الله فلانا وما ولد من صلبه وراه أحمد والبزار والا انه قال لقد لعن الله الحكم وما ولد على لسان نبيه والطبراني بنحوه وعنده رواية كرواية أحمد ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ج: 5 ص: 241)
4- حدثنا عبد الله حدثني معاوية عن حاتم بن حريث وغيره من مشيخة الجنة قال لما بايع أهل العراق للحسن بن علي جاء حتى ولى معاوية فرفع عمرو وأبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي فلما فرغا قال أنشدك الله يا معاوية أما تعلم أن رسول الله لعن يوم الأحزاب صاحب مقدمتهم وصاحب ساقتهم وصاحب مجنبتيهم وأين كان عمرو من أولئك وأنشدك يا معاوية أما تعلم أن النبي لعن بنى دعل وذكوان وعمرو بن سفيان وكان علي أبي الأعور اثنتان لعنه ولعن قومه فقال معاوية وأنا أشهد سمعت رسول الله يقول أيما أحد لعنته في الجاهلية ثم دخل في الإسلام فإن لعنتي عليه صلاة وهي له زكاة (التاريخ الصغير (للبخاري) ج: 1 ص: 98)
5- حدثنا أبو السائب سلم بن جنادة بن سلم الكوفي حدثنا أحمد بن بشير عن عمر بن حمزة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال قال رسول الله يوم أحد اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن صفوان بن أمية قال فنزلت ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فتاب الله عليهم فأسلموا فحسن إسلامهم قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب يستغرب من حديث عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه وقد رواه الزهري عن سالم عن أبيه لم يعرفه محمد بن إسمعيل من حديث عمر بن حمزة وعرفه من حديث الزهري
6- وعن أبي مجلز قال قال عمرو والميغرة بن شعبة لمعاوية إن الحسن بن علي رجل عي وإن له كلاما ورأيا وإنا قد علمنا كلامه فنتكلم كلامه فلا يجد كلاما قال لا تفعلوا فأبوا عليه فصعد عمرو المنبر فذكر عليا ووقع فيه ثم صعد المغيرة بن شعبة فحمد الله وأثنىعليه ثم وقع في علي ثم قيل للحسن بن علي اصعد فقال لا أصعد ولا أتكلم حتى تعطوني إن قلت حقا أن تصدقوني وإن قلت باطلا أن تكذبوني فأعطوه فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه فقال أنشدك بالله يا عمرو ويا مغيرة أتعلمان أن رسول الله قال لعن الله السابق والراكب أحدهما فلان قالا اللهم بلى قال أنشدك بالله يا معاوية ويا مغيرة أتعلمان أن رسول الله لعن عمرا بكل قافية قالها لعنة قالا اللهم بلى قال أنشدك بالله يا عمرو ويا معاوية بن أبي سفيان أتعلمان أن رسول الله لعن قوم هذا قالا بلى قال الحسن فإني أحمد الله الذي وقعتم فيمن تبرأ من هذا قال وذكر الحديث رواه الطبراني عن شيخه زكريا بن يحيى الساجي قال الذهبي أحد الأثبات ما علمت فيه جرحا أصلا وقال ابن القطان مختلف فيه في الحديث وثقه قوم وضعفه آخرون وبقية رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ج: 7 ص: 247)
7- وعن عبدالله بن عثمان بن خيثم قال دخلت على أبي الطفيل عامر بن واثلة فوجدته طيب النفس فقلت يا أبا الطفيل أخبرني عن النفر الذين لعنهم رسول الله فهم أن يخبرني فقالت امرأته سودة مه يا أبا الطفيل أما بلغك أن رسول الله قال اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد من المؤمنين دعوت عليه بدعوة فاجعلها له رواه الطبراني في الأوسط واللفظ له وأحمد بنحوه وإسناده حسن (مجمع الزوائد ج8 ص267)
8- وعن معاوية قال سمعت رسول الله يقول اللهم من لعنت في الجاهلية ثم دخل في الإسلام فاجعل ذلك قربة له إليك رواه الطبراني وفيه سليمان بن داود الشاذكوني وهو ضعيف قلت ويأتي حديث حال أبي السوار في مناقبه (مجمع الزوائد ج8 ص267)
9- حدثنا يحيى بن سعيد عن صدقة بن المثنى حدثني جدي رياح بن الحارث أن المغيرة بن شعبة كان في المسجد الأكبر وعنده أهل الكوفة عن يمينه وعن يساره فجاءه رجل يدعى سعيد بن زيد فحياه المغيرة وأجلسه عند رجليه على السرير فجاء رجل من أهل الكوفة فاستقبل المغيرة فسب وسب فقال من يسب هذا يا مغيرة قال يسب علي بن أبي طالب قال يا مغير بن شعب يا مغير بن شعب ثلاثا ألا أسمع أصحاب رسول الله يسبون عندك لا تنكر ولا تغير فأنا أشهد على رسول الله بما سمعت أذناي ووعاه قلبي من رسول الله فإني لم أكن أروي عنه كذبا يسألني عنه إذا لقيته أنه قال أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعلي في الجنة وعثمان في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن في الجنة وسعد بن مالك في الجنة وتاسع المؤمنين في الجنة لو شئت أن أسميه لسميته قال فضج أهل المسجد يناشدونه يا صاحب رسول الله من التاسع قال ناشدتموني بالله والله العظيم أنا تاسع المؤمنين ورسول الله العاشر ثم أتبع ذلك يمينا قال والله لمشهد شهده رجل يغبر فيه وجهه مع رسول الله أفضل من عمل أحدكم ولو عمر عمر نوح (مسند احمد)
10- حدثنا محمد بن بشر حدثنا مسعر عن الحجاج مولى بني ثعلبة عن قطبة بن مالك عم زياد بن علاقة قال نال المغيرة بن شعبة من علي فقال زيد بن أرقم قد علمت أن رسول الله كان ينهى عن سب الموتى فلم تسب عليا وقد مات (مسند احمد)
11- حدثنا أبو المغيرة حدثنا أبو بكر حدثنا ضمرة بن حبيب بن صهيب عن أبي الدرداء عن زيد بن ثابت أن رسول الله علمه دعاء وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم قال قل كل يوم حين تصبح لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير في يديك ومنك وبك وإليك اللهم ما قلت من قول أو نذرت من نذر أو حلفت من حلف فمشيئتك بين يديه ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بك إنك على كل شيء قدير اللهم وما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من لعنة فعلى من لعنت إنك أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (مسند احمد)
12- حدثنا أبو أسامة أخبرني مسعر حدثني عمر بن قيس عن عمرو بن أبي قرة الكندي قال عرض أبي على سلمان أخته فأبى وتزوج مولاة له يقال لها بقيرة قال فبلغ أبا قرة أنه كان بين سلمان وحذيفة شيء فأتاه يطلبه فأخبر أنه في مبقلة له فتوجه إليه فلقيه معه زبيل فيه بقل قد أدخل عصاه في عروة الزبيل وهو على عاتقه قال أبا عبد الله ما كان بينك وبين حذيفة قال يقول سلمان وكان الإنسان عجولا فانطلقا حتى أتيا دار سلمان فدخل سلمان الدار فقال السلام عليكم ثم أذن فإذا نمط موضوع على باب وعند رأسه لبنات وإذا قرطان فقال اجلس على فراش مولاتك الذي تمهد لنفسها قال ثم أنشأ يحدثه قال إن حذيفة كان يحدث بأشياء يقولها رسول الله في غضبه لأقوام فأسأل عنها فأقول حذيفة أعلم بما يقول وأكره أن يكون ضغائن بين أقوام فأتي حذيفة فقيل له إن سلمان لا يصدقك ولا يكذبك بما تقول فجاءني حذيفة فقال يا سلمان ابن أم سلمان قلت يا حذيفة ابن أم حذيفة لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر فلما خوفته بعمر تركني وقد قال رسول الله من ولد آدم أنا فأيما عبد مؤمن لعنته لعنة أو سببته سبة في غير كنهه فاجعلها عليه صلاة (مسند احمد)
13- حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زائدة بن قدامة الثقفي حدثنا عمر بن قيس الماصر عن عمرو بن أبي قرة قال كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر أشياء قالها رسول الله لأناس من أصحابه في الغضب فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة فيقول سلمان حذيفة أعلم بما يقول فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدقك ولا كذبك فأتى حذيفة سلمان وهو في مبقلة فقال يا سلمان ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله فقال سلمان إن رسول الله كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه ويرضى فيقول في الرضا لناس من أصحابه أما تنتهي حتى تورث رجالا حب رجال ورجالا بغض رجال وحتى توقع اختلافا وفرقة ولقد علمت أن رسول الله خطب فقال أيما رجل من أمتي سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبي فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر (أبو داود)
14- حدثنا علي بن عاصم قال حصين أخبرنا عن هلال بن يساف عن عبد الله بن ظالم المازني قال لما خرج معاوية من الكوفة استعمل المغيرة بن شعبة قال فأقام خطباء يقعون في علي قال وأنا إلى جنب سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال فغضب فقام فأخذ بيدي فتبعته فقال ألا ترى إلى هذا الرجل الظالم لنفسه الذي يأمر بلعن رجل من أهل الجنة فأشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم قال قلت وما ذاك قال قال رسول الله اثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد قال قلت من هم فقال رسول الله وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك قال ثم سكت قال قلت ومن العاشر قال قال أنا (مسند احمد)
15- أخبرنا عمران بن بكار قال حدثنا علي بن عياش قال حدثني شعيب قال حدثني أبو الزناد مما حدثه عبد الرحمن الأعرج مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يحدث عن رسول الله قال قال انظروا كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم إنهم يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد (النسائي)




ان كتب السير والتاريخ وجزءا لا بأس من الاخبار الموجودة في كتب الصحاح والسنن تكشف النقاب عن معارك حامية تدور بين بني أمية وأشياع علي بن أبي طالب وكان احد الاسلحة المستخدمة هو اللعن. فقد ورد في صحيح مسلم : " عن سهل بن سعد قال استعمل على المدينة رجل من آل مروان قال فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا قال فأبى سهل فقال له أما إذ أبيت فقل لعن الله أبا التراب فقال سهل ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب وإن كان ليفرح إذا دعي بها فقال له أخبرنا عن قصته لم سمي أبا تراب قال جاء رسول الله بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت فقال أين ابن عمك فقالت كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي فقال رسول الله لإنسان انظر أين هو فجاء فقال يا رسول الله هو في المسجد راقد فجاءه رسول الله وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب فجعل رسول الله يمسحه عنه ويقول قم أبا التراب قم أبا التراب" فقد كان بنو امية – على ما تذكر امثال هذه الرواية – يأمرون بلعن علي بن ابي طالب على المنابر. و جاء في كتاب الكامل في التاريخ لابن الاثير الجزء الثالث ص 337: " في هذه السنة قتل حجر بن عدي وأصحابه ، وسبب ذلك أن معاوية استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين فلما أقره عليها دعاه وقال له : أما بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم [ ما ] تقرع العصا وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم ، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك ولست تاركا إيصاءك بخصلة : لا تترك شتم علي وذقه ، والترحم على عثمان ، والاستغفار له ، والعيب لأصحاب علي ، والاقصاء لهم ، والإطراء بشيعة عثمان ، والإدناء لهم. فقال له المغيرة: قد جربت وجربت وعملت قبلك لغيرك فلم يذممني ، وستبلو فتحمد أو تذم . فقال : بل نحمد إن شاء الله . فأقام المغيرة عاملا على الكوفة وهو أحسن شيء سيرة غير أنه لا يدع شتم علي والوقوع فيه والدعاء لعثمان والاستغفار له ، فإذا سمع ذلك حجر بن عدي قال : بل إياكم ذم الله ولعن."

وليس غرضنا هنا ان نذكر التاريخ لنحاكمه وانما لنقف على الظروف الموضوعية التي أدت الى الافتراء على الرسول . وسواء كان الكلام المسطور في كتب التاريخ قد نطق به معاوية ام لا، فان المؤكد ان هذا الكلام كان ناطقا باسم شريحة معينة من المجتمع ولولا وجود هذه الشريحة لما وجد هذا الكلام. ان الكلام في فتنة عليّ ومعاوية هي مهمة لنا بقدر ما تضفي اضاءات على الظروف الموضوعية التي أدت الى تحريف احاديث الرسول واختلاق الكثير على لسانه, والقرآن الكريم يبرّئه, ومن أصدق من الله حديثا؟؟؟

نكمل فنقول, ان هذا العداء الذي ضجت به كتب الحديث والتاريخ لا ريب انه ايقظ في نفوس الفريقين وخصوصا في فريق اشياع علي بن ابي طالب جميع اقوال الرسول فيما يخص بني امية اثناء حربهم الطويلة ضد الرسول حتى فتح مكة. ان دور ابي سفيان في محاربة المسلمين لا يخفى فهو قاد حملة الاحزاب ضد الرسول في المدينة وورد ايضا ان ابا سفيان حاول اغتيال الرسول ولا يخفى من قريب او بعيد ان ابا سفيان كان يترأس حملة الحرب ضد الرسالة الاسلامية حتى فتح مكة... واننا اذ لا نستبعد ان يكون الرسول قد تكلم بشيء في حق بني امية أثناء حربهم الضروس ضده في جاهليتهم, الا اننا لا نستبعد ايضا ان يكون هناك افتراءات اضيفت للرسول ضد بني امية. واذا الاحظنا الاحاديث اعلاه مثلا نجد ان الاحاديث رقم 1 و2 و3 و4 و5 موجهة ضد بني امية. وللوقوف امام هذه الاحاديث – والتي لا نريد ان نقف على مدى صحتها الان - اختلقت الفئة المقابلة الاحاديث الواردة في بداية هذا المحور والتي تحوّل اللعنات الى بركات ورحمة وصلوات وقربى, ولعل الحديث الرابع والذي يذكر فيه معاوية: "وأنا أشهد سمعت رسول الله يقول أيما أحد لعنته في الجاهلية ثم دخل في الإسلام فإن لعنتي عليه صلاة وهي له زكاة" تبين الهدف الذي من اجله وضعت هذه الاحاديث كلها, وهي ان تتحول اللعنات التي اطلقها الرسول على كل من حاربه "في الجاهلية" الى صلاة وزكاة. ويبدو ان هذه الصيغة لم تكن كافية فكان لا بد من تقويتها بممارسة نوع من الارهاب الفكري وذلك بزيادة تخرج هذا الحديث الى حدّ يكون فيه خصوصية للرسول فجاء في الاحاديث الواردة في مقدمة البحث الفاظ غاية في الصرامة: "شارطت ربي", "اللهم اني اتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه"، "اشترطت على ربي"... والعجيب ان كتب الشروح حسبما توفر لنا من مصادر لم تقف عند هذه العبارات ولو باشارة او تعليل وكيف ان الرسول او اي كائن يستطيع ان يشترط على الله – والعباذ بالله. وليس الاشتراط هو الصيغة الوحيدة التي لجأوا اليها فنقرآ في مسند الامام احمد 24696: عن عائشة قالت كان رسول الله يرفع يديه يدعو حتى إني لأسأم له مما يرفعهما يدعو اللهم فإنما أنا بشر فلا تعذبني بشتم رجل شتمته أو آذيته. ويبدو ان الحديث رقم 11 جاء في سياق الردّ على هذه الاحاديث: " وما لعنت من لعنة فعلى من لعنت" حيث يؤكّد هذا الحديث على ان اللعنة التي بدرت من رسول الله عليه الصلاة والسلام هي لعنة لا رجوع عنها الى يوم الدين.

ان الاحاديث رقم 4 و12 و13 تشير بشكل واضح الى كيفية استعمال احاديث الاشتراط والعهد حيث كان المطلوب منها ان تكفّ السنة الناس عن استخدام اي قول للرسول في الحرب الدائرة بين عليّ وبني أميّة. وقد يعلّق البعض على صحة الاحاديث الواردة في هذا القسم الاخير, الا اننا نقول انه لا يعنينا هنا ان نثبت صحة هذه الاحاديث الى قائليها, لأن ما يهمنا اكثر هو ان هذه الاحاديث كانت تنطق بلسان الحال الاجتماعي والسياسي الذي لا سبيل الى انكاره: ان احدا لا يستطيع ان ينكر ان هناك معركة وقعت بين عليّ ومعاوية, كما ان احدا لا يستطيع ان ينكر ان بني امية خاضوا حربا في جاهليتهم ضد رسول الله حتى فتح مكة, كما ان احدا من المسلمين لا يستطيع ان ينكر ما اثبته الله لرسوله من الخلق العظيم... . اننا نستعين بكل هذه العناوين العريضة الغير قابلة للشك او الجدل في اذهان المسلمين لنقول ما نحن بصدد قوله ونحلّل كل هذه الروايات المنسوبة الى الرسول الكريم.

نكمل فنقول: ان كل هذه الاحاديث التي ذكرت ان الرسول كان يلعن ويسبّ أريد لها ان تصبّ في :"فأيما مؤمن لعنته......." لذا جاءت هذه الاحاديث مترهلة غير متماسكة لا مع ذاتها ولا مع القرآن الكريم, كما جاءت صيغ العهد فظة غليظة لا تليق بمقام النبوة في دعائها لله , كل ذلك يعبّر عن حاجة ملحة في ان يصدق الناس هذا القول, فجاءت مرة بصبغة الشرط وجاءت اخرى بصيغة العهد المؤكّد بعدم الاخلاف.


توضيح اخير:

ما اصبو اليه في هذه السلسلة هو الوقوف على دراسة موضوعية منهجية للحديث النبوي, محاولا تأصيل سنة النبي ... وارجو من القارىء الكريم ان يعلم ان ردّ حديث او اثنين او مئة ليس معناه ردّ سنة الرسول الكريم , فهناك فرق شاسع بين الحديث والسنة, وسوف اقوم بتفصيل ذلك في ابحاث قادمة باذن الله ... كل ما تحتويه سلسلة آية وحديث هو محاولة توفيقية بين الاحاديث والقرآن الكريم من جهة, وبين الاحاديث وظروفها الموضوعية من جهة اخرى ... ولو كنت ممن ينكرون السنة النبوية لما كنت امضي ساعات طوال بين كتب الحديث أفتّش فيها وأقلب ما جاء من آراء ووجهات نظر ..

لذا أرجو ممن يرى ان هناك ما قد غضضت الطرف عنه او اسرفت فيه الا يبخل بالنصيحة, كما ارجو ممن يجد ان هناك أسئلة قد أسأت في الاجابة عنها في البحث ان ينبّه اليها دون اللجوء الى تحويل الابحاث عن مسارها والدخول في معمعة العموميات ... كما انني عندما اذكر التاريخ انما اذكره بما يتناسب مع علاقته بموضوع البحث, فأرجو من الاخوة عدم جرّي الى مواقع خارج موضوع البحث ...