مَنْهَجُ الاخْتِيَارَاتِ الفِقْهِيَّةِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ

هَذِهِ وَقَفَاتٌ مُخْتَصَرَةٌ، وإضَاءَاتٌ مُعْتَصَرَةٌ تَكْشِفُ لَكَ شَيْئًا مِنْ مَنَاهِجِ أهْلِ العِلْمِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا حَوْلَ مَعْرِفَةِ ضَابِطِ «الاخْتِيَارَاتِ الفِقْهِيَّةِ»؛ لِذَا كَانَ لِزَامًا عَلَيْنَا أنْ نَقِفَ مَعَهَا، ولَوْ بشَيءٍ مِنَ الاخْتِصَارِ، وهُوَ كَذَلِكَ.
أقُولُ؛ وباللهِ التَّوْفِيْقُ:
الاخْتِيَارَاتُ: جَمْعُ اخْتِيَارٍ، وهُوَ مَعْنًى لُغَوِيٌّ أصِيْلٌ، تَتَقَلَّبُ مَعَانِيْهِ على الانْتِقَاءِ، والأفْضَلِ، والأظْهَرِ، ومَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ مَعْنىً يَعُودُ إلَيْهَا، أو يَدُلُّ عَلَيْهَا.
والمَقْصُودُ بالاخْتِيَارَاتِ هُنَا: الاخْتِيَارَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بالمَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ دُوْنَ مَا سِوَاهَا مِنْ عُلُوْمِ الشَّرِيْعَةِ!
وعَلَيْهِ؛ فَإنَّ لهَذِهِ المَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ شُرُوطًا اعْتِبَارِيَّةً لابُدَّ مِنْ تَحْقُّقِهَا عِنْدَ الاخْتِيَارِ الفِقْهِي، وإلَّا عَادَ الاخْتِيَارُ دَعْوَى، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ بَعْضِ الكُتُبِ المُعَاصِرَةِ الَّتِي كَتَبَهَا أصْحَابُهَا تَحْتَ دَعْوَى: «اخْتِيَارَاتِ فُلانٍ»، أو «الاخْتِيَارَاتِ الفِقْهِيَّةِ لفُلانٍ»، ولَيْسَتْ على شَرْطِ الاخْتِيَارِ المَنْهَجِي، كَمَا سَيَأتي بَعْضُ ذِكْرِهَا إنْ شَاءَ اللهُ!
كَمَا أنَّ شُرُوطَ هَذِهِ المَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بالمَسْئُولِ والمَسَائِلِ على حَدٍّ سَوَاءٍ، كَمَا يَلي:
فأمَّا شُرُوطُ المَسْئُولِ ـ صَاحِبِ الاخْتِيَارَاتِ ـ:
فَهِيَ أنْ يَكُوْنَ إمَامًا مُتَّبَعًا، سَوَاءٌ في مَذْهَبٍ مَّا، أو مُسْتَقِلًّا باجْتِهَادِهِ المُطْلَقِ.
وأنْ يَكُوْنَ مِمَّنْ بَلَغَ دَرَجَةَ الاجْتِهَادِ الفِقْهِيِّ، ولو بالقُوَّةِ الفِعْلِيَّةِ.
وأنْ تَكُوْنَ اخْتِيَارَاتُه: لهَا اعْتِبَارُهَا وقُوَّتُهَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ في الجُمْلَةِ.
وعَلَيْهِ؛ فمَنْ تَكَلَّفَ جَمْعَ اخْتِيَارَاتِ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِمَّنْ لم تَتَحَقَّقْ فِيْهِم تِلْكُمُ الشُّرُوطِ في الجُمْلَةِ، فَقَدْ تَكَلَّفَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، وخَالَفَ مَسَالِكَ أهْلِ العِلْمِ المُحَقِّقِيْنَ في مَنَاهِجِ فَنِّ الاخْتِيَارَاتِ، واللهُ تَعَالى أعْلَمُ.
وأمَّا شُرُوطُ المَسَائِلِ ـ المَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ المُخْتَارَةِ ـ:
ألَّا تَكُنْ مِنَ المَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ الَّتِي فِيْهَا إجْمَاعٌ، أو نَصٌّ صَرِيْحٌ.
وألَّا تَكُنْ مِنَ المَسَائِلِ الَّتِي قَالَ بِهَا الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ، أو أكْثَرُهُم، أو أحَدُهُم، وهَذَا كُلُّهُ جَارٍ على الخِلافِ في تَحْرِيْرِ ضَابِطِ الاخْتِيَارَاتِ، كَمَا سَيَأتي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللهُ.
وألَّا تَكُنْ مِنَ مَشْهُورَاتِ المَذْهَبِ الاصْطِلاحِي، أو مِنْ صَحِيْحِهِ.
ومِنْ خِلالِ هَذَا؛ فَإنَّ للاخْتِيَارَاتِ الفِقْهِيَّةِ ونَحْوِهَا: حُدُودًا وتَعْرِيْفَاتٍ كَثِيْرَةً؛ لكِنَّهَا في الجُمْلَةِ لا تَقِفُ على ضَابِطٍ مُطَّرِدٍ، بَلْ إخَالُهَا قَدْ أخَذَتْ ذَاتَ اليَمِيْنِ وذَاتَ الشِّمَالِ، وذَلِكَ عِنْدَ النَّظَرِ في كَثِيْرٍ مِنَ المُؤلَّفَاتِ الَّتِي التَزَمَ فِيْهَا أصْحَابُهَا: تَحْقِيْقَ مَنَاطِ الاخْتِيَارِ الفِقْهِيِّ لدَيْهِم.
الأمْرُ الَّذِي يَجْعَلُنَا في تَرَدُّدٍ وحَيْرَةٍ في تَحْقِيْقِ الضَّابِطِ العِلْمِيِّ لتَعْرِيْفِ «
الاخْتِيَارَاتِ الفِقْهِيَّةِ»؛ حَيْثُ نَجِدُ لِكُلٍّ مِنْهُم وُجْهَةً هُوَ مُوَلِّيْهَا في تَحْرِيْرِ ضَابِطِ الاخْتِيَارَاتِ، وإنْ كُنَّا لا نُنْكِرُ شَيْئًا مِنَ ذَلِكَ؛ لأنَّ لكُلٍّ مِنْهُم مَنْهَجَهُ في تَحْقِيْقِ الاخْتِيَارِ، وهُوَ كَذَلِكَ!
* * *
لأجْلِ هَذَا؛ فَإنِّنِي قَدْ نَظَرْتُ إلى كَثِيْرٍ مِنْ تَعْرِيْفَاتِ «الاخْتِيَارَاتِ العِلْمِيَّةِ»، لاسِيَّما فِيْمَا يَتَعَلَّقُ بالمَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ مِنْهَا، فَوَجَدْتُ أنَّ ضَابِطَ «الاخْتِيَارَاتِ» لا يَخْرُجُ عَنْ أمْرَيْنِ في الجُمْلَةِ: اخْتِيَارٍ خَاصٍّ، واخْتِيَارٍ عَامٍّ.
الأوَّلُ: الاخْتِيَارُ الخَاصُّ، وهُوَ أيْضًا على قِسْمَيْنِ:
اخْتِيَارٌ خَاصٌّ بأحَدِ المَذَاهِبِ الأرْبَعَةِ.
اخْتِيَارٌ خَاصٌّ بالمَذَاهِبِ الأرْبَعَةِ.
فأمَّا الاخْتِيَارُ الخَاصُّ بأحَدِ المَذَاهِبِ الأرْبَعَةِ.
فهُوَ أنْ يَخْتَارَ الإمَامُ قَوْلًا خَارِجًا عَنْ مَذْهَبِهِ، أو عَنْ مَشْهُورِهِ، أو عَنْ صَحِيْحِهِ... فشَيءٌ مِنْ هَذَا؛ يُعْتَبَرُ القَوْلُ فِيْهِ: اخْتِيَارًا لِذَلكَ الإمَامِ!
وهَذَا الاخْتِيَارُ الخَاصُّ: هُوَ جَادَّةُ غَالِبِ المُتَقَدِّمِيْنَ في ضَابِطِ تَحْرِيْرِهِم للاخْتِيَارَاتِ الفِقْهِيَّةِ، ولاسِيَّما عِنْدَ الأصْحَابِ، أو تَلامِيْذِ ذَلِكُمُ الإمَامِ الَّذِي حُرِّرَتْ لَدَيْهِم اختِيَارَاتُهُ.
وبِهَذَا تَظْهَرُ حَقِيْقَةُ اخْتِيَارَاتِ ابنِ عَبْدِ الهَادِي، والبُرْهَانِ ابنِ القَيِّمِ، وابنِ اللَّحَامِ البَعْليِّ، وكَذَا ابنِ مُفْلِحٍ، وابنِ القَيِّمِ، وابنِ رَجَبٍ، وغَيْرِهِم مِمَّنِ اعْتَنَى باخْتِيَارَاتِ شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ.
وأمَّا الاخْتِيَارُ الخَاصُّ بالمَذَاهِبِ الأرْبَعَةِ.
فهُوَ أنْ يَخْتَارَ الإمَامُ قَوْلًا خَارِجًا عَنِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، أو عَنْ أكْثَرِهِم، أو عَنْ مَشْهُورِهِم... فشَيءٌ مِنْ هَذَا؛ يُعْتَبَرُ القَوْلُ فِيْهِ: اخْتِيَارًا لِذَلكَ الإمَامِ!
وبِهَذَا أيْضًا؛ تَظْهَرُ لَنَا حَقِيْقَةُ الاخْتِيَارَاتِ عِنْدَ كَثِيْرٍ مِنَ المُعَاصِرِيِنْ، مِمَّنْ صَنَّفَ في «
اخْتِيَارَاتِ ابنِ تَيْمِيَّةَ الفِقْهِيَّةِ»؛ حَيْثُ تَوَسَّعُوا في ضَابِطِ الاخْتِيَارَاتِ مَا أخْرَجَهُم عَنْ تَحْقِيْقِ مَا عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُوْنَ في تَحْرِيْرِ اخْتِيَارَاتِهِم، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لَدَى أصْحَابِ «اخْتِيَارَاتِ شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ الفِقْهِيَّةَ»، وغَيْرِهِم مِنْ أهْلِ عَصْرِنَا مِمَّنْ صَنَّفَ في الاخْتِيَارَاتِ الفِقْهِيَّةِ لبَعْضِ أهْلِ العِلْمِ.
* * *
الثَّاني: الاخْتِيَارُ العَامُّ، وهُوَ مَذْهَبٌ اصْطِلاحِي مُتَأخِّرٌ، مَقْصُودُهُ: ذِكْرُ قَوْلِ ابنِ تَيْمِيَّةَ في المَسْألَةِ دُوْنَ اعْتِبَارٍ لشَيءٍ مِنَ الشُّروطِ السَّابِقَةِ.
وهَذَا الاخْتِيَارُ؛ يَذْكُرُهُ بَعْضُهُم بقَصْدِ مَعْرِفَةِ قَوْلِ ابنِ تَيْمِيَّةَ في المَسْألَةِ فَقَطُ، سَوَاءٌ وافَقَ قَوْلُهُ الجُمْهُوْرَ أو خَالَفَهُم.
كَقَوْلِهِم: الخَمْرُ نَجِسَةٌ اتِّفَاقًا، وهُوَ أخْتِيَارُ جُمْهُورِ الفُقَهَاءِ: كالأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ جَرِيْرٍ، وابنِ عَبْدِ البَرِّ، وابنِ تَيْمِيَّةَ... وهَكَذَا في غَيْرِهَا مِنَ المَسَائِلِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيْهَا اخِتْيَارُ ابنِ تَيْمِيَّةَ مُوَافَقَةً أو مُخَالَفَةً لَيْسَ إلَّا!
وهَذَا الاخْتِيَارُ العَامُّ، مِمَّا يُتَسَامَحُ فِيْهِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّهُ في حَقِيْقَةِ الأمْرِ: عَرْضٌ لرَأيِ ابنِ تَيْمِيَّةَ فَقَطُ مِمَّا تَدُلُّ عَلَيْهِ القَرِيْنَةُ الحَالِيَّةُ، والسِّيَاقُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وإطْلاقُ مِثْلِ هَذَا «
الاخْتِيَارِ» دُوْنَ اعْتِبَارٍ للقَرَائِنِ الدِّلالِيَّةِ: يُعْتَبَرُ مُخَالِفًا للاخْتِيَارِ العِلمِيِّ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ غَالِبُ المُتَقَدِّمِيْنَ والمُتَأخِّرِيْنِ في مُصَنَّفَاتِهم، واللهُ تَعَالى أعْلَمُ.
* * *
ومِنْ خِلالِ مَا جَاءَ ذِكْرُهُ هُنَا؛ فَإنَّنِي قَدِ اخْتَرْتُ في كِتَابي «الشَّذَرَاتُ الفِقْهِيَّةُ»: القِسْمَ الثَّاني مِنَ الاخْتِيَارِ الخَاصِّ بالمَذَاهِبِ الأرْبَعَةِ: وهُوَ مَا اخْتَارَهُ ابنُ تَيْمِيَّةَ قَوْلًا خَارِجًا عَنِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، أو عَنْ أكْثَرِهِم، أو عَنْ مَشْهُورِهِم.
وكَانَ سَبِيْلُ هَذَا الاخْتِيَارِ: أنَّهُ الاخْتِيَارُ الَّذِي اشْتُهِرَ مُؤخَّرًا، ولكَوْنِهِ أيْضًا مَنْهَجًا مُعْتَبَرًا، كَمَا فِيْهِ تَسَامُحٌ وتَيْسِيْرٌ في نَظْمِ عُمُوْمِ المَسَائِلِ المُخْتَارَةِ، واللهُ تَعَالى أعْلَمُ.
* * *


فضيلة
الشيخ الدكتور
ذياب بن سعد الغامدي
الشذرات الفقهية في اختيارات
شيخ الإسلام ابن تيمية
ص 83