الأولى :الدعاء في خطبة الجمعة

اتفق العلماء على مشروعية الدعاء في خطبة الجمعة ، واختلفوا في حكمه ، فالجمهور على أنه مستحب ؛ وهو قول للشافعية ، والقول الثاني عند الشافعية أنه ركن واجب لا تصح الخطبة إلا به .

قال الشيرازي - - في ( المهذب ) : وهل يجب الدعاء ؟ فيه وجهان : أحدهما : يجب رواه المزني في أقل ما يقع عليه اسم الخطبة . ومن أصحابنا من قال : هو مستحب .ا.هـ . قال النووي في ( المجموع ) وهو يتحدث عن أركان الخطبة : الخامس : الدعاء للمؤمنين ؛ وفيه قولان : وحكاهما المصنف وكثيرون ، والأكثرون وجهين ، والصواب قولان : أحدهما : أنه مستحب ولا يجب ؛ لأن الأصل عدم الوجوب ، ومقصود الخطبة الوعظ ؛ وهذا نصه في ( الإملاء ) ، وممن نقله عن ( الإملاء ) الرافعي وغيره . الثاني : أنه واجب وركن لا تصح الخطبة إلا به . وهذا نصه في ( مختصر المزني ) ، ونص عليه - أيضًا - في ( البويطي ) و( الأم ) ... ثم ذكر اختلافهم في الأصح من القولين ، وصحح الوجوب.

الثانية : رفع اليدين في دعاء الجمعة للإمام

وأما رفع اليدين في دعاء الجمعة للخطيب فثابت في حديث عمارة بن رؤيبة أن النبي كان يرفع أصبعه ؛ قال النووي - : فيه أن السنة ألا يرفع اليد في الخطبة ، وهو قول مالك وأصحابنا وغيرهم ، وحكى القاضي عن بعض السلف وبعض المالكية إباحته ، لأن النبي رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى . وأجاب الأولون : بأن هذا الرفع كان لعارض .ا.هـ .

وقال الإمام البيهقي في ( السنن الكبرى ) : باب ( ما يستدل به على أنه يدعو في خطبته ) ، ثم ساق حديث عمارة من طريقين عن حصين بن عبد الرحمن عن عمارة به . وساق بإسناده من طريق أبي داود حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ شَاهِرًا يَدَيْهِ قَطُّ يَدْعُو عَلَى مِنْبَرِهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَكِنْ رَأَيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَعَقَدَ الْوُسْطَى بِالْإِبْهَامِ ؛ والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم ؛ قال البيهقي - : والقصد من الحديثين إثبات الدعاء في الخطبة ، ثم فيه من السنة أن لا يرفع يديه حال الدعاء في الخطبة ، ويقتصر على أن يشير بإصبعه . انتهى المراد منه .

قال الشوكاني - : والحديثان المذكوران يدلان على كراهة رفع الأيدي على المنبر حال الدعاء ، وأنه بدعة .ا.هـ . وقال البغوي في ( شرح السنة ) : رفع اليدين في الخطبة غير مشروع ، وفي الاستسقاء سنة ، فإذا استسقى في خطبة الجمعة يرفع يديه اقتداء بالنبي .ا.هـ .

وقال ابن العربي - - في ( العارضة ) : رفع اليدين على المنبر جائز إذا احتاج إليه الإمام . ثم ساق حديث أنس في رفعه يديه في الاستسقاء على المنبر .ا.هـ . وقال محمد بن خليفة : كره مالك وقوم من السلف رفع اليدين في الخطبة ، وأجازه بعض أصحابنا وآخرون ، لأنه رفعهما في خطبة الجمعة حين استسقى .ا.هـ . ونقل ابن المواق - - في ( التاج والإكليل ) عن ابن حبيب - - قال : ليس من السنة رفع الأيدي بالدعاء عقب الخطبة إلا لخوف عدو ، أو قحط ، أو أمر ينوب ، فلا بأس يأمر الإمام لهم بذلك .ا.هـ .

وقال ابن تيمية - : ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة ، وهو أصح الوجهين لأصحابنا ، لأن النبي إنما كان يشير بإصبعه إذا دعا .

وصفوة القول : أن رفع اليدين للخطيب في دعاء خطبة الجمعة فيه أربعة أقوال :

الأول : الكراهة ، وحجة هذا القول حديثا عمارة وسهل المتقدمين .

الثاني : الجواز مطلقًا ، وحجته حديث أنس في استسقاء النبي على المنبر يوم الجمعة .

الثالث : الجواز في الاستسقاء ، وما قد ينوب من خوف عدو أو نحو ذلك ؛ وهو قول ابن حبيب من المالكية .

الرابع : الجواز في الاستسقاء فقط إذا استسقى على المنبر . وهو الصواب ، وهو الذي تدل عليه سنة النبي جمعًا بين الأدلة ، لأنه لم ينقل عنه ذلك إلا في الاستسقاء ، ونقل عنه في غير الاستسقاء الإشارة بالإصبع فقط ، فهذه سنته فلا يعدل عنها . ولا يبعد ما ذهب إليه ابن حبيب في حق الإمام أن يرفع يديه فيما يُلم بالمسلمين من قحط أو خوف عدو ، وأما قوله : فلا بأس أن يأمر الإمام لهم بذلك ، فليس ذلك على سبيل المداومة . والعلم عند الله تعالى .