في قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9).
التَّغابُنُ : اسم من أسماء يوم القيامة.

المعنى اللغوي:

ومادة " غبن " تدور على الخفاء والنقص والهضم ومنه مغابن الجسد وهي ما يخفى عن العين ، وسمي الغبن في البيع - لخفائه عن صاحبه .
الغَبْن: وهو أَخْذُ الشيءِ بدون قيمتِه، نتيجة لخداع وإخفاء وغفلة وقلة فطنة فتبدوا له البضاعة بخلاف مقاديرها، فيظهر النقصان للحظ ، تقول غبنت فلانا :إذا بايعته أو شاريته فكان النقص عليه والغلبة لك فهو أخذ الشيء بدون قيمته.
وعلى جميع الأقوال الآتية في التغابن: هو مستعار من التغابن القوم في التجارة ؛ وهو أن يغبن بعضهم بعضاً سواء كان من طرفين أو على التجريد.
في معنى التغابن أربعة أقوال :
القول الأول: قالوا التغابن من طرف واحد ، والتفاعل ليس على ظاهره لوقوعه من جانب واحد كتواضع وتحامل ،واختير التفاعل للمبالغة أي يوم يغبن فيه أهل الجنة أهل النار وأهل الحق أهل الباطل، وأهل الإيمان أهل الكفر، ولا غَبن أعظمُ من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة ، ويُذْهَب بأولئك إلى النار ، وذلك أن كل أحد يبعث من قبره وهو يرجو حظا ومنزلة فإذا وقع الجزاء غبن المؤمنون الكافرين لأنهم يدخلون الجنة ويحصل الكفار في النار وقد فسر ذلك بقوله تعالى : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
مجاهد ومقاتل والقرظي وقتادة والطبري وابن عطية وابن كثير ومكي و الجلال والهواري والواحدي
القول الثاني:

قالوا الكلام على الاستعارة ، والتغابن "مفاعلة" من الغَبْن ، و(التفاعل) على هذا القول على ظاهره وهو مستعار من تغابن القوم في التجارة ؛ وهو أن يغبن بعضهم بعضاً ، فلنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء ، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء جعل ذلك تغابنا على سبيل الاستعارة ،وفيه تهكم بالأشقياء ؛ لأنّ نزولهم ليس بغبن ، فصح الاطلاق من جهة الاشقياء مع أنهم لا يغبنون السعداء بنزولهم في منازلهم من النار، إلا بالاستعارة التهكمية ، أما من جهة السعداء فالأمر واضح ؛ لأنهم يغبنون الأشقياء بنزولهم في منازلهم من الجنة لو كانوا سعداء، وفي حديث رسول الله الصحيح : " ما من عبد يدخل الجنة إلا أرى مقعده من النار لو أساء ، ليزداد شكراً . وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة لو أحسن ، ليزداد حسرة"[1] ، فأهل الجنة أخذوا الجنة وأهل النار أخذوا النار على طريق المبادلة فوقع الغبن لأجل مبادلتهم الخير بالشر والجيد بالرديء فغبن المؤمنون الكفار بنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس .

اختاره : البيضاوي وأبو السعود وأبو حيان والشوكاني والزمخشري والنسفي القرطبي وابن العربي المظهري - ابن عجيبة والسعدي وابن أبي زمنين والشربيني و الميرغني .
القول الثالث: سيد قطب والرضي والطبرسي والسعدي .

قالوا الكلام على الاستعارة ، والتغابن "مفاعلة" من الغبن ، و(التفاعل) على هذا القول على ظاهره وهو مستعار من تغابن القوم في التجارة ؛ وهو أن يغبن بعضهم بعضاً ، وهو تصوير لما يقع من فوز المؤمنين بالنعيم ويرفعون إلى أعلى عليين ، في الغرف العاليات ، والمنازل المرتفعات ، المشتملة على جميع اللذات والشهوات ؛ وحرمان الكافرين من كل شيء منه ثم صيرورتهم إلى الجحيم ويخفضون إلى أسفل سافلين ، فهما نصيبان متباعدان . فكأن المؤمنين ابتاعوا دار الثواب ، وكأن الكافرين اعتاضوا عنها دار العقاب فتفاوتوا في الصفة وتغابنوا في البيعة فكان الربح مع المؤمنين والخسران مع الكافرين ويعرف المجرمون أنهم على غير شيء ، وأنهم هم الخاسرون وكأنما كان هناك سباق للفوز بكل شيء ، وليغبن كل فريق مسابقه ! ففاز فيه المؤمنون وهزم فيه الكافرون ! فهو تغابن بهذا المعنى المصور المتحرك ! يفسره ما بعده : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ومما حسن إطلاق التغابن على ما ذكروا ورود البيع والاشتراء في حق الفريقين فذكر تعالى في حق الكافرين أنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة واشتروا الضلالة بالهدى وذكر أنهم ما ربحت تجارتهم فكأنهم غبنوا أنفسهم ودل المؤمنين على تجارة رابحة قال هل أدلكم على تجارة . الآية وذكر أنهم باعوا أنفسهم بالجنة ، فخسرت صفقة الكفار وربحت صفقة المؤمنين . فالغبن يؤول إلى خسارة البائع في بيعه . فالمؤمن ترك حظه من الدنيا ، وأخذ حظه من الآخرة ، فترك ما هو شر له ، وأخذ ما هو خير له ، فكان غابنا والكافر ترك حظه من الآخرة ، وأخذ حظه من الدنيا ، فترك الخير وأخذ الشر ، فكان مغبونا .
القول الرابع:

قالوا المبايعة بين الشخص ونفسه، وكذا المغابنة على سبيل التجريد

قالوا الغبن: أخذ الشيء بدون قيمته وفوت حظه [2]، فيوم التغابن بمعنى يوم يظهر فيه غَبن الكافرين الذين تركوا الإيمان وأخذوا الدنيا بالآخرة أخذوا الشيء بدون قيمته فغبنوا أنفسهم، ويعرفون أنهم خاسرون بأخذ الدنيا وترك الآخرة ، بأخذ النعيم المنقطع بالدائم فينكشف يوم القيامة لهؤلاء هذه المعاملة الخاسرة وانتقاصَهم حظوظَها بتركهم الإيمان وتبدوا الأشياء لهم بخلاف مقاديرها في الدنيا ، وكذلك يظهر غبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وقريب ،وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ [البقرة: 207]، وبقوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ [التوبة: 111] وبقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا، كقوله تعالى : اشتروا الضلالة بالهدى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ [ البقرة : 16 ] ، وقوله تعالى : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ ، وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فمجموعهما يفسر التغابن ، والكلام تهديد للكفار بسوء حالهم

  • المغابنة من الشخص ونفسه على سبيل التجريد كما في قوله تعالى: "وما يخادعون إلا أنفسهم" في وجه، ومنه ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل عن جابر أن النبي قال: "يا كعب بن عجرة، الناس غاديان، فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها". المبايعة من الشخص ونفسه، وكذا المغابنة على سبيل التجريد كما في قوله تعالى: "وما يخادعون إلا أنفسهم" في وجه، ويدخل في هذا ما ذكره البقاعي والنيسابوري: أن الكافر والظالم يظن أنه غبن المؤمن بنعيم الدنيا الذي استأثر به الكافر ، وبالنقص الذي أدخله الظالم على المظلوم ، وقد غبنهما المؤمن والمظلوم على الحقيقة بنعيم الآخرة وكمال جزائها العظيم الدائم.
  • فالتفاعل ليس مستعملا في حقيقته إذ لا تعاوض بل هو مستعمل في معنى الكثرة والشدة أي لكثرة حصول الغبن وشدته تشبيها للكثرة بفعل من يحصل من متعدد مثل (تبارك، تعالى ، عافاك الله) .

تعريف الجزأين في ذلك يوم التغابن:

وتعريف التغابن للجنس
وتعريف الجزأين ذلك يوم التغابن :
معنى ذَلِكَ يَوْمُ التغابن ـ وقد يتغابن الناس في غير ذلك اليوم ـ استعظام له وأن التغابن في الحقيقة هو التغابن في أمور الآخرة لعظمها ودوامها فلا اعتداد بكل تغابن وإن جل وعظم حصل في أسواق الدنيا ، فلا تغابن في الحقيقة غيره لعظمه ودوامه ، قال القاشاني:" أي ليس التغابن في الأمور الدنيوية فإنها أمور فانية سريعة الزوال ضرورة الفناء لا يبقى شيء منها لأحد فإن فات شيء من ذلك ، أو أفاته أحد ولو كان حياته فإنما فات أو أفيت ما لزم ضرورة فلا غبن ولا حيف حقيقة وإنما الغبن والتغابن في إفاتهة شيء لو لم يفته لبقي دائما والنفع به صاحبه سرمدا".


[1] قال الزيلعي: قلت رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق في كتاب صفة الجنة والنار من حديث الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله لا يدخل أحد الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا ولا يدخل احد النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة انتهى
وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله قال إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة انتهى
ولا تعارض بين الحديثين فإنه يرى المقعدين جميعا سواء كان مؤمنا أو كافرا يدل عليه ما أخرجاه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم قال فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل قال فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبده ورسوله قال فيقال له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة قال نبي الله فيراهما جميعا زاد البخاري وأما الكافر والمنافق فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ثم يضرب بين أذنيه بمطرقة من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين انتهى أخرجه البخاري في الجنائز ومسلم في التوبة قبيل الفتن

[2] قال الماتريدي: وهذا هو معنى الترابح ، ولكنه ، جل ثناؤه ، يجوز أنه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر . ثم الغبن يذكر في التجارات . وهو أيضا في الحقيقة يوم تغابن وترابح ، وإن ذكر أحدهما : [ دليل ] 5 ذلك ما ذكر في غيرها من الآيات .