الأُصُولُ الحَدِيْثِيَّةُ في التَّعَامُلِ مَعَ كُتُبِ السُّنَّةِ

مِنْ خِلالِ مَا تَقَرَّرَ ذِكْرُهُ في الفَصْلِ الأوَّلِ، فَلَنَا أنْ نَقِفَ بأنْفُسِنَا وإخْوَانِنَا طُلَّابِ العِلْمِ على شَيءٍ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الخَاطِرُ، وجَرَى ذِكْرُهُ بَيْنَ أهْلِ الدَّفَاتِرِ، مِمَّا يَصْلُحُ أنْ يَكُوْنَ أُصُولًا حَدِيْثِيَّةً يَسْتَنِيْرُ بِهَا طُلَّابُ العِلْمِ عِنْدَ تَعَامُلِهِم مَعَ كُتُبِ السُّنَّةِ، ولاسِيَّما «الكُتُبِ السِّتَّةِ»، واللهُ المُوفِّقُ.
قُلْتُ: إنَّ النَّاظِرَ في «كُتُبِ السُّنَّةِ» وشُرُوحِهَا، والدَّارِسَ لكُتُبِ «مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ» وتَحْرِيْرَاتِهَا؛ لا يَشُكُّ أنَّ ثَمَّتَ أُصُولًا وقَوَاعِدَ لهِيَ مِنَ الأهَمِّيَّةِ بمَكَانٍ، مِمَّا لا يَجُوْزُ الجَهْلُ بِهَا عِنْدَ شُدَاةِ العِلْمِ؛ فَضْلًا عِنْدَ طُلَّابِ الحَدِيْثِ، فَكَانَ مِنْهَا:
أوَّلًا: أنَّ الاسْتِقْلالَ بتَصْحِيْحِ الأحَادِيْثِ وتَضْعِيْفِهَا؛ قَدِ انْطَوَى بِسَاطُهُ عِنْدَ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ المُتَقَدِّمِيْنَ، ولاسِيَّما بَعْدَ أنْ دُوِّنَتِ السُّنَّةُ، وصُنِّفَتْ كُتُبُ الرِّجَالِ!
فعِنْدَ ذَلِكَ، لا يَنْبَغِي لعَاقِلٍ أنْ يَدَّعِي الاسْتِقْلالِيَّةَ في مُحَاكَمَةِ الأحَادِيْثِ؛ لأنَّ بَابَهُ قَدْ أُوْصِدَ بأحْكَامٍ، وأحْكَامُهُ قَدْ دُوِّنَتْ على التَّمامِ، ومَا نَحْنُ وهَؤلاءِ إلَّا كَمَا قَالَ تَعَالى: «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ ولَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ولَا تُسْألُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (البقرة: 134).
أمَّا دَعْوَى فَتْحِ الاجْتِهَادِ ـ بَعْدَ عَصْرِ الاسْتِقْلالِ ـ: فحَقِيْقَتُهَا اجْتِهَادَاتٌ مِنْ أهْلِ الاخْتِصَاصِ الدَّائِرَةِ في فَلَكِ أحْكَامِ مَنْ سَبَقَهُم، لا أنَّهَا اجْتِهَادَاتٌ مُسْتَقِلَّةٌ، يُوَضِّحُهُ، الآتي.
* * *
ثَانِيًا: أنَّ كُلَّ مَنْ جَاءَ بَعْدَ أئِمَّةِ السَّلَفِ: فَهُم مُقَلِّدُونَ لَهُم في مُحَاكَمَةِ الأحَادِيْثِ: تَصْحِيْحًا وتَضْعِيْفًا، جَرْحًا وتَعْدِيْلًا، بَلْ لَيْسَ لهُم ورَاءَ ذَلِكَ إلَّا تَرْجِيْحُ قَوْلٍ على قَوْلٍ، سَوَاءٌ فِيْمَا يَتَعَلَّقُ بمَتْنِ الحَدِيْثِ أو بسَنَدِهِ.
وهَذَا لا يَعْنِي: قَفْلَ بَابِ اجْتِهَادِ التَّصْحِيْحِ والتَّضْعِيْفِ، بَلْ لم يَزَلْ بَابُهُ مُشْرَعًا لمَنْ أُوْتِيَ عِلْمًا تَامًّا يَشْفَعُ لَهُ أنْ يَخُوْضَ مِيْدَانَ مُحَاكَمَةِ الأحَادِيْثِ رَدًّا وقَبُولًا، جَرْحًا وتَعْدِيْلًا، مَعَ اعْتِبَارِ تَقَيُّيِدِهِ في دَائِرَةِ مَنْ سَبَقَهُ مِنْ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ المُتَقَدِّمِيْنَ فِيْمَا قَبِلُوهُ ورَدُّوهُ، وفِيْمَا عَدَّلُوهُ وجَرَّحُوهُ، وفِيْمَا اسْتَظْهَرُوهُ وعَلَّلُوهُ.
بمَعْنَى: أنَّهُ لا يَجُوْزُ لمَنْ بَعْدَهُم أنْ يَخْرُجَ عَنْ أحْكَامِ مَنْ سَبَقَهُ مِنْ أئِمَّةِ السَّلَفِ، ولا أنْ يَسْتَقِلَّ بحُكْمٍ لَيْسَ لَهُ فِيْهِ سَلَفٌ، ومَنْ أبَى خِلافَ ذَلِكَ، فَقَدْ نَادَى على نَفْسِهِ: بأنَّ أئِمَّةَ السَّلَفِ قَدْ ضَلُّوا سَبِيْلَ الحَقِّ، وأنَّهُ أدْرَكَ حَقًّا لم يُدْرِكُوْهُ، ولا قَائِلَ بِهِ إلَّا مِمَّنْ ظَهَرَتْ بِدْعَتُهُ، وانْكَشَفَ زَيْغُهُ!
ومِنْ خِلالِ مَا مَضَى تَحْرِيْرُهُ؛ يَتَخَرَّجُ لَنَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابنُ الصَّلاحِ رَحِمَهُ اللُه، والرَّدُّ على مَنْ ظَنَّ بِهِ: أنَّهُ جَنَحَ إلى قَفْلِ بَابِ التَّصْحِيْحِ، واللهُ تَعَالى أعْلَمُ.
لِذَا؛ فمَنْ خَرَجَ عَنْ جَادَّةِ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ المُتَقَدِّمِيْنَ فِيْمَا قَبِلُوهُ ورَدُّوهُ، أو عَدَّلُوهُ وجَرَّحُوهُ: فَقَدْ سَاءَ سَبِيْلًا، وضَلَّ دَلِيْلًا؛ مَا يَقْطَعُ بكَثْرَةِ زَلَـلِهِ وظُهُورِ خَلَلِهِ، ولَيْسَ عَنَّا ابنُ حزمٍ رَحِمَهُ اللُه، وغَيْرُهُ ببَعِيْدٍ!
ومَا عَلِمَ هَؤلاءِ النَّفَرُ: أنَّ غَالِبَ «الأحْكَامِ الحَدِيْثِيَّةِ» الَّتِي يُطْلِقُهَا أئِمَّةُ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ؛ لهِيَ مِنَ المَسَائِلِ الَّتِي يَسَعُهَا الاجْتِهَادُ؛ الأمْرُ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ على كَثِيْرٍ مِنَ المُشْتَغِلِيْنَ بالحَدِيْثِ ـ هَذِهِ الأيام ـ بأنْ يَقْتَصِرُوا على ذِكْرِ أحْكَامِ مَنْ قَلَّدُوْهُ، لا أنْ يَتَطَاولُوا على تَهْوِيْنِ أحْكَامِ غَيْرِهِم مِنَ الأئِمَّةِ المُتَقَدِّمِيْنَ؛ لأنَّهُم أئِمَّةٌ مَرْضِيُّونَ، ومَعَ هَذَا فَلَيْسَ أحَدُهُم حُجَّةً على مَنْ سِوَاهُ مِنْهُم.
كَمَا أنَّ خِلافَهُم على الأحَادِيْثِ لَيْسَ قَاصِرًا على الأحَادِيْثِ المُتَعَلِّقَةِ بأحَادِيْثِ الفَضَائِلِ والمَغَازِي والتَّفْسِيْرِ وغَيْرِهَا، بَلْ جَارٍ مِنْهُم أيْضًا فِيْمَا يَتَعَلَّقُ بأحَادِيْثِ الأحْكَامِ، سَوَاءٌ فِيْمَا يَتَعَلَّقُ بمَسَائِلِ العَقِيْدَةِ، أو الفِقْهِ على حَدٍّ سَوَاءٍ، وسَيَأتي لهَذَا شَيءٌ مِنَ البَيَانِ إنْ شَاءَ اللهُ.
قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في «سِيَرِ أعْلامِ النُّبَلاءِ» (11/82): «ونَحْنُ لا نَدَّعِي العِصْمَةَ في أئِمَّةِ الجَرحِ والتَّعدِيلِ؛ لَكِنْ هُم أكْثَرُ النَّاسِ صَوَابًا، وأنْدَرُهُم خَطَأً، وأشَدُّهُم إنصَافًا، وأبْعَدُهُم عَنِ التَّحَامُلِ.
وإذَا اتَّفَقُوا على تَعدِيلٍ أوْ جَرْحٍ، فَتَمَسَّكْ بِهِ، واعضُضْ عَلَيْهِ بِنَاجِذَيْكَ، ولا تَتَجَاوزْهُ، فَتَنْدَمَ، ومَنْ شَذَّ مِنْهُم، فَلا عِبْرَةَ بِهِ!
فَخَلِّ عَنْكَ العَنَاءَ، وأعطِ القَوسَ بَارِيَهَا، فَوَاللهِ لَوْلا الحُفَّاظُ الأكَابِرُ، لَخَطَبَتِ الزَّنَادِقَةُ على المَنَابِرِ، ولَئِنْ خَطَبَ خَاطِبٌ مِنْ أهْلِ البِدَعِ، فَإنَّمَا هُوَ بِسَيفِ الإسْلامِ، وبِلِسَانِ الشَّرِيعَةِ، وبِجَاهِ السُّنَّةِ، وبِإظهَارِ مُتَابَعَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُوْلُ ﷺ فَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الخِذْلانِ».
وقَالَ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ في «نُزْهَةِ النَّظَرِ» (192): «ولْيَحْذَرِ المتكلِّمُ في هَذَا الفنِّ مِن التَّساهُلِ في الجَرْحِ والتَّعديلِ، فإنَّهُ إنْ عدَّلَ أحدًا بِغَيْرِ تثبُّتٍ؛ كَانَ كالمُثْبِتِ حُكْمًا لَيْسَ بثَابِتٍ، فيُخْشَى عَلَيْهِ أنْ يدْخُلَ في زُمْرَةِ: «مَن رَوَى حَديثًا وهُو يَظُنُّ أنَّهُ كَذِبٌ»!
وإنْ جَرَّحَ بِغَيْرِ تَحرُّزٍ، فإنَّه أقْدَمَ على الطَّعْنِ في مُسْلِمٍ بَريءٍ مِنَ ذَلِكَ، ووَسَمَهُ بِميْسَمِ سُوْءٍ؛ يَبْقى عَلَيْهِ عَارُهُ أبَدًا.
والآفةُ تَدْخُلُ في هَذَا: تَارَةً مِنَ الهَوى والغَرَضِ الفَاسِدِ، وكَلامُ المُتَقَدِّمِيْنَ سَالِمٌ مِنْ هَذَا غَالِبًا، وتَارَةً مِنَ المُخالفةِ في العَقَائدِ، وهُوَ مَوْجُودٌ كَثِيْرًا؛ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا، ولا ينْبَغي إطْلاقُ الجَرْحِ بذَلِكَ» انْتَهَى.
قُلْتُ: وفي هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ وغَيْرِهِمَا: دَلالاتٌ عِلْمِيَّةٌ، ومَنَارَاتٌ مَنْهَجِيَّةٌ، لا يَنْبَغِي لطَالِبِ الحَدِيْثِ أنْ يَتَجَاوَزَهَا دُوْنَ تَدَبُّرٍ وتَأمُّلٍ، وإلَّا وَقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ!
* * *
ثَالِثًا: انْعِقَادُ الإجْمَاعِ على أنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ، وآثَارَ الصَّحَابَةِ: قَدْ دُوِّنَتْ، وحُفِظَتْ مِنْ قِبَلِ أهْلِ السُّنَّةِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ خِلالِ كُتُبِهِم ومُصَنَّفَاتِهِم، ولم يَنُدَّ عَنْهَا شَيءٌ في الجُمْلَةِ، وللهِ الحَمْدُ.
وهَذَا لا يَعْنِي: أنَّ الرَّجُلَ مِنْ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ قَدْ أحَاطَ حِفْظًا بجَمِيْعِ الأحَادِيْثِ والآثَارِ، بَلْ مَعْنَاهُ: أنَّهُ لم يَذْهَبْ شَيءٌ مِنْهَا على جَمِيْعِهِم، لا آحَادِهِم.
يَقُوْلُ الحَافِظُ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في «مَنَاقِبِ الشَّافِعِي» (2/321): «ولهَذَا المَعْنَى تَوَسَّعَ مَنْ تَوَسَّعَ في السَّمَاعِ عَنْ بَعْضِ مُحَدِّثِي زَمَانِنَا هَذَا، الَّذِيْنَ لا يَحْفَظُوْنَ حَدِيْثَهُم، ولا يُحْسِنُوْنَ قِرَاءَةَ كُتُبِهِم، ولا يَعْرِفُونَ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِم، بَعْدَ أنْ تَكُوْنَ القِرَاءَةُ عَلَيْهِم مِنْ أصْلِ سَمَاعِهِم، وهُوَ أنَّ الأحَادِيْثَ الَّتِي قَدْ صَحَّتْ أو وَقَعَتْ بَيْنَ الصِّحَّةِ والسَّقَمِ، قَدْ دُوِّنَتْ وكُتُبِتْ في «الجَوَامِعِ» الَّتِي جَمَعَهَا أئِمَّةُ أهْلِ العِلْمِ بالحَدِيْثِ، ولا يَجُوْزُ أنْ يَذْهَبَ شَيءٌ مِنْهَا على جَمِيْعِهِم، وإنْ جَازَ أنَّهُ تَذْهَبُ على بَعْضِهِم؛ لضَمَانِ صَاحِبِ الشَّرِيْعَةِ حِفْظَهَا، فمَنْ جَاءَ اليَوْمَ بحَدِيْثٍ لا يُوْجَدُ عِنْدَ جَمِيْعِهِم، لم يُقْبَلْ مِنْهُ، ومَنْ جَاءَ بحَدِيْثٍ هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُم، فالَّذِي يَرْوِيْهِ اليَوْمَ لم يَنْفَرِدْ برِوَايَتِهِ، والحُجَّةُ بحَدِيْثِهِ برِوَايَةِ غَيْرِهِ، والقَصْدُ مِنَ الرِّوَايَةِ والسَّمَاعِ مِنْهُ أنْ يَصِيْرَ الحَدِيْثُ مُسَلْسَلًا بحَدَّثَنَا، أو بأخْبَرَنَا.
وتَبْقَى هَذِهِ الكَرَامَةُ الَّتِي اخْتَصَّتْ بِهَا هَذِهِ الأُمَّةُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ شَرَفًا لنَبِيِّنَا المُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَثِيْرًا.
والَّذِي يَنْبَغي ذِكْرُهُ هَهُنَا: أنَّ الحَدِيْثَ في الابْتِدَاءِ كَانُوا يَأخُذُونَهُ مِنْ لَفْظِ المُحَدِّثِ حِفْظًا، ثُمَّ كَتَبَهُ بَعْضُهُم احْتِيَاطًا، ثُمَّ قَامَ بجَمْعِهِ، ومَعْرِفَةِ رُوَاتِهِ، والتَّمْيِيْزِ بَيْنَ صَحِيْحِهِ وسَقِيْمِه: جَمَاعَةٌ لم يَخْفَ عَلَيْهِم إتْقَانُ المُتْقِنِيْنَ مِنْ رُوَاتِه، ولا خَطَأ مَنْ أخْطَأ مِنْهُم في رِوَايَتِهِ.
حَتَّى لَو زِيْدَ في حَدِيْثٍ حَرْفٌ، أو نُقِصَ مِنْهُ شَيءٌ، أو غُيِّرَ مِنْهُ لَفْظٌ يُغَيِّرُ المَعْنَى: وَقَفُوا عَلَيْهِ وتَبَيَّنُوهُ، ودَوَّنُوهُ في تَوَارِيْخِهِم؛ حَتَّى تَرَكَ أوَائِلُ هَذِهِ الأُمَةِ أوَاخِرَهَا ـ بحَمْدِ اللهِ ـ على الوَاضِحَةِ، فمَنْ سَلَكَ في كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أنْوَاعِ العُلُومِ سَبِيْلَهُم، واقْتَدَى بِهم: صَارَ على بَيِّنَةٍ مِنْ دِيْنِهِ» انَتْهَى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللهُ.
وقَالَ ابنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللُه في «شَرْحِ العِلَلِ للتِّرْمِذيِّ» (1/346): «وكَذَا الكَلامُ في العِلَلِ والتَّوارِيْخِ قَدْ دَوَّنَهُ أئِمَّةُ الحُفَّاظِ، وقَدْ هُجِرَ في هَذَا الزَّمَانِ، ودُرِسَ حِفْظُهُ وفَهْمُهُ، فَلَوْلا التَّصَانِيْفُ المُتَقَدِّمَةُ فِيْهِ لمَا عُرِفَ هَذَا العِلْمُ اليَوْمَ بالكُلِّيَّةِ، ففِي التَّصْنِيْفِ فِيْهِ، ونَقْلِ كَلامِ الأئِمَّةِ المُتَقَدِّمِيْنَ مَصْلَحَةٌ عَظِيْمَةٌ جِدًّا.
وقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ ـ ومَعَ سِعَةِ حِفْظِهِم، وكَثْرَةِ الحِفْظِ في زَمَانِهِم ـ: يَأمُرُونَ بالكِتَابَةِ للحِفْظِ، فكَيْفَ بزَمَانِنَا هَذَا الَّذِي هُجِرَتْ فِيْهِ عُلُومُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِهَا، ولم يَبْقَ مِنْهَا إلَّا مَا كَانَ مُدَوَّنًا في الكُتُبِ؛ لتَشَاغُلِ أهْلِ هَذَا الزَّمَانِ بمُدَارَسَةِ الآرَاءِ وحِفْظِهَا».
ثُمَّ اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ: أنَّ السُّنَّةَ كُلُّهَا قَدْ دُوِّنَتْ على رَأسِ أرْبَعْمائةٍ، وهُوَ مَا قَرَّرَهُ الحَافِظُ أبو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بنُ أبي عَمْرٍو الغُرْنَاطِيُّ، الشَّهِيْرُ بابنِ المُرَابِطِ، المُتَوَفَّى سَنَةَ (752)؛ حَيْثُ قَالَ: «قَدْ دُوِّنَتِ الأخْبَارُ، ومَا بَقِيَ لِلتَّجْرِيحِ فَائِدَةٌ، بَلِ انْقَطَعَتْ مِنْ رَأْسِ الأرْبَعِمِائَةِ». انْظُرْ: «فَتْحَ المُغِيْثِ» للسَّخَاوِيِّ (4/358).
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ رَحِمَهُ اللُه في «مَعْرِفَةِ عُلُومِ الحَدِيْثِ» (241): «وَوَجْهُ ذلكَ: بأنَّ الأحَادِيْثَ الَّتِي قَدْ صَحَّتْ، أو وَقفَتْ بَيْنَ الصِّحَّةِ والسَقَمِ: قَدْ دُوِّنَتْ وكُتِبَتْ في «الجَوَامِعِ» الَّتِي جَمَعَهَا أئِمَّةُ الحَدِيْثِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَذْهَبَ شيءٌ مِنْهَا على جميْعِهِم، وإنْ جَازَ أنْ يَذْهَبَ على بَعْضِهِم؛ لضَمانِ صَاحِبِ الشَّرِيْعَةِ حِفْظَها» انَتْهَى.
قُلْتُ: إنَّ القَوْلَ بأنَّ السُّنَّةَ والآثَارَ قَدْ دُوِّنَتْ، هُوَ باعْتِبَارِ أصْلِ تَدْوِيْنِهَا عِنْدَ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ قَدِيْمًا، لا باعْتِبَارِ وُجُوْدِ مَخْطُوطَاتِها اليَوْمَ أو عَدَمِهَا، أو وُجُوْدِ نُسْخَةٍ أكْمَلَ مِنْ نُسْخَةٍ مِمَّا هُوَ ظَاهِرُ عَمَلِ كَثِيرٍ مِنْ مُحَقِّقِي كُتُبِ السُّنَّةِ مِنْ أهْلِ عَصْرِنَا، فَهَذَا وغَيْرُهُ لا يُخْرِجُنَا عَنْ أصْلِ التَّألِيْف عِنْدَ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ الَّذِيْنَ كَتَبُوا كُلَّ ما يَحْتَاجُهُ المُسْلِمُونَ في دِيْنِهِم مِنَ الأحَادِيْثِ والآثَارِ، مِمَّا لا يَجُوْزُ ذَهَابُ شَيءٍ مِنْهَا على جَمِيْعهِم، واللهُ خَيْرٌ حَافِظًا.
هَذَا إذَا عَلِمْنَا أيْضًا؛ أنَّ مَنْهَجَ نَقْدِ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ قَدْ دُوِّنَ وحُرِّرَ مُنْذُ القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولى؛ بحَيْثُ لم يَدَعْ أئِمَّةُ الحَدِيْثِ آنَذَاكَ شَارِدَةً ولا وَارِدَةً إلَّا وقَدْ نَصُّوا عَلَيْهَا: صِحَّةً وضَعْفًا، وللهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وبِهِ التَّوْفِيْقُ والعِصْمَةُ!
قَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ في «رَفْعِ المَلامِ» (22): «ولا يَقُولَنَّ قَائِلٌ: إنَّ الأحَادِيثَ قَدْ دُوِّنَتْ وجُمِعَتْ؛ فَخَفَاؤُهَا ـ والحَالُ هَذِهِ ـ بَعِيدٌ؛ لأنَّ هَذِهِ الدَّوَاوِينَ المَشْهُورَةَ في السُّنَنِ إنَّمَا جُمِعَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ الأئِمَّةِ المَتْبُوعِينَ, ومَعَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ أنْ يَدَّعِيَ انْحِصَارَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في دَوَاوِينَ مُعَيَّنَةٍ.
ثُمَّ لَوْ فُرِضَ انْحِصَارُ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيْهَا, فَلَيْسَ كُلُّ مَا في الكُتُبِ يَعْلَمُهُ العَالِمُ, ولا يَكَادُ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِأحَدٍ, بَلْ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ الدَّوَاوِينُ الكَثِيرَةُ، وهُوَ لا يُحِيطُ بِمَا فِيهَا.
بَلْ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ جَمْعِ هَذِهِ الدَّوَاوِينَ: كَانُوا أعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنَ المُتَأخِّرِينَ بِكَثِيرِ؛ لأنَّ كَثِيرًا مِمَّا بَلَغَهُم وصَحَّ عِنْدَهُم قَدْ لا يَبْلُغُنَا إلَّا عَنْ مَجْهُولٍ؛ أوْ بإسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ؛ أوْ لا يَبْلُغُنَا بالكُلِّيَّةِ, فَكَانَتْ دَوَاوِينُهُم صُدُوْرَهُم الَّتِي تَحْوِي أضْعَافَ مَا في الدَّوَاوِينَ, وهَذَا أمْرٌ لا يَشُكُّ فِيْهِ مَنْ عَلِمَ القَضِيَّةَ» انْتَهَى.
* * *
رَابِعًا: أنَّ عَامَّةَ كُتُبِ السُّنَّةِ لا تَخْلُ أحَادِيْثُهَا في الجُمْلَةِ مِنْ مَقَالٍ أو عِلَّةٍ قَدَّ نَصَّ عَلَيْهَا بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ؛ إلَّا أنَّها في حَقِيْقَةِ الأمْرِ لا تَخْلُو مِنْ كَوْنِ غَالِبِهَا: مَقَالاتٍ مَرْجُوْحَةً، أو عِللًا خَفِيَّةً غَيْرَ قَادِحَةٍ!
بمَعْنَى: أنَّ مَسْرَحَ الاجْتِهَادِ عِنْدَ الأئِمَّةِ في قَبُوْلِ الحَدِيْثِ أو رَدِّهِ، وفي تَعْدِيْلِ الرَّجُلِ أو جَرْحِهِ تَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا لا يُحْسِنُهُ إلَّا نَفَرٌ قَلِيْلٌ على مَرِّ العُصُوْرِ!
في حِيْنِ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ لكُلِّ عِلَّةٍ، ولَوْ كَانَتْ خَفِيَّةً بأنْ تَكُوْنَ سَبَبًا في رَدِّ الأحَادِيْثِ: لرُدَّتْ أحَادِيْثُ كَثِيْرَةٌ قَدْ تَفُوْقُ مُعْظَمَ أحَادِيْثِ كُتُبِ السُّنَّةِ المُدَوَّنَةِ، واللهُ نَاصِرٌ لدِيْنِهِ!
وكَذَا لَوْ سُلِّمَ بكَوْنِ كُلِّ عِلَّةٍ قَادِحَةً دُوْنَ اعْتِبَارٍ للقَرَائِنِ الحَدِيْثيَّةِ والفِقْهِيَّةِ على حَدٍّ سَوَاء؛ لمَا سَلِمَ لَنَا مِنَ الأحَادِيْثِ إلَّا نَزْرٌ قَلِيْلٌ، ولسُلِّمَ أيْضًا لكُلِّ مَا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ في بَعْضِ أحَادِيْثِ «الصَّحِيْحَيْنِ»، ولسُلِّمَ لغَيْرِهِ في غَيْرِهِمَا!
ولسُلِّمَ أيْضًا لكُلِّ مَنِ انْتَقَدَ شَيْئًا مِنْ أحَادِيْثِ «الصَّحِيْحَيْنِ» ولَوْ بوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ النَّقْدِ، ولسُلِّمَ أيْضًا لمَا مَا قَالَهُ الحَافِظُ أبو الفَضْلِ ابنُ عمَّارٍ الشَّهِيْدُ (317)، وأبو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقيُّ (401)، وأبو عَليٍّ الحُسَيْنُ الجيَّانيُّ (498)، وأبو الحُسَيْنِ يَحْيَى العَطَّارُ (622)، وأبو ذَرٍّ أحْمَدُ ابنُ سِبْطٍ ابنُ العَجْميِّ، وغَيْرُهُم؛ لاسِيَّما مِنْ بَعْضِ أهْلِ عَصْرِنَا مِمَّنْ لَهُم تَهْويشَاتٌ حَوْلَ بَعْضِ أحَادِيْثِ «الصَّحِيْحَيْنِ»، واللهُ تَعَالى أعْلَمُ.
قَالَ أبو بَكْرٍ الحَازِميُّ في «شُرُوطِ الأئِمَّةِ الخَمْسَةِ» (173): «أمَّا إيْدَاعُ البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ كَتَابَيْهِمَا حَدِيْثَ نَفَرٍ نُسِبُوا إلى نَوْعٍ مِنَ الضَّعْفِ فظَاهِرٌ، غَيْرَ أنَّهُ لم يَبْلُغْ ضَعْفُهُم حَدًّا يُرَدُّ بِهِ حَدِيْثُهُم، مَعَ أنَّا لا نُقِرُّ بأنَّ البُخَارِيَّ كَانَ يَرَى تَخْرِيْجَ مَنْ يُنْسَبُ إلى نَوْعٍ مِنْ أنْوَاعِ الضَّعْفِ، ولَوْ كَانَ ضَعْفُ هَؤلاءِ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ لمَا خَرَّجَ حَدِيْثَهُم، ثُمَّ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ جِهَاتَ الضَّعْفِ مُتَبَايِنَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وأهْلُ العِلْمِ مُخْتَلِفُونَ في أسْبَابِهِ» انْتَهَى.
وعَلَيْهِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ عِلَّةٍ قَادِحَةً، ولَيْسَ كُلُّ تَجْرِيْحٍ مَقْبُولًا، فَهَذَا بَابٌ ضَيِّقٌ لا يُحْسِنُهُ مُنْذُ أزْمَانٍ إلَّا أرْبَابُهُ مِنْ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ الكِبَارِ، لاسِيَّما مِمَّنْ وَقَفَ عِنْدَهُم فَلَكُ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ: كأصْحَابِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، وغَيْرِهِم مِنْ أهْلِ تَدْوِيْنِ السُّنَّةِ والأثَرِ!
يُوَضِّحُهُ: أنَّ «العِلَلَ» باخْتِلافِ أنْوَاعِهَا، وتَفَاوُتِ اعْتِبَارَاتِهَا عِنْدَ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بمَتْنِ الحَدِيْثِ أو بِسَنَدِهِ: لا يَنْضَبِطُ لهَا طَرَفٌ؛ لِذَا كَانَ عِلْمُ «العِلَلِ» عَزِيْزَ المَدَارِكِ، خَفِيَّ المَعَالِمِ مُنْذُ القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُوْلى على قِلَّةٍ مِنْ أهْلِهِ؛ لكَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بتَقْرِيْرِ مُضَايَقَاتِ مَعْرِفَةِ عِلْمِ الحَدِيْث!
وعلى هَذَا، فَقَدْ جَاءَتْ عِبَارَاتُ بَعْضِ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ مُشْعِرَةً بضَعْفِ الحَدِيْثِ، ولَوْ كَانَ مُخَرَّجًا في أحَدِ «الصَّحِيْحَيْنِ»، ومَا ذَاكَ مِنْهُم إلَّا احْتِرَازًا في الرِّوَايَةِ، ورُبَّمَا كَانَ وَرَعًا في الدِّرَايَةِ، ورُبَّما كَانَ غَيْرُهُ مِمَّا هُوَ مِنْ شَأنِ دِقَّةِ مَنْهَجِ قَبُولِ الأحَادِيْثِ ورَدِّهَا عِنْدَ كَثِيْرٍ مِنْ حُفَّاظِ الحَدِيْثِ ونُقَّادِهِ.
قَالَ الدَّارقُطْنيُّ في «العِلَلِ» (6/63): «ومِنْ عَادَةِ مَالِكٍ إرْسَالُ الأحَادِيْثِ، وإسْقَاطُ رَجُلٍ».
وقَالَ الزَّيْلَعِيُّ في «نَصْبِ الرَّايَةِ» (2/444): «ابنُ المُبَارَكِ يَرْوِي كَثِيْرًا مِنَ الأحَادِيْثِ فَيُوقِفُهَا».
قُلْتُ: وهَذَا الإرْسَالُ والوَقْفُ مِنْهُما على سَبِيْلِ التَّحَقُّقِ والاحْتِرَازِ، ولَوْ أخَذَنْا بكُلِّ مَا أرْسَلَهُ مَالِكٌ، أو بكُلِّ مَا أوْقَفَهُ ابنُ المُبَارَكِ: لرُدَّتْ أحَادِيْثُ كَثِيرَةٌ.
* * *
خَامِسًا: عَدَمُ اشْتِراطِ ذِكْرِ حُكْمِ الحَدِيْثِ الضَّعِيْفِ، كَمَا هُوَ مَنْهَجُ عَامَّةِ أهْلِ الحَدِيْثِ.
وعَلَيْهِ؛ فَإنَّ أهْلَ الحَدِيْثِ لا يَشْتَرِطُونَ للعَمَلِ بالحَدِيْثِ الضَّعِيْفِ: بَيَانُ ضَعْفِهِ، مَا لم يَكُنْ شَدِيْدَ الضَّعْفِ، بَلْ نَصَّوا على أنَّ بَيَانَ الضَّعْفِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ؛ لأنَّ الضَّعْفَ احْتِمَالُ إضَافَتِه للنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَائِمٌ، وذَلِكَ لاحْتِمَالِ وُجُوْدِ أصْلٍ لَهُ، أو مُتَابِعٍ، أو شَاهِدٍ، أو إجْمَاعٍ سَالِمٍ مِنَ المُعَارِضِ، أو فِعْلِ صحَابيٍّ، أو قِيَاسٍ صَحِيْحٍ، أو غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قَرَائِنِ التَّقْوِيَةِ والتَّرْجِيْحِ.
وهَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ ابنُ الصَّلاحِ رَحِمَهُ اللهُ في «مَعْرِفَةِ عُلُومِ الحَدِيْثِ» (102): «فَصْلٌ: قَدْ وَفَّيْنَا بِمَا سَبَقَ الوَعْدَ بِشَرْحِهِ مِنَ الأنْوَاعِ الضَّعِيفَةِ ـ والحَمْدُ للهِ ـ، فَلْنُنَبِّهِ الآنَ على أُمُورٍ مُهِمَّةٍ:
أحَدُهَا: إذَا رَأيْتَ حَدِيثًا بِإسْنَادٍ ضَعِيفٍ، فَلَكَ أنْ تَقُولَ: هَذَا ضَعِيْفٌ، وتَعْنِيَ أنَّهُ بِذَلِكَ الإسْنَادِ ضَعِيفٌ، ولَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ هَذَا ضَعِيْفٌ، وتَعْنِي بِهِ: ضَعْفَ مَتْنِ الحَدِيْثِ، بِنَاءً على مُجَرَّدِ ضَعْفِ ذَلِكَ الإسْنَادِ!
فَقَدْ يَكُونُ مَرْوِيًّا بِإسْنَادٍ آخَرَ صَحِيحٍ يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ الحَدِيثُ، بَلْ يَتَوَقَّفُ جَوَازُ ذَلِكَ على حُكْمِ إمَامٍ مِنْ أئِمَّةِ الحَدِيثِ: بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ بِإسْنَادٍ يَثْبُتُ بِهِ، أوْ بِأنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، أوْ نَحْوُ هَذَا مُفَسِّرًا وَجْهَ القَدْحِ فِيهِ.
فَإنْ أطْلَقَ، ولَمْ يُفَسِّرْ: فَفِيهِ كَلَامٌ، يَأْتِي إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَإنَّهُ مِمَّا يُغْلَطُ فِيهِ، واللهُ أعْلَمُ.
الثَّانِي: يَجُوزُ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيْثِ، وغَيْرِهِم التَّسَاهُلُ في الأسَانِيدِ، ورِوَايَةِ مَا سِوَى المَوْضُوعِ مِنْ أنْوَاعِ الأحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ مِنْ غَيْرِ اهْتِمَامٍ بِبَيَانِ ضَعْفِهَا فِيمَا سِوَى صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، وأحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الحَلَالِ والحَرَامِ وغَيْرِهَا، وذَلِكَ كَالمَوَاعِظِ، والقَصَصِ، وفَضَائِلِ الأعْمَالِ، وسَائِرِ فُنُونِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وسَائِرِ مَا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأحْكَامِ والعَقَائِدِ.
ومِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ التَّنْصِيصَ على التَّسَاهُلِ في نَحْوِ ذَلِكَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وأحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا» انَتْهَى كَلامُهُ.
وعِبَارَتُهُ أيْضًا في «التَّبْصِرَةِ والتَّذْكِرَةِ» (1/291): «مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لضَعْفِهِ»، وقَدْ وَافَقَ عَامَّةُ شُرَّاحِ «الألْفِيَّةِ»: على أنَّ بَيَانَ الضَّعْفِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ.
فانْظُرْ إلى قَوْلِهِ رَحِمَهُ اللهُ: «ورِوَايَةُ مَا سِوَى المَوْضُوعِ مِنْ أنْوَاعِ الأحَادِيْثِ الضَّعِيْفَةِ مِنْ غَيْرِ اهْتِمَامٍ بِبَيَانِ ضَعْفِهَا»، قُلْتُ: في هَذَا تَحْقِيْقٌ لأصْلِ مَسْألَتِنَا، فَتَأمَّلْ!
ومَعَ هَذَا فَقَدْ ذَكَرَ ابنُ الصَّلاحِ أيْضًا في «مَعْرِفَةِ عُلُومِ الحَدِيْثِ» (103) طَرِيْقَةَ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ المُعَلَّقِ، فَقَالَ: «إذَا أرَدْتَ رِوَايَةَ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ بِغَيْرِ إسْنَادٍ، فَلَا تَقُلْ فِيهِ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَذَا وكَذَا»، ومَا أشْبَهَ هَذَا مِنَ الألفَاظِ الجَازِمَةِ بِأنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ.
وإنَّمَا تَقُولُ فِيهِ: «رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَذَا وكَذَا، أوْ بَلَغَنَا عَنْهُ كَذَا وكَذَا، أوْ وَرَدَ عَنْهُ، أوْ جَاءَ عَنْهُ، أوْ رَوَى بَعْضُهُم»، ومَا أشْبَهَ ذَلِكَ.
وهَكَذَا الحُكْمُ فِيمَا تَشُكُّ في صِحَّتِهِ وضَعْفِهِ، وإنَّمَا تَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ»، فِيمَا ظَهَرَ لَكَ صِحَّتُهُ بِطَرِيقِهِ الَّذِي أوْضَحْنَاهُ أوَّلًا، واللهُ أعْلَمُ» انْتَهَى.
* * *
سَادِسًا: العَمَلُ بالأحَادِيْثِ الضَّعِيْفَةِ في بَابِ الفَضَائِلِ: كالتَّرْغِيْبِ والتَّرْهِيْبِ، والتَّفْسِيْرِ، والسِّيَرِ، والمَغَازِي، ونَحْوِهَا.
وأقْصِدُ بالحَدِيْثِ الضَّعِيْفِ: مَا كَانَ يَسِيْرَ الضَّعْفِ، قَابِلًا للجَبْرِ، مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ في مَعْرَضِ الاحْتِجَاجِ والشَّوَاهَدِ والمُتَابَعَاتِ.
قَالَ السَّخَاوِيُّ في «القَوْلِ البَدِيْعِ» (472): «وقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنَا (أيْ: ابنَ حَجَرٍ) مِرَارًا، يَقُولُ، وكَتَبَهُ لي بخَطِّهِ: أنَّ شَرَائِطَ العَمَلِ بالضَّعِيْفِ ثَلاثَةٌ:
الأوَّلُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أنْ يَكُوْنَ الضَّعْفُ غَيْرَ شَدِيْدٍ؛ فَيَخْرُجُ مَنِ انْفَرَدَ مِنَ الكَذَّابِيْنَ والمُتَّهَمِيْنَ بالكَذِبِ، ومَنْ فَحُشَ غَلَطُهُ.
الثَّاني: أنْ يَكُوْنَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ أصْلٍ عَامٍّ؛ فيَخْرُجُ مَا يُخْتَرَعُ، بحَيْثُ لا يَكُوْنُ لَهُ أصْلٌ أصْلًا.
الثَّالِثُ: أنْ لا يُعْتَقَد عِنْدَ العَمَلِ بِهِ ثُبُوتَهُ؛ لِئَلَّا يُنْسَبَ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَا لم يَقُلْهُ، قَالَ، والأخِيْرَانِ عَنِ ابنِ عَبْدِ السَّلامِ، وعَنْ صَاحِبِهِ ابنِ دَقِيْقٍ العِيْدِ، والأوَّلُ نَقَلَ العَلائِيُّ: الاتِّفَاقَ عَلَيْهِ.
قَالَ: وقَدْ نُقِلَ عَنِ الإمْامِ أحْمَدَ أنَّهُ يَعْمَلُ بالضَّعِيْفِ إذَا لم يُوْجَدْ غَيْرُهُ، ولم يَكُنْ ثَمَّ مَا يُعَارِضُهُ، وفي رِوايَةٍ: ضَعِيْفُ الحَدِيْثِ أحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأي الرِّجَالِ.
وكَذَا ذَكَرَ ابنُ حَزْمٍ: أنَّ جَمِيْعَ الحَنَفِيَّةِ مُجْمِعُونَ على أنَّ مَذْهَبَ أبي حَنِيْفَةَ رَحِمَهُ اللهُ: أنَّ ضَعِيْفَ الحَدِيْثِ أوْلى عِنْدَهُ مِنَ الرَّأي والقِيَاسِ.
وسُئِلَ أحْمَدُ: يَكُونُ ببَلَدٍ لا يُوْجَدُ فِيْهَا إلَّا صَاحِبُ حَدِيْثٍ، لا يَدْرِي صَحِيْحَهُ مِنْ سَقِيْمِهِ، وصَاحِبُ رَأيٍ، فَمَنْ يُسْألُ؟ قَالَ: يُسْألُ صَاحِبُ الحَدِيْثِ، ولا يُسْألُ صَاحِبُ الرَّأي!
ونَقَلَ أبو عَبْدِ اللهِ بنُ مَنْدَه عن أبي دَاوُدَ صَاحِبِ «السُّنَنِ»، وهُوَ مِنْ تَلامِذَةِ الإمَامِ أحْمَدَ: أنَّهُ يُخَرِّجُ الإسْنَادَ الضَّعِيْفَ إذَا لم يَجِدْ في البَابِ غَيْرَهُ، وأنَّهُ أقْوَى عِنْدَهُ مِنْ رَأيِّ الرِّجَالِ!
فيَحْصُلُ أنَّ في الضَّعِيْفِ ثَلاثَةَ مَذَاهِبَ:
لا يُعْمَلُ بِهِ مُطْلقًا.
ويُعْمَلُ بِهِ مُطْلقًا، إذَا لم يَكُنْ في البَابِ غَيْرُهُ.
ثَالِثُهَا، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: يُعْمَلُ بِهِ في الفَضَائِلِ دُوْنَ الأحْكَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ بشُرُوطِهِ، واللهُ المُوفِّقُ» انَتْهَى كَلامُ السَّخَاوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ.
قُلْتُ: وسَوْفَ نُفْرِدُ فَصْلًا كَامِلًا عَنْ حُكْمِ العَمَلِ بالحَدِيْثِ الضَّعِيْفِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى.
* * *
سَابِعًا: عَدَمُ الاقْتِصَارِ على تَضْعِيْفِ الأحَادِيْثِ مِنْ خِلالِ أسَانِيْدِ «كُتُبِ السُّنَّةِ» المُدَوَّنَةِ؛ لأنَّ الإحَاطَةَ بكُلِّ الأسَانِيْدِ الَّتِي يَدُوْرُ عَلَيْهَا الحَدِيْثُ لا مَطْمَعَ لأحَدٍ مِنَ المُتَأخِّرِيْنَ فِيْهَا؛ لأنَّ حِفْظَهَا قَدْ مَضَى خَبَرُهُ في صُدُورِ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ قَبْلَ تَدْوِيْنِهِم للسُّنَّةِ، يُوضِّحُهُ.
أنَّ التَّصْحِيْحَ قَرِيْبُ المَنَالِ، ظَاهِرُ المَدْرَكِ؛ خِلافًا للتَّضْعِيْفِ؛ لأنَّ مَسَالِكَهُ وَعِرَةٌ، ومَدَارِكَهُ عَسِرَةٌ، ومَرَاتِبَهُ كَثِيْرَةٌ، لا تَنْضَبِطُ مُتَعَلَّقَاتُهُ سَنَدًا ولا مَتْنًا.
وهَذَا الشَّيءُ لا تَجِدُ أكْثَرَهُ في تَصْحِيْحِ الحَدِيْثِ؛ لأنَّ تَصْحِيْحَهُ قَدْ يَسْتَقِيْمُ بسَنَدٍ وَاحِدٍ، أو سَنَدَيْنِ؛ خِلافًا لتَضْعِيْفِ الحَدِيْثِ؛ فحُكْمُهُ لا يَسْتَقِيْمُ غَالِبًا على سَنَدٍ، ولا سَنَدَيْنِ، ولا عَشَرَاتِ الأسَانِيْدِ؛ لأنَّهُ قَدْ يُوْجَدُ هُنَا أو هُنَاكَ سَنَدٌ وَاحِدٌ يَتَقَوَّى بِهِ ضَعْفُ الحَدِيْثِ ويَنْجَبِرُ، ويَرْتَفِعُ بِهِ مِنْ دَرَجَةِ الضَّعْفِ إلى دَرَجَةِ الصِّحَّةِ أو الحُسْنِ، ومِنْ دَائِرَةِ الرَّدِّ إلى دَائِرَةِ القَبُولِ والاحْتِجَاجِ.
لِذَا؛ فَإنَّ كُلَّ مَنِ ادَّعَى تَضْعِيْفَ الحَدِيْثِ؛ فَقَدِ ادَّعَى الإحَاطَةَ بجَمِيْعِ الأسَانِيْدِ الَّتِي تَدُورُ حَوْلَ الحَدِيْثِ، وهَذَا الشَّرْطُ عَزِيْزٌ لم يَتَحَقَّقْ إلَّا لآحَادِ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ المُتَقَدِّمِيْنَ.
أنَّ أصْحَابَ «كُتُبِ السُّنَّةِ» لم يَشْتَرِطُوا تَدْوِيْنَ كُلَّ الأحَادِيْثِ والأسَانِيْدِ، فَقَدْ تَواتَرَ عَنْهُم وعَنْ غَيْرِهِم: أنَّهم يَحْفَظُونَ مِنَ الأحَادِيْثِ أضْعَافَ أضْعَافَ مَا دَوَّنُوهُ في مُصَنَّفَاتِهِم، كَمَا أنَّهُم يَحْفَظُونَ للحَدِيْثِ الوَاحِدِ المُدَوَّنِ في مُصَنَّفَاتِهِم كَثِيْرًا مِنَ الأسَانِيْدِ، بَغَضِّ النَّظَرِ عَنْ صِحَّةِ مَا يَحْفَظُونَهُ أو ضَعْفِهِ، أو باعْتِبَارِ اخْتِلافِ الأسَانِيْدِ مَعَ تَكْرَارِ المُتُونِ... وخَبَرُ هَذَا مَوْجُودٌ عَنْهُم في كُتُبِ التَّرَاجِمِ، وعُلُومِ الحَدِيْثِ، وغَيْرِهَا.
أنَّ أصْحَابَ «كُتُبِ السُّنَّةِ» لا يُدَوِّنُونَ إلَّا أجْوَدَ الأسَانِيْدِ عِنْدَهُم باعْتِبَارِ مَا يَحْفَظُونَهُ مِنَ الأسَانِيْدِ الَّتِي تَدُورُ حَوْلِ الحَدِيْثِ.
أنَّ الإحَاطَةَ بجَمِيْعِ أسَانِيْدِ الحَدِيْثِ لا يُمْكِنُ إدْرَاكُهَا عِنْدَ المُتَأخِّرِيْنَ إلَّا مِنْ خِلالِ أحَدِ الأوْجُهِ التَّالِيَةِ.
أ ـ أنَّ يَنُصَّ أحَدُ الأئِمَّةِ المُتَقَدِّمِيْنَ، لاسِيَّما أصْحَابِ «كُتُبِ السُّنَّةِ»: على أنَّ هَذَا الحَدِيْثِ مَدَارُهُ على فُلانٍ أو فُلانٍ.
ب ـ أو أنَّ الحَدِيْثَ تَفَرَّدَ بِهِ فُلانٌ أو فُلانٌ.
ج ـ أو أنَّ الحَدِيْثَ لا يُعْرَفُ إلَّا مَنْ هَذَا الوَجْهِ، أو نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَدَارِكِ دَعْوَى الإحَاطَةِ بأسَانِيْدِ الحَدِيْثِ، واللهُ تَعَالى أعْلَمُ.
ومِنْ خِلالِ مَا مَضَى تَحْرِيْرُهُ، يَتَبَيَّنُ لَنَا: أنَّ الحُكْمَ على الأحَادِيْثِ بالضَّعْفِ، صَعْبُ المَنَالِ، عَسِرُ النَّوالِ؛ لِذَا كَانَ على طَالِبِ العِلْمِ أنْ يَعْتَبِرَ في تَضْعِيْفِ أحَادِيْثِ «كُتُبِ السُّنَّةِ» بِمَا يَلي:
أ ـ أنْ يَنُصَّ أصْحَابُ «كُتُبِ السُّنَّةِ»: على صِحَّةِ الحَدِيْثِ أو ضَعْفِهِ، وهَذَا الحُكْمُ مِنْهُم مَقْطُوعٌ بِهِ، فَلا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ.
ب ـ أنْ يَنُصَّ صَاحِبُ الكِتَابِ على صِحَّةِ الحَدِيْثِ أو ضَعْفِهِ، وهَذَا أيْضًا مَقْطُوعٌ بِهِ، مَا لم يُوجَدْ مُخَالِفٌ لَهُ مِنْ أصْحَابِ «كُتُبِ السُّنَّةِ» أو أئِمَّةِ الحَدِيْثِ المُعْتَبَرِيْنَ، فَإنْ وُجِدَ شَيءٌ مِنْ هَذَا؛ فسَبِيْلُهُ النَّظَرُ إلى قَرَائِنِ التَّرْجِيْحِ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيْثِ.
ج ـ أنْ يَنُصَّ صَاحِبُ الكِتَابِ على ضَعْفِ الحَدِيْثِ، مَعَ ذِكْرِهِ لشَيءٍ مِنْ مُرَجِّحَاتِ التَّقْوِيَةِ، كقَوْلِهِ: وعَلَيْهِ العَمَلُ، أو هُوَ قَوْلُ الفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ ونَحْوِهِم، أو هُوَ مَذْهَبُ فَلانٍ وفُلانٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ المُعْتَبَرِيْنَ، أو هُوَ مِمَّا احْتَجَ بِهِ فُلانٍ وفُلانٍ، أو هُوَ أصَحُّ شَيءٍ في البَابِ، أو غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مُرَجِّحَاتِ قَبُولِ الحَدِيْثِ، فهُنَا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ اطِّرَاحُ الحَدِيْثِ مَهْمَا ظَهَرَ لَهُ ضَعْفُهُ؛ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مِنْ خَطأ صَاحِبِ الكِتَابِ عِنْدَ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ أو أكْثَرِهِم؛ لأنَّ صَاحِبَ الكِتَابِ، أصْلٌ فِيْمَا رَوَاهُ، ومُتَحَقِّقٌ في دَعْوَاهُ، ومَا سِوَاهُ دَعْوَى للظَّنِّ هِيَ أقْرَبُ مِنْهَا إلى دَفْعِ الأصْلِ، إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَحَقُّقِ تَرْجِيْحِ الدَّعْوَى عِنْدَ أهْلِ الشَّأنِ.
د ـ على طَالِبِ العِلْمِ ألَّا يَخْرُجَ عَنْ أصْحَابِ «كُتُبِ السُّنَّةِ» في أحْكَامِهِم على الأحَادِيْثِ؛ إلَّا لِمَنْ ظَهَرَ اجْتِهَادُهُ، وبَانَ رَسُوخُهُ في رِوَايَةِ الحَدِيْثِ ودِرَايَتِهِ؛ الأمْرُ الَّذِي يَدْفَعُهُ إلى تَرْجِيْحِ أقْوَالِ المُتَقَدِّمِيْنَ بَعْضِهِم على بَعْضٍ.
* * *
ثَامِنًا: أنَّ الأصْلَ في أحَادِيْثِ «الكُتُبِ السِّتَّةِ»: هُوَ العَمَلُ والاحْتِجَاجُ بِهَا إلَّا مَا نَصَّ أصْحَابُهَا على ضَعْفِهِ.
وهَذَا الأصْلُ يتَخَرَّجُ على الأصْلِ الآتي، وفِيْهِ: صِحَّةُ وقَبُولُ أحَادِيْثِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، كمَا سَيَأتي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللهُ.
وعَلَيْهِ؛ فمَنْ عَمِلَ مِنَ المُسْلِمِيْنَ بشَيءٍ من أحَادِيْثِ «كُتُبِ السُّنَّةِ» المُعْتَمَدَةِ: فَإنَّهُ مَأجُوْرٌ في عَمَلِهِ إنْ أصَابَ، ومَغْفُورٌ لَهُ إنْ أخْطَأ؛ لأنَّ الأصْلَ في دَوَاوِيْنِ أهْلِ السُّنَّةِ المُدَوَّنَةِ: الصِّحَّةُ والقَبُولُ.
ويَدُلُّ على هَذَا أنَّ أصْحَابَها: مَا صَنَّفُوهَا ولا ألَّفُوهَا إلَّا على شَرْطِ القَبُولِ والاحْتِجَاجِ، مَعَ اخْتِلافٍ بَيْنَهُم في تَحْقِيْقِ هَذَا الشَّرْطِ رَدًّا وقَبُولًا؛ لكِنَّهُم مُتَّفِقُونَ على قَبُولِهَا في الجُمْلَةِ.
أيْ: أنَّ غَالِبَ أحَادِيْثِهَا مَقْبُولٌ ومُحْتَجٌّ بِهَا، سَوَاءٌ بنَفْسِهَا، أو بَكَونِهَا صَالِحَةً في المُتَابَعَاتِ والشَّوَاهِدِ، إلَّا أحَادِيْثَ يَسِيْرَةً قَدْ نَصَّ عَلَيْهَا أصْحَابُها في مُصَنَّفَاتِهِم، أو نَصَّ عَلَيْهَا غَيْرُهُم مِنْ أهْلِ الشَّأنِ، كَمَا هُوَ مُدَوَّنٌ في كُتُبِ العِلَلِ والتَّخَارِيْجِ.
ويَدُلُّ على ذَلِكَ أيْضًا: أنَّنَا لا نَعْلَمُ إمَامًا مُعْتَبَرًا حَذَّرَ مِنَ العَمَلِ بِمَا في «الكُتُبِ السِّتَّةِ»، إلَّا بَعْدَ عَرْضِهَا على فُلانٍ أو فُلانٍ، بَلْ مَا زَالَ النَّاسُ يَحْتَجُّوْنَ بِهَا ويَعْمَلُوْنَ دُوْنَ نَكِيْرٍ؛ مُرُوْرًا بعَصْرِ تَدْوِيْنِهَا إلى مَطْلَعِ القَرْنِ الخَامِسَ عَشَرَ؛ حَتَّى تَظَاهَرَ عَلَيْنَا بَعْضُ المُشْتَغِلِيْنَ بالحَدِيْثِ؛ حَيْثُ حَذَّرُوا مِنَ العَمَلِ بشَيءٍ مِنْ أحَادِيْثِ «السُّنَنِ الأرْبَعِ، والمُسْنَدِ»، ونَحْوِهَا مِنَ كُتُبِ السُّنَّةِ المُعْتَمَدَةِ، إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا: صِحَّةً وضَعْفًا عِنْدَ فُلانٍ وفُلانٍ مِنْ أهْلِ عَصْرِنَا مِمَّنِ اشْتَهَرَ عِنْدَهُم بتَصْحِيْحِ الأحَادِيْثِ وتَضْعِيْفِهَا!
قُلْتُ: لَوْ كَانَ هَذَا العَرْضُ شَرْطًا مُعْتَبَرًا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ؛ لَوَقَعَ عَامَّةُ المُسْلِمِيْنَ في عَوَاقِبَ لا تُحْمَدُ، ولأصْبَحَ النَّاسُ في أمْرٍ مَرِيْجٍ؛ لَكِنْ يَأبَى اللهُ والمُسْلِمُوْنَ ذَلِكَ!
بَلْ إخَالُ مِثْلَ هَذَا القَوْلِ: تَخْوِيْنًا وتَجْهِيْلًا لأهْلِ السُّنَّةِ في تَدْوِيْنِ كُتُبِ السُّنَّةِ!
كَمَا أنَّهَا دَعْوَى عَرِيْضَةٌ؛ لأنَّ أحَدًا مِنْ أهْلِ العِلْمِ لَيْسَتْ أحْكَامُهُ حُجَّةً على الأحَادِيْثِ النَّبَويَّةِ صِحَّةً وضَعْفًا، بَلْ لم يَزَلِ الخِلافُ جَارٍ بَيْنَ المُحَدِّثِيْنَ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا دُوْنَ نَكِيْرٍ!
لِذَا؛ فَإنَّهُ لم يُؤثَرْ عَنْ أحَدِ الأئِمَّةِ المُتَقَدِّمِيْنَ: أنَّهُ نَصَّبَ رَجُلًا مِنْهُم بأنْ يَكُوْنَ حَكَمًا عِنْدَ الخِلافِ، أو حُجَّةً ومِعْيَارًا في قَبُولِ الأحَادِيْثِ ورَدِّهَا؛ فَضْلًا أنْ يَكُوْنَ رَجُلًا مِنَ المُتَأخِّرِيْنَ!
* * *
تَاسِعًا: أنَّ الأصْلَ في أحَادِيْثِ كُتُبِ السُّنَّةِ المُدَوَّنَةِ: الصِّحَّةُ والقَبُوْلُ في الجُمْلَةِ، أمَّا مَا كَانَ مِنْهَا ضَعِيْفًا فَقَدْ نصَّ عَلَيْهِ أصْحَابُ الكُتُبِ أنْفُسُهُم إلَّا النَّزْرَ القَلِيْلَ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ أئِمَّةُ الحَدِيْثِ قَدِيمًا، كَمَا سَيَأتي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللهُ.
قَالَ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ في «تَعْجِيْلِ المَنْفَعَةِ» (1/236): «فَإن النُّفُوسَ تَرْكَنُ إلى مَنْ أخْرَجَ لَهُ بَعْضُ الأئِمَّةِ السِّتَّةِ أكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِم لجَلالَتِهِم في النُّفُوسِ وشُهْرَتِهِم، ولأنَّ أصْلَ وَضْعِ التَّصْنِيْفِ للْحَدِيْثِ على الأبْوَابِ: أنْ يَقْتَصِرَ فِيْهِ على مَا يَصْلُحُ للاحْتِجَاجِ، أو الاسْتِشْهَادِ» انْتَهَى.
قُلْتُ: وعلى هَذَا الأصْلِ، يَتَفَرَّعُ لَنَا مَا يَلي:
أنَّ مَنْ ضَعَّفَ شَيْئًا مِنْ أحَادِيْثِ كُتُبِ السُّنَّةِ المُدَوَّنَةِ المَشْهُورَةِ: فعَلَيْهِ الدَّلِيْلُ، خِلافًا لمَنْ اعْتَمَدَ أحَادِيْثَهَا؛ لأنَّهُ بَاقٍ على الأصْلِ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ تَقْلِيْدِهِ لأصْحَابِ كُتُبِ السُّنَّةِ المُعْتَبَرِينَ، ولاسِيَّما أصْحَابِ «الكُتُبِ السِّتَّةِ».
كَمَا يَجِبُ على مَنْ ضَعَّفَ شَيْئًا مِنْ أحَادِيْثِها: أنْ يَكُوْنَ مِمَّنْ بَلَغَ رُتْبَةَ الاجْتِهَادِ في مَعْرِفَةِ صَحِيْحِ الأحَادِيْثِ مِنْ ضَعِيْفِهَا، سَوَاءٌ كَانَ اجْتِهَادُهُ مُطْلَقًا أو قَاصِرًا على نَوْعٍ مِنَ الأحَادِيْثِ الَّتِي ادَّعَى تَضْعِيْفَهَا، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ مَعْرِفَتِهِ لأقْوَالِ الأئِمَّةِ المُتَقَدِّمِيْنَ حَوْلَ الحَدِيْثِ: رَدًّا وقَبُولًا، جَرْحًا وتَعْدِيْلًا، حَتَّى إذَا تَرَجَّحَ لَدَيْهِ شَيءٌ مِنَ الأقْوَالِ أخَذَ بِهِ بطَرِيْقِ النَّظَرِ، وإعْمَالِ مَسْلَكِ الاجْتِهَادِ.
أمَّا مَنْ كَانَ مُقَلِّدًا لوَاحِدٍ مِنْ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ المُتَقَدِّمِيْنَ؛ فَضْلًا عَنِ المُتَأخِّرِيْنَ: فَلا يَجُوْزُ لَهُ الإنْكَارُ على مَنْ قَلَّدَ وَاحِدًا مِنْ أصْحَابِ كُتُبِ السُّنَّةِ المُعْتَمَدَةِ، وعَلَيْهِ فَلا يَجُوْزُ أيْضًا أنْ يُنَصِّبَ خِلافًا في المَسْألَةِ!
لأنَّهُ قَدْ أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ: على أنَّ المُقَلِّدَ لَيْسَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، سَوَاءٌ كَانَ مُقَلِّدًا لأحْمَدَ، أو البُخَارِيِّ، أو غَيْرِهِمَا مِنْ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ المُعْتَبَرِيْنَ!
وهَذَا الأصْلُ قَدْ غَفِلَ عَنْهُ كَثِيْرٌ مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ مِنْ أهْلِ عَصْرِنَا، الأمْرُ الَّذِي جَعَلَ طَائِفَةً مِنْهُم لا يَأخُذُونَ بشَيءٍ مِنْ أحَادِيْثِ كُتُبِ السُّنَّةِ (كالسُّنَنِ الأرْبَعِ، والمُوطَّأ، والمُسْنَدِ) إلَّا بَعْدَ التَّنْصِيْصِ على صِحَّتِهَا مِنْ أحَدِ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ، وهَذَا مِمَّا لم يَقُلْ بِهِ إمَامٌ مُعْتَبَرٌ فِيْمَا أعْلَمُ!
والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ

فضيلة
الشيخ الدكتور
ذياب بن سعد الغامدي
ظاهرة تضعيف الأحاديث ص 75