مَسَالِكُ التَّرْجِيْحِ بَيْنَ أقْوَالِ شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ

لا شَكَّ أنَّ التَّرْجِيْحَ بَيْنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، أو الأقْوَالِ الفِقْهِيَّةِ: يُعْتَبَرُ مِنْ مَسَالِكِ أهْلِ الاجْتِهَادِ والنَّظَرِ، مِمَّا يَضِيْقُ فَهْمُهُ إلَّا على خَاصَّةِ أهْلِ العِلْمِ الكِبَارِ.
هَذَا إذَا عَلِمْنَا جَمِيْعًا: أنَّ طُرُقَ التَّرْجِيْحِ لا تَقْتَصِرُ على مَا ذَكَرَهُ الأُصُولِيُّونَ في كُتُبِهِم، بَلْ كَثِيْرٌ مِنْهَا مَسْلَكُهُ القَرَائِنُ والاسْتِقْرَاءُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لا يَقِفُ على حَدٍّ ولا ضَابِطٍ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ الاطِّلاعِ والنَّظَرِ في الدِّلالاتِ والإشَارَاتِ والإيْمَاءَاتِ وغَيْرِهَا مِمَّا يَعْرِفُهُ أهْلُ الاخْتِصَاصِ، لاسِيَّما الأُصُولِيِّيْنَ مِنْ أهْلِ الفِقْهِ وغَيْرِهِم!
وأيْضًا فَإنَّ طُرُقَ التَّرْجِيْحِ تَتَّسِعُ مَسْلَكًا فِيْمَا إذَا كَانَتْ تَدُوْرُ حَوْلَ تَرْجِيْحِ الأقْوَالِ المُتَعَارِضَةِ لَدَى أحَدِ العُلَمَاءِ المُعْتَبَرِيْنَ، ومَعَ هَذَا الاتِّسَاعِ المَسْلَكِي إلَّا إنَّهُ يَتَوَقَّفُ ـ في جُمْلَتِهِ ـ على مَسْلَكَيْنِ لا يَنْفَكُّ أحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ:
المَسْلَكُ الأوَّلُ: طُرُقُ التَّرْجِيْحِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ وغَيْرِهِم: كتَقْديْمِ المَنْطُوقِ على المَفْهُومِ، والخَاصِّ على العَامِّ، والمُقَيَّد على المُطْلَقِ، والمُثْبِتِ على النَّافي، والنَّصِّ على الظَّاهِرِ، والتَّأسِيْسِ على التَّأكِيْدِ، وكَذَا التَّرْجِيْحِ باعْتِبَارِ حَالِ الرُّوَاةِ، وصِيْغَةِ الرِّوَايَةِ، وغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ.
المَسْلَكُ الثَّاني: مَسْلَكُ القَرَائِنِ والاعْتِبَارَاتِ الَّتِي تَخُصُّ مُخْتَارَاتِ هَذَا الإمَامِ، سَوَاءً عَنْ طَرِيْقِ مَعْرِفَةِ أُصُولِهِ الفِقْهِيَّةِ، أو مَنْطُوقَاتِهِ، أو إيْمَاءَاتِهِ، ولكُلٍّ مِنْهَا طَرِيْقُهُ الاعْتِبَاريُّ.
أو عَنْ طُرُقِ نُصُوصِهِ واخْتِيَارَاتِهِ، باعْتِبَارِ مَعْرِفَةِ آخِرِ كُتُبِهِ، أو تَنْصِيْصِ طُلَّابِهِ، أو غَيْرِهِم مِنْ أهْلِ العِلْمِ المُعْتَبَرِيْنَ، وهَكَذَا في غَيْرِهَا مِنْ طُرُقِ التَّرْجِيْحِ المُعْتَبَرَةِ.
* * *
وعَلَيْهِ؛ فمَنْ أرَادَ مَعْرِفَةَ مَسَالِكِ التَّرْجِيْحِ بَيْنَ أقْوَالِ واخْتِيَارَاتِ شَيْخِ الإسْلامِ بنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ: فَعَلَيْهِ ـ بَعْدَ الأخْذِ بطُرُقِ التَّرْجِيْحِ المَعْرُوفَةِ ـ اعْتِبَارُ مَا يَلي باخْتِصَارٍ:
تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ المُوَافِقَةِ لمُعْتَقَدِ «أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ» على الأقْوَالِ المُخَالَفَةِ، ولَوْ ظَاهِرًا.
تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ في كُتُبِ تَقْرِيْرَاتِهِ لمُعْتَقَدِ «أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ» على مَا في كُتُبِ الرَّدِّ والمُنَاظَرَةِ مَعَ أهْلِ الأهْوَاءِ والبِدَعِ؛ لأنَّهَا لا تَسْلَمُ غَالِبًا مِنَ التِزَامَاتٍ اصْطِلاحِيَّةٍ، وتَنَازُلاتٍ جَدَلِيَّةٍ مِنْ شَأنِهَا النُّزُولُ مَعَ الخَصْمِ لدَحْضِ حُجَّتِهِ، أو دَفْعِ شُبْهَتِهِ، أو غَيْرِهِ مِنْ مَسَالِكَ عِلْمِ المُنَاظَرَةِ والجَدَلِ، مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ لَدَى خَاصَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
تَقْدِيْمُ مُحَكَمَاتِ أقْوَالِهِ على المُتَشَابِهِ مِنْ كَلامِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ أُصُولِيَّةً أو فِقْهِيَّةً.
تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ المُقَرِّرَةِ لقَاعِدَةِ: «سَدِّ الذَّرَائِعِ» على مَا سِوَاهَا، ولَهُ في هَذَا كِتَابُ كَبِيْرٌ بعِنْوَانِ: «بَيَانُ الدَّلِيْلِ على بُطْلانِ التَّحْلِيْلِ».
تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ المُنَاطَةِ بالتَّيْسِيْرِ على مَا سِوَاهَا؛ لأنَّ مَسْلَكَهُ الفِقْهِيَّ قَائِمٌ على التَّيْسِيْرِ ورَفْعِ الحَرَجِ، وهَذَا مِمَّا يَجْهَلُهُ بَعْضُ المُنْتَسِبِيْنَ إلى العِلْمِ.
تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ الَّتَي تَتَوَافَقَ مَعَ الإجْمَاعِ العَمَلِي (الإجْمَاعِ السُّكُوتِي) على مَا خَالَفَهَا؛ لأنَّهُ مِنْ مَسَالِكِ اسْتِدْلالاتِهِ وأُصُولِهِ عِنْدَ مَنَازَعَتِهِ للخِلافَاتِ الفِقْهِيَّةِ.
تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ المُقَرِّرَةِ لأحَدِ المَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، والقَوَاعِدِ الفِقْهِيَّةِ المُعْتَبَرَةِ على مَا خَالَفَهَا؛ لأنَّهُ مِنْ مَسَالِكِ تَقْرِيْرَاتِ أُصُولِ مَنْهَجِهِ العِلمِيِّ.
تَقْدِيْمُ مَا اتَّفَقَتْ فِيْهِ أُصُولُ «المَذْهَبِ الحَنْبليِّ» مَعَ أُصُولِهِ المُخْتَارَةِ في غَالِبِ المَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ.
تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ الَّتِي وَافَقَتْ أُصُولَهُ وقَوَاعِدَهُ على مَا خَالَفَهَا: كتَقْدِيْمِ قَوْلِ الصَّحَابيِّ على القِيَاسِ، وهَكَذَا مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ أُصُولِ ابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى مِمَّا مَرَّ بَعْضُهُ آنِفًا.
10ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ المُخَالِفَةِ لـ«المَذْهَبِ الحَنْبليِّ» على الأقْوَالِ المُوَافِقَةِ للمَذْهَبِ، وهَذِهِ مِنَ القَرَائِنِ الخَفِيَّةِ؛ لكَوْنِهَا دَلِيْلًا على بُلُوغِهِ مَرْتَبَةَ الاجْتِهَادِ الَّتِي مِنْ شَأنِهَا غَالِبًا مُخَالَفَةُ تَقْلِيْدِ المَذْهَبِ فِيْمَا لا دَلِيْلَ عَلَيْهِ.
11ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ الَّتِي وَافَقَتْ أحَدَ المَذَاهِبِ الثَّلاثَةِ على مَا وافَقَ «المَذْهَبَ الحَنْبليَّ»، وهَذِهِ أيْضًا مِنَ القَرَائِنِ الخَفِيَّةِ؛ لأنَّ الخُرُوجَ عَنْ مَذْهَبِهِ الفِقْهِيِّ لهو دَلِيْلٌ على اتِّسَاعِ مَدْرَكِهِ الفِقْهِي، ومَجَانَبَةِ التَّقْلِيْدِ المَذْهَبِيِّ، وهُوَ كَذَلِكَ.
12ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ المُوافِقَةِ لأحَدِ المَذَاهِبِ الأرْبَعَةِ ولَوْ بوَجْهٍ على القَوْلِ الخَارِجِ عَنْهَا، وهَذَا مَنْزَعٌ خَفِيٌّ!
13ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ الفِقْهِيَّةِ الَّتِي تَتَّسِمُ بالجَمْعِ بَيْنَ الأقْوَالِ الخِلافِيَّةِ على أحَدِ الأقْوَالِ الفِقْهِيَّةِ.
14ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ المُوافِقَةِ لظَاهِرِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ على مَا سِوَاهَا؛ لأنَّهُ مِنْ أُصولِ مَنْهَجِهِ في مُنَازَعَةِ الأقْوَالِ الخِلافِيَّةِ.
15ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ المُوافِقَةِ للظَّاهِرِيَّةِ على مَا سِوَاهَا مِنَ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ؛ لأنَّ أُصُولَهُ الفِقْهِيَّةَ تَتَمَاشَى مَعَ الأخْذِ بظَاهِرِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، لا مَعَ الظَّاهِرِيَّةِ المَذْهَبِيَّةِ.
16ـ تَقْدِيْمُ مَنْصُوصَاتِهِ على الأقْوَالِ المَنْسُوبَةِ إلَيْهِ، أو المُخَرَّجَةِ عَلَيْهَا.
17ـ تَقْدِيْمُ مَكْتُوبَاتهِ ـ سَواءٌ كَانَتْ كُتُبًا أو رَسَائِلَ أو فَتَاوَى ـ: على الأقْوَالِ المَسْمُوعَةِ مِنْهُ، أو المَنْقُولَةِ عَنْهُ؛ لأنَّ طُرُقَ السَّمَاعِ لا تَخْلُو مِنْ بَعْضِ القَوَادِحِ الَّتِي يَرْجِعُ أكْثَرُهَا إلى النَّاقِلِ لا إلى القَائِلِ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ الرِّوَايَةِ.
18ـ تَقْدِيْمُ مَا في كُتُبِهِ الأخِيْرَةِ على مَا في كُتُبِهِ المُتَقَدِّمَةِ؛ تَارِيْخًا وتَألِيْفًا.
19ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ المَوْجُودَةِ في أكْثَرِ مِنْ كِتَابٍ لَهُ على مَا في الكِتَابِ الوَاحِدِ؛ لأنَّ وهْمَ الكِتَابَيْنِ أبْعَدُ مِنْهُ عَنْ الكِتَابِ الوَاحِدِ، هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ ابنَ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ مِنَ المُكْثِرِيْنَ في التَّألِيْفِ والتَّصْنِيْفِ، الشَّيءُ الَّذِي قَدْ يَتْرُكُ شَيْئًا مِنَ الأوْهَامِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارَضُ، ولوِ احْتِمَالًا.
20ـ تَقْدِيْمُ مَا في كُتُبِهِ على مَا في رَسَائِلِهِ وفَتَاوَاهُ؛ لأنَّ ابنَ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ كَانَ مُكْثِرًا مِنْ كِتَابَةِ الرَّسَائِلِ والفَتَاوِي في الحِلِّ والتِّرْحَالِ؛ الشَّيءُ الَّذِي لا يُعْرَفُ فِيْهِ غَالِبًا: وقْتُ كِتَابَتِهَا أو تَحْرِيْرِهَا، مِمَّا يَجْعَلُهَا عِنْدَ التَّعَارُضِ مَحَلًّا للنَّظَرِ.
21ـ تَقْدِيْمُ مَا في كُتُبِ «الاخْتِيَارَاتِ» الَّتِي صَنَّفَهَا تَلامِيْذُهُ أو غَيْرُهُم على مَنْ سِوَاهَا، باعْتِبَارِهَا كُتُبًا أُلِّفَتْ لغَرَضِ الاخْتِيَارِ، لا للاسْتِكْثَارِ الفِقْهِيِّ.
وهَذَا اللَّوْنُ مِنَ التَّألِيْفِ؛ مِمَّا يَدُلُّ على أنَّهُم قَدْ أخَذُوا بعَيْنِ الاعْتِبَارِ: طُرُقَ التَّرْجِيْحَاتِ بَيْنَ أقْوَالِ ابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى، وهُوَ كَذَلِكَ، ولاسِيَّما عِنْدَ تَلامِيْذِهِ الكِبَارِ: كابنِ القَيِّمِ، وابنِ مُفْلِحٍ، وابنِ عَبْدِ الهَادِي، ومَنْ جَاءَ بَعْدَهُم: كالبُرْهَانِ ابنِ القَيَّمِ، وابنِ اللَّحَّامِ البَعْليِّ، وغَيْرِهِم.
22ـ تَقْدِيْمُ مَا في كُتُبِ «الاخْتِيَارَاتِ» الَّتِي صَنَّفَهَا تَلامِيْذُهُ على كُتُبِ «الاخْتِيَارَاتِ» الَّتِي صَنَّفَهَا مَنْ سِوَاهُم: كتَقْدِيْمِ كُتُبِ «اخْتِيَارَاتِ» ابنِ عَبْدِ الهَادِي، وابنِ القَيِّمِ، على كُتُبِ «اخْتِيَارَاتِ» البُرْهَانِ ابنِ القَيَّمِ، وابنِ اللَّحَّامِ البَعْليِّ، ومَنْ جَاءَ بَعْدَهُم.
23ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ الَّتِي نَقَلَهَا تَلامِيْذُهُ الخَوَاصُّ المُلازِمُونَ لَهُ على مَنْ سِوَاهُم مِمَّنْ هُمْ دُوْنَهُم في المُلازَمَةِ، والرُّتْبَةِ.
24ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ الَّتِي نَقَلَهَا تَلامِيْذُهُ الأكْثَرُ عَدَدًا على أقْوَالِ مَنْ سِوَاهُم قِلَّةً.
25ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ الَّتِي نَقَلَهَا تَلامِيْذُهُ على مَنْ سِوَاهُم مِمَّنْ هُمْ دُوْنَهُم في الطَّبَقَةِ والرُّتْبَةِ.
26ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِ أهْلِ العِلْمِ المُعْتَبَرِيْنَ عَنْهُ على أقْوَالِ المُنَاوِئِيْنَ لَهُ.
27ـ تَقْدِيْمُ «اخْتِيَارَاتِهِ الفِقْهِيَّةِ» الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا ابنُ مُفْلِحٍ على مَنْ سِوَاهُ؛ لكَوْنِهِ أعْلَمَ النَّاسِ فِقْهًا باخْتِيَارَاتِ شَيْخِهِ ابنِ تَيْمِيَّةَ، ثُمَّ تُقَدَّمُ مُخْتَارَاتُ ابنِ القَيِّمِ على ابنِ عَبْدِ الهَادِي، ومُخْتَارَاتُ ابنِ عَبْدِ الهَادِي على مَنْ سِوَاهُ، وهَكَذَا عِنْدَ التَّعَارُضِ.
28ـ تَقْدِيْمُ «اخْتِيَارَاتِهِ العَقَدِيَّةِ» الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا ابنُ القَيِّمِ على مَنْ سِوَاهُ؛ لكَوْنِهِ أعْلَمَ النَّاسِ تَأصِيْلًا باخْتِيَارَاتِ شَيْخِهِ ابنِ تَيْمِيَّةَ، ثُمَّ تُقَدَّمُ مُخْتَارَاتُ ابنِ عَبْدِ الهَادِي على مَنْ سِوَاهُ.
29ـ تَقْدِيْمُ «اخْتِيَارَاتِهِ التَّفْسِيْرِيَّةِ» الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا ابنُ القَيِّمِ على مَنْ سِوَاهُ؛ لكَوْنِهِ أعْلَمَ النَّاسِ تَفْسِيْرًا باخْتِيَارَاتِ شَيْخِهِ ابنِ تَيْمِيَّةَ، ثُمَّ تُقَدَّمُ مُخْتَارَاتُ ابنِ كَثِيْرٍ على مَنْ سِوَاهُ.
30ـ تَقْدِيْمُ «اخْتِيَارَاتِهِ الحَدِيْثِيَّةِ»» الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا ابنُ القَيِّمِ على مَنْ سِوَاهُ؛ لكَوْنِهِ أعْلَمَ النَّاسِ حَدِيْثًا باخْتِيَارَاتِ شَيْخِهِ ابنِ تَيْمِيَّةَ، ثُمَّ تُقَدَّمُ مُخْتَارَاتُ الحَافِظِ ابنِ عَبْدِ الهَادِي، ثُمَّ مُخْتَارَاتُ الحَافِظِ ابنِ كَثِيْرٍ، وهَكَذَا عِنْدَ التَّعَارُضِ، علما أنَّ الحَافِظَ المِزِّيَّ أحْفَظُهُم للحَدِيْثِ!
31ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ الَّتَي تَتَوَافَقُ مَعَ أقْوَالِ ابنِ القَيِّمِ على ما خَالَفَهَا مِنْ أقْوَالِ تَلامِيْذِهِ؛ لأنَّ ابنَ القَيِّمِ مِنْ أكْثَرِ النَّاسِ مُوَافَقَةً لشَيْخِهِ في غَالِبِ الاخْتِيَارَاتِ الفِقْهِيَّةِ، والتَّقْرِيْرَاتِ العِلْمِيَّةِ التَّأصِيْلِيَّةِ.
32ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ الَّتَي تَتَوَافَقُ مَعَ أقْوَالِ أحَدِ تَلامِيْذِهِ على مَنْ سِوَاهُم مِمَّنْ هُمْ دُوْنَهُم في الطَّبَقَةِ والرُّتْبَةِ؛ لأنَّ تَلامِيْذَهَ هُمْ أكْثَرُ النَّاسِ مُوَافَقَةً لشَيْخِهِم دَلِيْلًا وتَعْلِيْلًا، تَحْرِيْرًا وتَقْرِيْرًا.
33ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ الَّتَي تَتَوَافَقُ مَعَ أقْوَالِ أهْلِ العِلْمِ الَّذِيْنَ جَاؤوا بَعْد طَبَقَةِ تَلامِيْذِهِ مِمَّنْ لَهُمُ اهْتِمَامٌ واعْتِنَاءٌ بعُلُومِ وكُتُبِ شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ على مَنْ سِوَاهُم مِمَّنْ لَيْسَ لَهُمُ اهْتِمَامٌ بعُلُومِهِ وكُتُبِهِ ـ أو مِمَّنْ يَنْقُلُ عَنْهُ بوَاسِطَةٍ ـ؛ لأنَّ المُشْتَغِلِيْنَ بعُلُومِهِ وكُتُبِهِ هُمْ أكْثَرُ النَّاسِ تَأثُّرًا ومُوَافَقَةً لابنِ تَيْمِيَّةِ في المَأْخَذِ العَقَدِيِّ، والمَنْزَعِ الفِقْهِيِّ، كَمَا جَرَتْ بِهِ العَادَةُ.
وأقْصِدُ بالعُلَمَاءِ المُهْتَمِّيْنَ بعُلُومِ ابنِ تَيْمِيَّةَ أُولِئَكَ الَّذِيْنَ لَهُم مُصَنَّفَاتٌ وتَآلِيْفُ ومُنَاظَرَاتٌ ومُرَاسَلاتٌ عِلْمِيَّةٌ، أمَّا العُلَمَاءُ الَّذِيْنَ قَدْ تَأثَّرُوا بفِكْرِ ومَنْهَجِ وعِلْمِ شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّة؛ فَلا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً
!
34ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ الأكْثَرِ ذِكْرًا واشْتِهَارًا وتَدَاوُلًا بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ على مَا سِوَاهَا مِنَ الأقْوَالِ الخَامِلَةِ؛ لأنَّهَا مَظِنَّةُ الرَّدِّ، كالنَّسْخِ أو التَّقْلِيْدِ ونَحْوِهِمَا.
35ـ تَقْدِيْمُ مَا في كُتُبِهِ على مَا في كِتَابِهِ: «مَنْسَكُ الحَجِّ»؛ لكَوْنِهِ شَرَحًا في أوَّلِ حَيَاتِهِ العِلْمِيَّةِ؛ حَيْثُ بَنَاهُ غَالِبًا على «المَذْهَبِ الحَنْبَليِّ» تَقْلِيْدًا.
36ـ تَقْدِيْمُ مَا في كُتُبِهِ على مَا في كِتَابِهِ: «شَرْحُ عُمْدَةِ الفِقْهِ»؛ لكَوْنِهِ شَرَحًا في أوَّلِ حَيَاتِهِ العِلْمِيَّةِ، وغَالِبُهُ جَرَى على «أُصُولِ المَذْهَبِ الحَنْبليِّ».
37ـ تَقْدِيْمُ مَا في كُتُبِهِ المَقْطُوعِ بنِسْبَتِهَا إلَيْهِ: على كُتُبِهِ ورَسَائِلِهِ وفَتَاوِيْهِ المَنْسُوبَةِ إلَيْهِ، مِثْلُ: «رِسَالَةُ المُفَاضَلَةِ بَيْنَ المَلائِكَةِ وصَالِحي البَشَرِ»، و«قِتَالُ الكُفَّارِ لأجْلِ الدَّفْعِ»، و«القَصِيْدَةُ اللَّامِيَّةُ»، و«دَعْوَى أنَّ الخَضِرَ حَيٌّ»، و«رِسَالَةٌ في العِشْقِ»، وغَيْرُهَا مِنَ الكُتُبِ المَنْسُوبَةِ إلَيْهِ.
38ـ تَقْدِيْمُ مَا في كُتُبِهِ المَقْطُوعِ بنِسْبَتِهَا إلَيْهِ: على كُتُبِهِ ورَسَائِلِهِ وفَتَاوِيْهِ الَّتِي جَرَى في نِسْبَتِهَا إلَيْهِ خِلافٌ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ المُحَقِّقِيْنَ، ولاسِيَّما بَيْنَ أتْبَاعِهِ والمُنَاصِرِيْنَ لَهُ: كتَقْدِيْمِ مَا في كُتُبِهِ المَقْطُوعَةِ على كِتَابِ: «تَنْبِيْهُ الرَّجُلِ العَاقِلِ»!
وفي تَحْرِيْرِ هَذَا الكِتَابِ إلى شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ كَلامٌ طَوِيْلٌ، يَدُورُ مَا بَيْنَ جَازِمٍ بِهِ، ومُشَكِّكٍ فِيْهِ، ومَنْ وقَفَ عَلَيْهِ بعَيْنِ النَّقْدِ والتَّدَبُّرِ: عَلِمَ أنَّهُ إلى الشَّكِّ أقْرَبُ مِنْهُ إلى الجَزْمِ، ولَوْ لا ذِكْرُهُ عِنْدَ الحَافِظِ ابنِ عَبْدِ الهَادِي في كِتَابِهِ «العُقُودِ الدُّرِّيَّةِ»، وذِكْرُهُ أيْضًا لنَصِّ خُطْبَةِ الكِتَابِ؛ لقَطَعْنَا بَعَدَمِ نِسْبَتِهِ إلى ابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ قَوْلًا واحِدًا.
قُلْتُ: وجَمْعًا بَيْنَ القَوْلَيْنِ؛ فَإنِّي أرَى أنَّهُ أحَدُ كُتُبِ ابنِ تَيْمِيَّةَ الَّتِي ألَّفَهَا في أوَّلِ عُمُرِهِ، مَثَلُهُ مَثَلُ غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي ألَّفَهَا أوَّلَ حَيَاتِهِ العِلْمِيَّةِ، واللهُ تَعَالى أعْلَمُ بالصَّوَابِ.
39ـ تَقْدِيْمُ أقْوَالِهِ الَّتِي في كُتُبِهِ المُحَقَّقَةِ تَحْقِيْقًا عِلْمِيًّا على مَا في كُتُبِهِ المَطْبُوعَةِ قَدِيْمًا؛ لأنَّ كَثِيْرًا مِنْهَا لم يَأخُذْ حَقَّهُ مِنْ مَنْهَجِ التَّحْقِيْقِ العِلْمِي، كَمَا هُوَ جَارٍ اليَوْمَ بَيْنَ أهْلِ التَّحْقِيْقِ؛ ولاسِيَّمَا في الرَّسَائِلِ الجَامِعِيَّةِ.
40ـ تَقْدِيْمُ ما في كُتُبِهِ المُحَقَّقَةِ على مَنْهَجِ التَّحْقِيْقِ العِلْمِيِّ على الكُتُبِ المُحَقَّقَةِ على مَنْهَجِ التَّلْفِيْقِ؛ لأنَّ كَثِيْرًا مِنَ المُحَقِّقِيْنَ الَّذِيْنَ تَكَلَّفُوا مَنْهَجَ التَّلْفِيْقِ: قَدِ اخْتَلَطَ عَلَيْهِم كَثِيْرٌ مِنْ عِبَارَاتِ ابنِ تَيْمِيَّةَ؛ حَيْثُ قَدَّمُوا مَا ظَنَّوْهُ مُسْتَقِيْمَ العِبَارَةِ، وظَاهِرَ الإشَارَةِ، في حِيْنَ أنَّ غَيْرَهُ هُوَ المُقَدَّمُ لَفْظًا ومَعْنًى، واللهُ تَعَالى أعْلَمُ.
فَهَذِهِ أرْبَعُوْنَ طَرِيْقًا لمَعْرِفَةِ مَسَالِكِ التَّرْجِيْحِ بَيْنَ الأقْوَالِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ عِنْدَ شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى ـ خِلافًا للطُّرُقِ المُشْتَهَرَةِ عِنْدَ الأُصُولِيِّيْنَ في كُتُبِهِم ـ، ولَوْلَا خَشْيَةُ الإطَالَةِ لذَكَرْتُ كَثِيْرًا مِنَ الأدِلَّةِ والأمْثِلَةِ والشَّوَاهِدِ الَّتِي تُعَزِّزُ طُرُقَ التَّرْجِيْحِ المذْكُورَةِ آنِفًا، والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ.

فضيلة
الشيخ الدكتور
ذياب بن سعد الغامدي
الشذرات الفقهية في اختيارات
شيخ الإسلام ابن تيمية
ص 91