الجنة دار الطيبين: " الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ "(1/3):


يقول الله تعالى:" الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" –النحل:32-، ويقول جل في علاه:" حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ"([1]) –الزمر:73-.
من أعظم صفات الفائزين برضا رب العالمين ودخول جنات النعيم أنهم كانوا في حياتهم الدنيا طيبين.
ولم يذكر الله سبحانه معمول ذلك الوصف "طيبين"، وذلك ليعم، فمن قواعد التفسير أن"حذف المعمول يدل على العموم".
فأهل الجنان إنما استحقوا الفوز والإنعام بسبب ما كانوا عليه من الطيبة في عقائدهم ومعاملاتهم وأخلاقهم وأقوالهم ومآكلهم ومشاربهم وألبستهم وأنكحتهم، بل وفي خواطرهم وأفكارهم...
فالطيببون عاشوا في دنياهم على الطيبات، وهذا كما يقول العلامة السعدي تعالى:" اسم جامع لكل طيب نافع، من العقائد، والأخلاق، والأعمال، والمآكل، والمشارب والمكاسب."([2]).

معنى الطيب لغة:
قال ابن فارس تعالى:" (طيب) الطاء والياء والباء أصلٌ واحد صحيحٌ يدلُّ على خلافِ الخَبيث. من ذلك الطيِّب: ضدّ الخبيث...ويقال: هذا طعام مَطْيَبةٌ للنَّفْس. والطَّيِّب:الحلال..."([3]).

1-أهل الجنة طيبون في عقائدهم:

فأهل الجنان كانوا على عقيدة التوحيد الطيبة الطاهرة، فلم يتلبّسوا بنجاسة الشرك، بل عاشوا على الكلمة الطيبة كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) وتعايشوا معها، فكانت لهم منهج حياة لم يتزحزحوا عنها قيد أنملة، فهم قد علموا الغاية من خلقهم:"وما خلقت الجنة والإنس إلا ليعبدون"، فشمّروا على ساعد الجد في تحقيق الوظيفة السامية التي أنيطت بهم، لعلمهم بعظم شأنها، وكيف لا وهي قد عرضت على أعظم المخلوقات فأشفقت منها، كما قال جل في علاه:" إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا"-الأحزاب:72-.
فوحدوا الله تعالى في ربوبيته وفي ألوهيته وفي صفاته وأسمائه: فأيقنوا أن الله تعالى هو الرب الخالق المالك المدبر" وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ"...

كما أخلصوا له العبادة وأفردوه بها، فكانوا كما قال تعالى:" قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ .."-الأنعام-، فبقدر توحيدهم لربوبيته سبحانه كان توحيدهم لإلاهيته، فلم يتلطخوا بنجاسة الشرك من قبورية ولا وثنية، ولم تكن قبلتهم الأضرحة والقبور للطواف وتقديم النذور، بل وجهتهم العزيز الغفور، فإياه يدعون ويرجون، وبه يستغيثون، وإليه يلجئون، وعليه يتوكلون... لعلمهم ويقينهم أن النفع والضر والمنع والعطاء والرفعة والوضع...كلها بيده سبحانه لا بيد غيره، كما قال تعالى ذكره:" مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"-فاطر:2-، فذكر انفراده بالمنع والعطاء، وهذا كما قال العلامة السعدي تعالى:"يوجب التعلق باللّه تعالى، والافتقار إليه من جميع الوجوه، وأن لا يدعى إلا هو، ولا يخاف ويرجى إلا هو"([4])، وكما قال عز شأنه:" وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"-الأنعام:17-، فهم قد علموا أنه " تعالى المنفرد بكشف الضراء، وجلب الخير والسراء. ولهذا قال: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ من فقر، أو مرض، أو عسر، أو غم، أوهم أو نحوه. فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فإذا كان وحده النافع الضار، فهو الذي يستحق أن يفرد بالعبودية والإلهية."([5]).

كما وحدوه سبحانه في صفاته وأسمائه، فأثبتوا كل ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله من الأسماء والصفات، ولم يلحدوا فيها إلحاد الملحدين ولم ينحرفوا فيها انحراف المنحرفين، فكان الإثبات مع التنزيه سبيلهم وكان التحريف والتعطيل عدوهم، فكانوا في منأى عن تأويلات الجهمية والأشاعرة وغيرهم، فأثبتوا لله استواء يليق به ولم يتأولوه بالاستلاء، وأثبتوا نزوله ولم يتأولوه بنزول أمره، كما أثبتوا كل صفاته الخبرية وصفاته الفعلية على الوجه المرضي معرضين عن سبيل أهل الأهواء المخزي.
كما طابت عقيدتهم في أصول الدين وخاصة ما يتعلق بأمور الآخرة، فآمنوا بالبرزخ والحشر والميزان والصراط والحساب والجنة والنار، وأيقنوا بثبوت رؤية العزيز الغفار، خلافا لمن أنكرها من أهل الاعتزال، بل جعلوا هذه الرؤية علما، لوصوله يتنافسون وللفوز به يسارعون، موقنين بوعد الله:" لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"([6])-يونس:26-.

يتبع إن شاء الله تعالى.


([1] ) " أي: طابت قلوبكم بمعرفة اللّه ومحبته وخشيته، وألسنتكم بذكره، وجوارحكم بطاعته. فـ بسبب طيبكم ادْخُلُوهَا خَالِدِينَ لأنها الدار الطيبة، ولا يليق بها إلا الطيبون."-تيسير الرحمن:730-.

([2] ) تيسير الرحمن: 944.

([3] ) معجم مقاييس اللغة: 3/453.

([4] ) تيسير الرحمن:684.

([5] ) تيسير الرحمن:251.

([6] ) عن صهيب قال:" تلا رسول الله هذه الآية ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) وقال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون وما هو ألم يثقل الله موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار، قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر يعني إليه ولا أقر لأعينهم . –صحيح سنن ابن ماجة-.