فإن الله يبتلي عبادة وخاصة المصلحين بالإبتلاءات الكثيرة، وتتأثر نفسيتهم بكثرة المنكرات، وحسبك في ذلك كثير من الآيات التي تسلي نبينا محمد ، والذي لاقى كثير من الحزن والأسى على قومه.

والمصلحين في كل زمان ثلاثة أقسام:

1- القسم الأول: من شدة الحزن على قومه يتسرع في الرد، قبل أن تكتمل عنده الآيات البينات التي تدمغ الباطل، فيرد على الباطل بإدلة فيها ضعف، أو يرد بالأدلة العقلية التي لا تتسم بالدمغ، كما قال الله: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (الأنبياء : 18 )
وهذا القسم يفسد من حيث لا يدري، وظالم لنفسه لأنه تعجل الشيء قبل أوانه، وغالبا ما يؤدي فعله هذا إلى الجدال يختلط فيه الحق بالباطل، فيظهر الحق مظهر الباطل ويفسد من حيث لا يشعر.

القسم الثاني: يعمل بالآية الكريمة في سورة النساء: وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ، (النساء : 83 ).

وهذا أبو موسى الأشعري وهو صاحب المناقب الكثيرة ينكر شيئا فيذهب لعبد الله بن مسعود ويرد الأمر إلى أهله الذين عندهم قدرة أكبر على استنباط الأحكام.
ففي السلسة الصحيحة عن عمرو بنِ سلَمةَ الهمْدانيِّ قال كنا نجلسُ على بابِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قَبل صلاةِ الغداةِ فإذا خرج مَشينا معه إلى المسجدِ فجاءنا أبو موسى الأشعريُّ فقال أخَرَجَ إليكم أبو عبد الرحمنِ بعدُ قلنا لا فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قُمْنا إليه جميعًا فقال له أبو موسى يا أبا عبد الرَّحمنِ إني رأيتُ في المسجدِ آنفًا أمرًا أنكرتُه ولم أرَ والحمدُ للهِ إلا خيرًا قال فما هو فقال إن عشتَ فستراه قال رأيتُ في المسجدِ قومًا حِلَقًا جلوسًا ينتظرون الصلاةَ في كلِّ حلْقةٍ رجلٌ وفي أيديهم حصًى فيقول كَبِّرُوا مئةً فيُكبِّرونَ مئةً فيقول هلِّلُوا مئةً فيُهلِّلون مئةً ويقول سبِّحوا مئةً فيُسبِّحون مئةً قال فماذا قلتَ لهم قال ما قلتُ لهم شيئًا انتظارَ رأيِك قال أفلا أمرتَهم أن يعُدُّوا سيئاتِهم وضمنتَ لهم أن لا يضيعَ من حسناتهم شيءٌ ثم مضى ومضَينا معه حتى أتى حلقةً من تلك الحلقِ فوقف عليهم فقال ما هذا الذي أراكم تصنعون قالوا يا أبا عبدَ الرَّحمنِ حصًى نعُدُّ به التكبيرَ والتهليلَ والتَّسبيحَ قال فعُدُّوا سيئاتِكم فأنا ضامنٌ أن لا يضيعَ من حسناتكم شيءٌ ويحكم يا أمَّةَ محمدٍ ما أسرعَ هلَكَتِكمهؤلاءِ صحابةُ نبيِّكم صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُتوافرون وهذه ثيابُه لم تَبلَ وآنيتُه لم تُكسَرْ والذي نفسي بيده إنكم لعلى مِلَّةٍ هي أهدى من ملةِ محمدٍ أو مُفتتِحو بابَ ضلالةٍ قالوا والله يا أبا عبدَ الرَّحمنِ ما أردْنا إلا الخيرَ قال وكم من مُريدٍ للخيرِ لن يُصيبَه إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حدَّثنا أنَّ قومًا يقرؤون القرآنَ لا يجاوزُ تراقيهم يمرُقونَ من الإسلامِ كما يمرُقُ السَّهمُ منَ الرَّميّةِ وأيمُ اللهِ ما أدري لعلَّ أكثرَهم منكم ثم تولى عنهم فقال عمرو بنُ سلَمةَ فرأينا عامَّةَ أولئك الحِلَقِ يُطاعِنونا يومَ النَّهروانِ مع الخوارجِ

القسم الثالث من تريث وعمل بالسنة عند الفتن فلجأ إلى الله واعتصم بذكر الله وتلاوة كتابه والجماعة وبات قائما ساجدا يبحث عن الدليل والحجة الدامغة بدون تعجل، حتى يفتح الله عليه. لأنه أيقن أن الله لم يفرط في الكتاب من شيء، كما قال تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ، (الأنعام : 38 ).

فهؤلاء هم ورثة الكتاب بالحق وهم الربانيون الذين لا يقدمون بين يدي الله ورسوله، ويربون الناس بآيات الله، والحجج الدامغة التي أحكماها الله في كتابه وعلى لسان رسوله الكريم
فالإمام أحمد في الفتنة لم يكثر من الجدال وإنما تمسك بالأدلة المحكمة والصريحة والواضحة والبينة، ولم ينجر إلى الجدال، الذي غالبا ما يغطي على الحقائق.

والله أعلى وأعلم وأحكم،،،