أهَمِّيَّةُ عِلْمِ العِلَلِ

لَقَدْ بَاتَ عِنْدَ العَامَّةِ مِنْ أهْلِ العِلْمِ أنَّ «السُّنَنَ الأرْبَعِ، والمُسْنَدَ»: قَدْ حَوَتْ أحَادِيْثَ ضَعِيْفَةً؛ لكِنَّهَا قَلِيْلةٌ، ومَعَ هَذَا فغَالِبُهَا قَدْ نَصَّ على ضَعْفِهِ أصْحَابُ «السُّنَنِ» أنْفُسُهُم في كُتُبِهم ذَاتِهَا، أو نَصَّ عَلَيْهَا غَيْرُهُم مِمَّا هُوَ خَارجُ مُصَنَّفَاتِهِم، كَمَا سَيَأتي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللهُ.
لكِنَّنَا مَعَ هَذَا أيْضًا: لا نُقِرُّ ولا نُسِلَّمُ لكُلِّ مَنِ أدَّعَى تَضْعِيْفَ بَعْضِ أحَادِيْثِهَا؛ لأنَّ مَسْألَةَ التَّضْعِيْفِ لهِيَ مِنْ مَسَارِحِ الاجْتِهَادِ، مِمَّا تَتَفَاوَتُ فِيْهِ اجْتِهَادَاتُ أهْلِ الحَدِيْثِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا، كَمَا أنَّهَا مِنْ مَسَالِكِ «عِلْمِ العِلَلِ» الَّذِي عَزَّ وُجُودُهُ عِنْدَ المُتَقَدِّمِيْنَ؛ فَضْلًا عِنْدَ غَيْرِهِم مِنَ المُتَأخِّرِيْنَ.
هَذَا إذَا عَلمَ الجَمِيْعُ أنَّ كَثِيْرًا مِنْ أحْكَامِ المُتَأخِّرِيْنَ ـ لاسِيَّما مِنْ أهْلِ عَصْرِنَا ـ: مَبْنِيَّةٌ على قَوَاعِدَ ومُصْطَلَحَاتٍ لا يَعْرِفُ كَثِيْرَهَا أئِمَّةُ السَّلَفِ، كَمَا أنَّ كَثِيْرًا مِنْهَا مُعْتَمَدٌ على كُتُبِ الرِّجَالِ، ومَا حَوَتْهُ مِنْ جَرْحٍ وتَعْدِيْلٍ... وذَلِكَ في الوَقْتِ الَّذِي يَعْلَمُ فِيْهِ الجَمِيْعُ: أنَّ فَرْقًا كَبِيْرًا بَيْنَ أحْكَامِ المُتَقَدِّمِيْنَ على الأحَادِيْثِ، وبَيْنَ أحْكَامِ المُتَأخِّرِيْنَ، يُوَضِّحُهُ الآتي.
أنَّ المُتَقَدِّمِيْنَ من أهْلِ الحَدِيْثِ كَانُوا يَحْكُمُونَ على الرَّجُلِ مِنْ خِلالِ «مَجْمُوعِ أحَادِيْثِه»، وهَذَا لا يَكُوْنُ إلَّا مِنْ خِلالِ مَا يَحْفَظُونَهُ مِنْ أحَادِيْثِهِ ـ فمُسْتَقِلٌّ مِنْهُم ومُسْتَكْثِرٌ ـ وهَذَا مَا يُعْرَفُ بـ«عِلْمِ العِلَلِ»!
وهُوَ مَا ذَكَرَهُ الحَافِظُ الخَطِيْبُ في كِتَابِهِ «الجَامِعِ لأخْلاقِ الرَّاوِي» (2/212) عَنِ الإمَامِ أحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللُه؛ إذْ يَقُولُ: «الحَدِيثُ إذَا لَمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَمْ تَفْهَمْهُ، والحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وكَذَا مَا قَالَهُ عليُّ بنُ المَدِينيِّ رَحِمَهُ اللُه: «البَابُ إذَا لَمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ»!
ومِنْ خِلالِ هَذَا المَعْنَى الدَّقِيْقِ في مَعْرِفَةِ «عِلْمِ العِلَلِ»،
قَالَ الخَطِيْبُ في «جَامِعِهِ» (2/382): «فِي أنَّ المَعْرِفَةَ بِالحَدِيثِ لَيْسَتْ تَلْقِينًا، وإنَّمَا هُوَ عِلْمٌ يُحْدِثُهُ اللهُ في القَلْبِ أشْبَهَ الأشْيَاءِ بِعِلْمِ الحَدِيثِ مَعْرِفَةُ الصَّرْفِ ونَقْدُ الدَّنَانِيرِ والدَّرَاهِمِ؛ فَإنَّهُ لا يَعْرِفُ جَوْدَةَ الدِّينَارِ والدَّرَاهِمِ بِلَوْنٍ ولا مَسٍّ ولا طَرَاوَةٍ ولا دَنَسٍ ولا نَقْشٍ ولا صِفَةٍ تَعُودُ إلى صِغَرٍ، أوْ كِبَرٍ ولا إلى ضِيقٍ أوْ سَعَةٍ.
وإنَّمَا يَعْرِفُهُ النَّاقِدُ عِنْدَ المُعَايَنَةِ فَيَعْرِفُ البَهْرَجَ والزَّائِفَ والخَالِصَ والمَغْشُوشَ وكَذَلِكَ تَمْيِيزُ الحَدِيثِ فَإنَّهُ عِلْمٌ يَخْلُقُهُ اللهُ تَعَالَى في القُلُوبِ بَعْدَ طُولِ المُمَارَسَةِ لَهُ والِاعْتِنَاءِ بِهِ».
وكَذَا مَا قَالَهُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللُه في «نُزْهَةِ النَّظَرِ» (92): «وتَحْصُلُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بكَثْرَةِ التَّتبُّعِ، وجَمْعِ الطُّرُقِ؛ فهَذَا هُوَ المُعَلَّلُ، وهُوَ مِنْ أغْمَضِ أنْوَاعِ عُلومِ الحَدِيْثِ وأدَقِّهَا، ولا يَقُوْمُ بهِ إلَّا مَنْ رَزَقَهُ اللهُ تَعَالى فَهْمًا ثَاقِبًا، وحِفْظًا وَاسِعًا، ومَعْرِفةً تَامَّةً بمَراتِبِ الرُّواةِ، ومَلَكَةً قَوِيَّةً بالأسَانِيْدِ والمُتُونِ، ولهَذَا لم يَتَكَلَّمْ فِيْهِ إلَّا القَلِيْلُ مِنْ أهلِ هَذَا الشأنِ: كعليِّ بنِ المَدينيِّ، وأحْمَدَ بنِ حَنْبلٍ، والبُخَارِيِّ، ويَعقوبَ بنِ أبي شَيْبةَ، وأبي حَاتِمٍ، وأبي زُرْعَةَ، والدَّارَقُطنيِّ.
وقَدْ تَقْصُرُ عِبَارَةُ المُعَلِّلِ عَنْ إقَامَةِ الحُجَّةِ على دَعْواهُ؛ كالصَّيْرَفيِّ في نَقْدِ الدِّينارِ والدِّرهَمِ» انَتْهَى.
وقَالَ ابنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللُه في «شَرْحِ العِلَلِ للتِّرْمِذيِّ» (1/346): «وكَذَا الكَلامُ في العِلَلِ والتَّوارِيْخِ قَدْ دُوَّنَهُ أئِمَّةُ الحُفَّاظِ، وقَدْ هُجِرَ في هَذَا الزَّمَانِ، ودُرِسَ حِفْظُهُ وفَهْمُهُ، فَلَوْلا التَّصَانِيْفُ المُتَقَدِّمَةُ فِيْهِ لمَا عُرِفَ هَذَا العِلْمُ اليَوْمَ بالكُلِّيَّةِ، ففِي التَّصْنِيْفِ فِيْهِ، ونَقْلِ كَلامِ الأئِمَّةِ المُتَقَدِّمِيْنَ مَصْلَحَةٌ عَظِيْمَةٌ جِدًّا.
وقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ ـ ومَعَ سِعَةِ حِفْظِهِم، وكَثْرَةِ الحِفْظِ في زَمَانِهِم ـ: يَأمُرُونَ بالكِتَابَةِ للحِفْظِ، فكَيْفَ بزَمَانِنَا هَذَا الَّذِي هُجِرَتْ فِيْهِ عُلُومُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِهَا، ولم يَبْقَ مِنْهَا إلَّا مَا كَانَ مُدَوَّنًا في الكُتُبِ؛ لتَشَاغُلِ أهْلِ هَذَا الزَّمَانِ بمُدَارَسَةِ الآرَاءِ وحِفْظِهِا».
وقَالَ أيْضًا (2/663): «وأرَدْتُ بذَلِكَ تَقْرِيْبَ عِلْمَ العِلَلِ على مَنْ يَنْظُرُ فِيْهِ، فَإنَّهُ عِلْمٌ قَدْ هُجِرَ في هَذَا الزَّمَانِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا في كِتَابِ العِلْمِ أنَّهُ عِلْمٌ جَلِيْلٌ قَلَّ مَنْ يَعْرِفُهُ مِنْ أهْلِ هَذَا الشَّأنِ، وأنَّ بِسَاطَهُ قَدْ طُوِيَ مُنْذُ أزْمَانٍ، واللهُ المُسْتَعَانُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ، فإنَّ التَّوْفِيْقَ كُلَّهُ بيَدَيْهِ، ومَرْجِعَ الأُمُورِ كُلِّها إلَيْهِ.
أعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ صِحَّةِ الحَدِيْثِ وسُقْمِهِ تَحْصُلُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أحَدُهُمَا: مَعْرِفَةُ رِجَالِهِ وثِقَتِهِم وضَعْفِهِم، ومَعْرِفَةُ هَذَا هَيِّنٌ؛ لأنَّ الثِّقَاتَ والضُعَفَاءَ قَدْ دُوِّنُوا في كَثِيْرٍ مِنَ التَّصَانِيْفِ، وقَدِ اشْتُهِرَتْ بشَرْحِ أحْوَالِهِم التَّوالِيْفُ.
والوَجْهُ الثَّاني: مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ الثِّقَاتِ، وتَرْجِيْحِ بَعْضِهم على بَعْضِ عِنْدَ الاخْتِلافِ، إمَّا في الإسْنَادِ، وإمَّا في الوَصْلِ والإرْسَالِ، وإمَّا في الوَقْفِ والرَّفْعِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وهَذَا هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وإتْقَانِهِ وكَثْرَةِ مُمَارَسَتِهِ الوُقُوفُ على دَقَائِق عِلْلِ الحَدِيْثِ» انَتْهَى.
وقَالَ الحَافِظُ ابنُ الأثَيْرِ رَحِمَهُ اللهُ في «جَامِعِ الأُصُولِ» (1/40): «مَا ازْدَادَ انْتِشَارُ هَذَا النَّوْعِ مِنِ التَّصْنِيْفِ والجَمْعِ والتَّألِيْفِ، وكَثُرَ في أيْدِي المُسْلِمِيْنَ وبِلادِهِم، وتَفَرَّقَتْ أغْرَاضُ النَّاسِ، وتَنَوَّعَتْ مَقَاصِدُهُم، إلى أنِ انْقَرَضَ ذَلِكَ العَصْرُ الَّذِي كَانَا فِيْهِ حَمِيْدًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الأئِمَّةِ والعُلَماءِ قَدْ جَمَعُوا وألَّفُوا: مِثْل أبي عِيْسَى مُحَمَّدِ بنِ عِيْسَى التِّرْمِذِيِّ، وأبي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بنِ الأشْعَثِ السِّجِسْتَانيِّ، وأبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أحْمَدَ بنِ شُعَيْبٍ النَّسَائِيِّ رَحِمَهُم اللهُ جَمِيْعًا، وغَيْرِهِم مِنَ العُلَمَاءِ الَّذِيْنَ لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وكَأنَّ ذَلِكَ العَصْرَ كَانَ خُلاصَةَ العُصُورِ في تَحْصِيْلِ هَذَا العِلْمِ، وإلَيْهِ المُنْتَهَى.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ نَقَصَ ذَلِكَ الطَّلَبُ بَعْدُ، وقَلَّ ذَلِكَ الحِرْصُ، وفَتَرَتْ تِلْكَ الهِمَمُ، وكذَلِكَ كُلُّ نَوْعٍ مِنْ أنْوَاعِ العُلُومِ والصَّنَائِعِ والدُّوَلِ وغَيْرِهَا فَإنَّهُ يَبْتَدِئُ قَلِيْلًا قَلِيْلًا، ولا يَزَالُ يُنْمَى ويُزِيْدُ ويَعْظُمُ إلى أنْ يَصِلَ إلى غَايَةٍ هِيَ مُنْتَهَاهُ، ويَبْلُغَ إلى أمَدٍ هُوَ أقْصَاهُ، ثُمَّ يَعُودُ، فَكَأنَّ غَايَةَ هَذَا العِلْمِ انْتَهتْ إلى البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ، ومَنْ كَانَ في عَصْرِهِمَا مِنْ عُلَمَاءِ الحَدِيْثِ.
ثُمَّ نَزَلَ وتَقَاصَرَ إلى زَمَانِنَا هَذَا، وسَيَزْدَادُ تَقَاصُرًا، والهِمَم قُصُورًا، سُنَّةُ اللهِ في خَلْقِهِ، ولَنْ تَجِدَ لسُنَّةِ الله تَبْدِيْلًا» انَتْهَى.
وقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللُه في «المَوْضُوعَاتِ» (1/145): «قُلْتُ: فَإنْ قَوِيَ نَظَرُكَ، ورَسَخْتَ في هَذَا العِلْمِ فَهِمْتَ مِثْلَ هَذَا، وإنْ ضَعُفْتَ فَسَلْ عَنهُ، وإنْ كَانَ قَدْ قَلَّ مَنْ يَفْهَمُ هَذَا، بَلْ قَدْ عُدِمَ» انَتْهَى.
وقَالَ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللُه في كِتَابِهِ «النُّكَتِ» (2/711): «وهَذَا الفَنُّ أغْمَضُ أنْوَاعِ الحَدِيْثِ وأدَقُّهَا مَسْلَكًا، ولا يَقُوْمُ بِهِ إلَّا مَنْ مَنَحَهُ اللهُ تَعَالى فَهْمًا غَايِصًا، وإطِّلاعًا حَاوِيًا، وإدْرَاكًا لمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، ومَعْرِفَةً ثَاقِبَةً، ولهَذَا لم يَتَكَلَّمْ فِيْهِ إلَّا أفْرَادُ أئِمَّةِ هَذَا الشَّأنِ وحُذَاقِهِم، وإلَيْهِم المَرْجِعُ في ذَلِكَ، لِمَا جَعَلَ اللهُ فَيْهِم مِنْ مَعْرِفَة ذَلِكَ، والاطِّلاعِ على غَوَامِضِهِ دُوْنَ غَيْرِهِم مِمَّنْ لم يُمَارِسْ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقْصُرُ عِبَارَةُ المُعَلِّلِ مِنْهُم، فَلا يَفْصِحُ بِمَا اسَّتَقَر في نَفْسِهِ مِنْ تَرْجِيْحِ إحِدْى الرَّوَايَتَيْنِ على الأُخْرَى، كَمَا في نَقْدِ الصَّيرَفيِّ سَوَاءً، فمَتَى وَجَدْنَا حَدِيْثًا قَدْ حَكَم إمَامٌ مِنَ الأئِمَّةِ المَرْجُوعِ إلَيْهِم: بتَعْلِيْلِهِ، فَالأوْلى إتِّبَاعُهُ في ذَلِكَ، كَمَا نَتَّبِعُهُ في تَصْحِيْحِ الحَدِيْثِ إذَا صَحَّحَهُ.
وهَذَا الشَّافِعِيُّ مَعَ إمَامَتِهِ يُحِيْلُ القَوْلَ على أئِمَّةِ الحَدِيْثِ في كُتُبِهِ، فيَقُوْلُ: «وفِيْهِ حَدِيْثٌ لا يُثْبِتُهُ أهْلُ العِلْمِ بالحَدِيْثِ» انْتَهَى.
وهَذَا حَيْثُ لا يُوْجَدُ مُخَالِفٌ مِنْهُم لذَلِكَ المُعَلَّلِ، وحَيْثُ يُصَرِّحُ بإثْبَاتِ العِلَّةِ، فأمَّا إنْ وَجَدَ غَيْرَهُ صَحَّحَهُ؛ فيَنْبَغِي حِيْنَئِذٍ تَوْجُّهُ النَّظَرِ إلى التَّرْجِيْحِ بَيْنَ كَلامِيْهِمَا.
وكَذَلِكَ إذَا أشَارَ المُعَلِّلُ إلى العِلَّةِ إشَارَةً، ولم يَتَبَيَّنْ مِنْهُ تَرْجِيْحٌ لإحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فإنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلى التَّرْجِيْحِ، واللهُ أعْلَمُ».
وقَالَ أيْضًا (2/726): «وبِهَذَا التَّقْرِيْرِ يَتَبَيِّنُ عِظَمُ مَوْقِعِ كَلامِ الأئِمَّةِ المُتَقَدِّمِيْنَ، وشِدَّةِ فَحْصِهِم، وقُوَّةِ بَحْثِهِم، وصِحَّةِ نَظَرِهِم، وتَقَدُّمِهِم بِمَا يُوْجِبُ المَصِيْرُ إلى تَقْلِيْدِهِم في ذَلِكَ، والتَّسْلِيْمِ لَهُم فِيْهِ» انَتْهَى.
وقَالَ أبو المُظَفَّرِ السَّمْعَانيُّ رَحِمَهُ اللُه في «قَوَاطِعِ الأدِلَّةِ» (2/405) عِنْدَ رِدَّهِ على أبي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ في نَقْدِ الأحَادِيْثِ: «وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ الحَدِيْثِ أنَّ نَقْدَ الأحَادِيْثِ مَقْصُورٌ على قَدَمِ مَخْصُوصِيْنَ، فَمَا قَبِلُوهُ فَهُوَ المَقْبُولُ، ومَا رَدُّوهُ فَهُوَ المَرْدُودُ: وهُمْ أبو عَبْدِ اللهِ أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانيُّ، وأبو زَكَرِيَّا يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ البَغْدَادِيُّ، وأبو الحَسَنِ عليُّ بنُ عَبْدِ اللهِ المَدِينيُّ، وأبو يَعْقُوبَ إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيْمَ الحَنْظَليُّ، وأبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ إسْمَاعِيْلَ البُخَاريُّ، وأبو زُرْعَةَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الكَرِيْمِ الرَّازِيُّ، وأبو الحُسَيْنِ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ القُشَيريُّ، وأبو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بنُ إدْرِيْسَ الحَنْظَليُّ، وأبو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بنُ الأشْعَثِ السِّجْسِتَنانيُّ، وأبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِميُّ.
ومِثْلُ هَذِهِ الطَّبَقَةِ:يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِي، والثَّوْرِيُّ، وابنُ المُبَارَكِ، وشُعْبَةُ، ووَكِيْعٌ، وجَمَاعَةٌ يَكْثُرُ عَدَدُهُم وذِكْرُهُم، عُلَمَاءُ الأُمَّةِ، فَهَؤلاءِ وأشْبَاهِهِم أهْلٌ» انَتْهَى.
قُلْتُ: فَإذَا عَلِمْنَا خَطَرَ دِقَّةِ «عِلْمِ العِلَلِ» عِنْدَ أهْلِ الصَّنْعَةِ، وجَهَابِذَةِ الحَدِيْثِ، كَانَ عَلَيْنَا جَمِيْعًا أنْ نَتَّقِيَ اللهُ تَعَالى في المُسَارَعَةِ إلى تَضْعِيْفِ الأحَادِيْثِ دُوْنَ عِلْمٍ تَامٍّ ودِرَايَةٍ كَافِيَةٍ بعِلْمِ العِلَلِ الَّذِي قَلَّتْ مَعْرِفَتُهُ مُنْذُ أزْمَانٍ!
خِلافًا لمَا نَجِدُهُ اليَوْمَ مِمَّنْ ذَهَبَتْ بِهِ رِيَاحُ التَّعَالُمِ إلى التَّطَاوُلِ على «عِلْمِ العِلْلِ»؛ بحَيْثُ نَرَاهُ لا يَسْتَأخِرُ مِنْ تَضْعِيْفِ مَا ظَهَرَ لَهُ ضَعْفُهُ، ولَوْ بظَاهِرٍ مِنْ كُتُبِ «مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ»، وشُفُوفٍ مِنْ «كُتُبِ الرِّجَالِ»!
فمِنْ هُنَا؛ أصْبَحَ «عِلْمُ العِلَلِ» اليَوْمَ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ عَصْرِنَا: بَابًا مُشْرَعًا يَلِجُهُ كُلُّ مَنْ هَبَّ ودَبَّ، ولاسِيَّما مِمَّنْ تَزَبَّبَ قَبْلَ أنْ يَتَحَصْرَمَ، فاللهُ المُسْتَعَانُ!
وعَنْ خَطَرِ التَّسَرُّعِ في الأحْكَامِ على تَضْعِيْفِ الأحَادِيْثِ
يَقُوْلُ الخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في «الجَامِعِ» (2/257): «فَمِنَ الأحَادِيثِ ما تَخْفَى عِلَّتُهُ، فَلَا يُوقَفُ عَلَيْهَا إلَّا بَعْدَ النَّظَرِ الشَّدِيدِ، ومُضِيِّ الزَّمَنِ البَعِيدِ»، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ عليِّ بنِ المَدِينِيِّ: «رُبَّمَا أدْرَكْتُ عِلَّةَ حَدِيثٍ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً»!
* * *
أمَّا المُتَأخِّرُونَ: فَغَالِبُ أحْكَامِهِم على الأحَادِيْثِ؛ مَبْنِيَّةٌ على مَا هُوَ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الرِّجَالِ جَرْحًا وتَعْدِيْلًا، ورُبَّمَا قَلَّدَ أكْثَرُهُم بَعْضَ أئِمَّةِ «الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ» مِمَّنْ لَهُم حَظْوَةٌ ومَحَبَّةٌ في قُلُوبِهِم مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِم مَنْهَجُ أهْلِ التَّشَدُّدِ؛ لِذَا تَجِدُ كَثِيْرًا مِنْ طُلَّابِ الحَدِيْثِ اليَوْمَ مِمَّنْ خَاضُوا «ظَاهِرَةَ تَضْعِيْفِ الأحَادِيْثِ»: قَدْ رَكَنُوا إلى أقْوَالِ أئِمَّةِ الجَرْحِ المُتَشَدِّدِيْنِ أكْثَرَ مِنْهُم إلى غَيْرِهِم؛ لِذَا تَجِدُ لَهُم اهْتِمامًا بَالِغًا بكُتُبِ «العِلَلِ»؛ لكَوْنِهَا مَظِنَّةَ «تَضْعِيْفِ الأحَادِيْثِ»، ولَوُ بطَرَفٍ مِنَ العِلَلِ الخَفِيَّةِ، ولاسِيَّما فِيْمَا ذَكَرَهُ وألَّفَهُ أئِمَّةُ الحَدِيْثِ مِمَّنْ لهُم عِنَايَةٌ بعِلْمِ «العِلَلِ»: كأبي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، وابنِ المَدِينيِّ، والقَطَّانِ، والعُقَيْلي، وابنِ مَهْدِيِّ، والدَّارَقُطْنيِّ، وغَيْرِهِم.
وقَلِيْلٌ مِنْهُم اتَّخَذَ طَرِيْقَهُ سَرَبًا وَرَاءَ أئِمَّةِ الجَرْحِ المُعْتَدِلِيْنَ: كأحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، أو دُوْنَهُم: كابنِ حِبَّانَ، والحَاكِمِ، والذَّهَبِيِّ، وابنِ حَجَرٍ، وغَيْرِهِم.
لأجْلِ هَذَا؛ كَانَ لِزَامًا على طَالِبِ الحَدِيْثِ أنْ يَعْرِفَ مَرَاتِبَ أهْلِ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ، ولَوْ على طَرْفٍ مِنَ الاخْتِصَارٍ، وهُوَ مَا سَيَأتي في الفَصْلِ الآتي إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى.
والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ

فضيلة
الشيخ الدكتور
ذياب بن سعد الغامدي
ظاهرة تضعيف الأحاديث ص 159