المحقق المحشي

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى، لاسيما حبيبه المصطفى وآله وصحبه أجمعين، أما بعد ...
فقديمًا قال علماؤنا: "لا تأخذوا القرآنَ من مُصْحَفيّ ولا الحَديثَ من صُحُفيّ؛ إذ التصحيف متطرِّقٌ إلى الحروفِ، فيُقرأ المُهمَلَ معْجَمًا، والمُعجم مُهمَلًا" ([1])، وهذا الكلام صادرٌ عن تجربة، وتظهرُ معاناةُ طلبةِ العلمِ في مطالعة الكتبِ قديمًا من قولِ الصفدي: "فالتمسوا حيلةً، فلم يقدروا فيها إلا على الأخذ من أفواهِ الرجالِ" وهذا يدركه كلُّ مَن تعامل مع المخطوطِ- وهي كتب العلم في السابق-؛ فقراءة المخطوط لا تتيسر إلا بعلمٍ ودربة.
لكنَّ الطباعةَ الحديثةَ وما تبذله دورُ النشرِ الأمينة وما يبذله المحققون الثقاتُ من العناية والضبط والتحريرِ= قد يقضي على كثيرٍ من أسباب التصحيف والتحريف، لهذا قال الشيخ ابن عثيمين () -في بيان خطر الأخذ من الكتب دون شيخ-: " وهذا كلُّه فيما إذا كانت الكتبُ التي يقرأ منها ليس فيها بيانٌ، أما إذا كان فيها بيانٌ، كالموجودِ الآنَ من المصاحفِ –والحمدُ لله- فهو واضح."([2]).
وفي اعتقادي أنَّ المحقق يقوم بدور الشيخ المصحِّح الذي يتصدى لإقراءِ كتبِ العلماءِ السابقين، فهو يضبطُ الألفاظَ، ويفسر الغريب، وقد ينبِّه على أوهامٍ في الكتاب، وهذا يوجب على المتلقي أن يعرفَ شيخَه وأن يحسنَ اختياره؛ فلا يأخذ إلا عن أهل العلم والديانة، وذوي التدقيق والصيانة، وقد أردتُ بهذه المقالة وصفَ هؤلاء الذين يؤخذ عنهم، وتتزين كتبُ أهلِ العلم بأسمائِهم، كما تتجمَّلُ صفحاتُها بتحقيقاتهم وتعليقاتهم.
ويظهر من عنوانِ المقالة وصف المحقق بالمحشي، وهو وصفٌ لحق عددًا من العلماءِ، فقد ارتبطت أسماؤهم بكتبٍ قاموا بخدمتها وإظهارِ محاسنها ومحوِ مساوئِها، والمحقق الذي ننشدُه هو هذا المحشي الموصوف بالعلم، المعروف بالتخصص، كما اشتهر كبارُ أهلِ التحقيق، فهذا يهتمُّ بكتب أهل الأدب؛ لأنَّه معدود من الأدباء، وهذا يهتم بكتب الشريعة لأنَّه من كبار علمائها، وهذا عاكفٌ على كتب النحو واللغة لأنه نحوي، وهكذا وربما وجدتَ أحدَهم قد برع في علوم كثيرة؛ لهذا قد لا تجد فنًّا من الدراسات العربية والإسلامية إلا وقد ضرب فيه بسهم.
إذن فحديثي عن المحقق المحشي ليس بعيدًا عن الواقع، بل هو حقيقة مشاهدةٌ في جيل فريد، أمثال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد والأستاذ عبد السلام محمد هارون والشيخ أحمد شاكر وغيرهم، وفي واقعنا الذي نحياه لن نعدَمَ خيرًا من الكريم المتعال.
وفي هذه الورقة أنبِّه على طريقة تكوينِ جيلٍ من الباحثين أو المحققين لتراثنا العظيم والمنتشر في مكتبات العالم، هذه الطريقة تقوم على أن الباحث المحقق لتراثنا لا بد أن ينال قسطًا من التخصص في علمٍ ما قبل أن يبدأ في تحقيقِ شيءٍ من مخطوطات هذا العلمِ، هذا التخصص هو الخطوة الأولى في تكوين المحقق المحشي .
معنى المحشي:

والمُحَشِّي: اسم فاعل من قولِهم: حَشَّى الرَّجُل تَحْشِيَةً: كَتَبَ على حاشِيَةِ الكِتابِ، عاميَّة، ثمَّ سُمِّي مَا كَتَبَ حاشِيَة مَجازًا ([3]). حاشِيَةُ الكِتابِ: طَرَفُه وطرَّتُه ([4]).
والتحشية نوع من الشرح؛ يبيِّن هذا السيدُ صديق بن حسن بقوله في بيان التصنيف: " تأليفُ الكلامِ لتحريرِه نثرًا ونظمًا، والمراد ما في العلوم؛ فما لم يتعلقْ بغيرِه صريحًا فمتنٌ. أو تعلَّق متصلًا فشرحٌ مدمَجٌ، أو مفصولًا بـ( قال: أقول:) ونحوِها، أو على الطفرة فتعليقٌ وحاشيةٌ، ومن كلٍّ وجيزٌ ووسيطٌ وبسيطٌ" ([5]).
فقوله (): " أو على الطفرة فتعليقٌ وحاشيةٌ " يبيِّن أن الحاشية نوع من الشرح، متميزٌ بوقوعه على شكل طفرات، والطفرة: القفزة ([6])، أي للمحشي قفزات في الكتاب الأصل، وإن شئتَ قلتَ: وقفات، فهو يقف عند بعض الجمل أو الكلمات من الأصل يبيِّنُ قصدَ المؤلفِ، وأحيانًا يستدرك عليه، فيُقيِّدُ ما أطلقه، ويخصِّصُ ما عمَّمه، ويشرح غريبَ منطوقِه، ويُظهرُ فائدة مفهومِه، وينبِّه على فروقِ قواعده، واستثناءاتِ ضوابطه، وغير ذلك مما يقوم به الشارح أيضًا.
والتاريخ يحفظ أسماءَ محشِّين لا تقل قيمة حواشيهم عن الكتاب الأصل، مثل الانتصاف من الكشاف لناصر الدين ابن المنير المالكي ( تعالى)، وهناك حاشية أخرى على الكشاف قد قمت بتحقيقها هي الإنصاف من الانتصاف من الكشاف لعلم الدين العراقي (ت: 704 هـ)، وقد اهتم العلماء بهذه الحواشي ونقلوا عنها.
وعندنا – أيها المالكية- حاشية محمد بن الحسن البُناني (ت: 1194 ه) على شرح مختصر خليل لعبد الباقي ابن يوسف بن أحمد الزرقاني (ت: 1099 ه)، وحاشية الشيخ علي الصعيدي العدوي (ت: 1189) على شرح المنوفي لرسالة ابن أبي زيد، وحاشيته على شرح الخرشي لمختصر خليل.
التحقيق التخصصي الموجَّه:

فالمراد بالتخصصي هو أن يقوم التحقيق المنشود على باحثين أو علماء تخصصوا في فنٍّ معين، مع اتقانهم لفن التحقيق ومعرفتهم بأدواته، فهذه مجموعةٌ للتاريخ والتراجم، وهذه مجموعة للتفسير وعلوم القرآن، وأخرى للحديث الشريف ومصطلحه، وهكذا.
والمراد بالموجَّه هو توجيهُ هيئةٍ علميةٍ تحدد الأولويات، وتقسم الأعمال، وتختار الباحثين الجادين، وتضع المعايير العلمية إلى غير ذلك من نواحي التنظيم والإدارة لهذا العمل العلمي العظيم، هذا العمل يحتاج إلى قلوب المخلصين المحبين لتراث الحضارة العربية الإسلامية لتكوين هذه الهيئة وتوفير الدعم المادي والمعنوي لها، ولا شك أنه عمل يحتاج إلى دعمِ دولي من الدول العربية والإسلامية.
هذا التحقيق التخصصي الموجه يفتح الآفاق لتحقيق كتب التراث المطولة التي تنصرف عنها دور النشر مخافة تكلفتها، ومن الممكن أيضًا أن توضع التجربة الرائدة لمعهد المخطوطات العربية في النشر الإلكتروني كبديل عن النشر الطباعي لتوفير النفقات؛ فتحقيق التراث وإتاحته للباحثين هو الهدف.
الخاتمة:

المحقق المحشي مطلبٌ عصري؛ لأنَّ عصرنا هو عصر التخصص، وأيضًا هو اتباع لأسلافنا العظام من أهل الحواشي، والعمل العلمي البناء هو نتاج مؤسسات بحثية ترعى فرق عمل متخصصة، ولا بد لنا من أن نُخططَ لمواقع أقدامنا ومستقبل حضارتنا.
والله المستعان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
د. إبراهيم أحمد السناري




([1]) يراجع: تصحيح التصحيف وتحرير التحريف، لصلاح الدين الصفدي، تح السيد الشرقاوي، مكتبة الخانجي- القاهرة، ط 1 ، 1407 ه / 1987 م (ص 9).

([2]) يراجع: شرح حلية طالب العلم، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية- القصيم، ط 1 ، 1434 ه (ص 110).

([3]) يراجع: تاج العروس من جواهر القاموس، للسيد محمد مرتضى الزَّبيدي، مطبعة حكومة الكويت، 1385 هـ / 1965 م، تحقيق عبد الستار أحمد فراج وآخرين، مادة (حشي) (37/439).

([4]) يراجع: تاج العروس من جواهر القاموس، للسيد محمد مرتضى الزَّبيدي، مادة (حشي) (37/436).

([5]) يراجع: أبجد العلوم، للسيد صديق حسن القنوجي، تح عبد الجبار زكار، وزارة الثقافة والإرشاد – دمشق، 1978 م (1/213).

([6]) من قولهم: طَفَرِ فُلَانٌ يطفِرُ طَفْرًا وطُفُورًا: قفز، وطفر وَالشَّيْءَ: قفز من فَوْقِه وتخطاه إِلَى مَا وَرَاءَه. يراجع: القاموس المحيط ، لمجد الدين الفيروزآبادي ، إشراف محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة ، ط 8 ، 1426 ه / 2005 م (ص 431) مادة (طفر) والمعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، مكتبة الشروق الدولية – القاهرة ، ط 4 ، 1425 هـ / 2004 م (ص 559).