بسم الله الرحمن الرحيم

النَّجْوىَ فِيْ القُرْآنِ الكَريْم ، المَفْهُوم وَ الدَّلالات

مقدمة :
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أعتدنا على تنوع المفردات القرآنية وثرائها ، هذا التنوع الذي لم يكن أبداً لغرض الترادف بمعنى تطابق المعنى و تغاير اللفظ ، بل كان تنوع متابع لتغير الحال ، فكل مفردة وإن دقّ خفاء معناها وتقلصت الفروق بينها وبين أختها ولكن لن نجد بديلا لها في موضعها ذلك أن لها محلاً معنوياً لا يسده سواها.
والنجوى إحدى تلك المفردات التي تدخل في الإسرار والإضمار و الإبطان والإخفاء والعديد من المفردات المتشابهة معنىً المختلفة فرعاً.
وكما اعتدنا سنعرف النجوى ومفهومها ومن ثم ننطلق لمواضعها في كتاب الله لنرى مدى تطابق التعريف مع سلوك المفردة ومواضعها في القرآن الكريم.
النَّجْوَى : كلُّ حَدِيثٍ بِشَأنِ غَائِبٍ غَافِلٍ عَمَّا يُقَالُ فِيْه ، وَيَدوُرُ بَيٍْنَ اثْنَيْن فأكْثِر.
ولنتتبع بعض الإضاءات والمحددات المعنوية التي تبين النجوى وتفرقها عما يشابهها من الأفعال :
الأولى : أن النجوى تتميز بغياب صاحب الامر عن الحديث الذي يدور بشأنه ، وﻻ يمنع سماع أحدٍ من الناس لما يدور في هذه النجوى عدا من يجري الحديث بشأنه.
الثانية : تختلف النجوى عن السرّ فالسر ما خفي في نفس العبد الواحد أو تعدى تداوله الواحد إلى اثنين أو أكثر ﻻ يتطرق إليه سمع أحد ، وﻻ يشترط أن موضوع السر ومادته حديث بشأن أحد.
الثالثة : أن النجوى قد تكون سرية حتى عمن لا علاقة لهم بالحديث ، فإن للمتناجين أن يسرون نجواهم فيخفونها عمن حولهم من الناس وقد ﻻ يعتنون بذلك.
الرابعة : أن النجوى في أصلها فعل سوء لانطواءها على غيبة ، فالجمع يتناجون بشأن غائب ويغلب على ذلك ذكر ما يكره أو التآمر على فعل السوء والمكر بالآخرين لأنهم لا يحرصون على إخفاء الحديث عن صاحب الأمر إلا لأن الحوار ينطوي على ما يسوءه ، ولكن الله تعالى قد استثنى من النجوى السيئة حالات معينة.
الخامسة : أن السر أشمل وأعم من النجوى ، فيقل عن الاثنين للانسان نفسه عندما يُسرُّ في نفسه أمراً ، ولكن النجوى لا تقل عن اثنين.


النَّجْوَى فِيْ القُرْآن الكَرِيْم
وهنا نتتبع آيات كتاب الله الحكيم لنتلمس مدى توافر أركان النجوى بالصورة التي توصلنا لها في التعريف السابق إيضاحه:
لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
[النساء:114]
قلنا بأن النجوى في أصلها قول سوء لأنها كما قلنا تذكر غائباً بما يكره ، واستثنى الله منها في هذه الآية الأمر بالصدقة والمعروف ، والإصلاح بين الناس ، ولا شك أن تلك المناجاة في هذه الحالات المحمودة تستلزم ذكر غائب يحتاج للصدقة أو غني لينصح بإخراج صدقة أو إصلاح بين متخاصمين ينبغي ذكرهم في النجوى لتحقيق ذلك الصلح أو قول معروف لا يسوء المذكور حصوله.
فهنا يَعِدُ الله أن من يتناجون فيما استثناه الله رغبة في رضى الله من حالات بالأجر العظيم.


أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) التوبة


الله يخبر نبيه عن المنافقين ونجواهم التي يغتابون فيها المطّوعين من المؤمنين في الصدقات ويتفق ذلك مع مفهوم النجوى وهو ذكر غائبٍ بما يكره ، فيتناجون بقول السوء بحق المؤمنين وهم يعلمون أن الله يسمع ويعلم قولهم الباطل ، وهنا نجد اقتران بين السر والنجوى ، فالسرّ يشير لما أخفوه عن الناس وتداولوه بينهم ، والنجوى تشير لقول السوء على الغائبين من المؤمنين.
فتحققت أركان النجوى ، الاجتماع الخاص ، ذكر الغائب بالسوء (لمز المطّوعين والسخرية منهم).


فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَىٰ (62) قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ (64) طه

فنجوى ملأ فرعون هنا مقتصراً عليهم لا يطلع عليه سواهم فكانت (سراً) اقتصر على الملأ ، وموضوع المناجاة هو اتهام الغائبين (موسى وهارون) بأنهما ساحران ، و تمالئوا وتآمروا لجمع الكيد الذي يصرف الناس عن الاستجابة لهم ، فكانت النجوى بمفهومها الذي وضحناه متحققة الأركان من حيث الاجتماع الخاص وذكر غائب بالسوء.


أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) الزخرف
فالله يعلم ما يسرون في أنفسهم و يخفون من كفر ويسمع ما يدور بينهم من أسرار ، ويسمع ويعلم نجواهم التي يسرونها أو يعلنونها للإيقاع الأذى بأهل الإيمان ويبرمون في نجواهم ما يسعون به للإضرار بأهل الحق وهم غافلون عما يقال فيهم ولكن الله يسمع ورسله يكتبون و يدونون ما يتناجون به و يسرونه بينهم.



لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ(3)قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) الأنبياء


فكانت نجواهم : هل هذا إلا بشرٌ مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ، فتحققت أركان النجوى بالاجتماع سراً وذكر الغائب بالسوء واتهامه بالسحر ، ولكن نجواهم مقتصرة على بعضهم البعض فقد أسروها فيما بينهم ، وهنا تكريس لمفهوم انعقاد النية واستقرار اليقين بالكفر والاطمئنان إليه ، وقد اعقب ربنا بقول النبي مخبراً بما أخبره الله عنهم وعن قولهم فقال لهم : ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم ، فهو يعلم قولكم السوء ونجواكم إذ تسرونها وتظنون أنها إذ تخفى على الغائب المذكور بالسوء فإنها لا تخفى على الله وهو مخرجٌ ما كانوا يكتمون.



نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الإسراء:47]
فحين يُقرأ القرآن وحين يدعوهم النبي فإنهم يتلهّون عن حديثه ويتناجون بينهم بالسوء في حق الغائب عن هذه النجوى فيتهمونه بالسحر في نجواهم ، فيتحقق بذلك مفهوم النجوى وأركانها من حيث اجتماعهم دون من حولهم و تعلقها بالغيبة وذكر الغائب بما يكره.


النَّجْوَى فِيْ سُوْرَةِ المُجَادَلَة
لقد تميزت سورة المجادلة عن سواها بأحكام النجوى واحتوت على تبيان لماهيتها بما يتفق مع ما سبق وأن بيناه في هذا المقام ، والمجادِلة هي الصحابية الجليلة خولة بنت ثعلبة زوجة الصحابي الجليل أوس ابن الصامت ، وعندما ظاهر منها أوس اغتمت وذهبت للنبي وناجته في أمر زوجها ، فكانت شكواها لله ثم لنبيه مما وقع عليها من ظهار بلسان زوجها كان ذلك من النجوى ، إذا كان في هذه النجوى ذكر لغائب وهو زوجها أوس فحق أن يكون هذا الفعل (نجوى)، ولكنها من النجوى المستثناة (إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) فكانت نجوى حميدة ، إلا أن أركان النجوى تحققت من جهة اجتماعها بالنبي دون من سواهما ، ومن حيث ذكرها لغائب وهو زوجها.


قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:1]
وقد مر بنا ارتباط النجوى بالسماع والعلم ، فمعظم آيات النجوى تشتمل على صفة السمع والبصر والعلم بالغيب ، وكذلك هذا الموضع الذي هو إحدى صور النجوى.



أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7]
وهنا بيان لعلم الله اللامتناهي في السماء والأرض ، وأن النجوى (حديث اثنين فأكثر) لا تخفى على الله ، سواءً كانت نجوى سوء وغيبة ومكر بالغافلين ، أو كانت نجوى خير وإصلاح أمر بمعروف و صدقة .

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ
[المجادلة:8]
لقد سبق النهي عن النجوى (الحديث المتعلق بذكر غائب بسوء وهو الغيبة المحرمة شرعاً ) ولكنهم يعودون للنجوى برغم إخبار النبي لهم بوقوع تلك النجوى كما أخبره الله ، فيحصل منهم الإصرار على النجوى ، يكون تناجيهم متعلق بغائب وهو النبي (الإثم والعدوان و معصيت الرسول) فكان مفهوم النجوى وتعلقها بذكر غائب بالسوء متحققة هنا ، وقد توعدهم الله بهذا بجهنم وبئس المصير.


الفرق بين النجوى والغيبة
الغيبة أعمُّ منَ النجوى ، فالغيبة لا يشترط فيها الخفاء بل ركنها الأهم غياب المذكور لدى جمع من الناس فيأتون على ذكره بما يكره بالغيبة أو بالبهتان إما على سبيل التندر والسخرية أو الإنتقاص والبغضاء ، في حين أن النجوى متعلقة بالممالأة على الشر والمكر بالآخرين أو بإبرام أمر السوء وإبطان الشر عن الغافل المذكور بين المتناجين.
والغيبة لا يشترط فيها العداء والشر ، فالله أثبت رابط الأخوة بين المغتاب ومن يغتابه فقال :


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات:12]
فالمغتاب يذكر أخيه بالسوء في غيابه معلناً غيبته أحيانا في مجالسه وعموم حديثه بينما قد تكون النجوى خفية حتى عمن يتواجد قرب المتناجين حيث يختلي المتناجين عن الناس حتى ليظنون أن النجوى بشأنهم فيحزنهم وخاصة إن كانوا ثلاثة واختلى اثنان منهما دون الثالث ، فقد اُثِرَ النهي عن مناجاة الاثنين دون الثالث لكون ذلك يحزنه ، والحزن هنا هو الريبة والخشية من أن يكون هو المعني بالنجوى وهو من يأتمرون بشأنه ويتفقون على إيقاع الأذى به ، قال رسول الله --: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه)

يقول تعالى :

إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة:10]
أي أن النجوى تحريش للشيطان بين الناس وأزٌّ يتبعه استجابة من المتناجين ممالأة على الإضرار بالمؤمنين ولكن تآمرهم بإيقاع الضرر بالذين آمنوا لن يضرهم إلا بإذن الله إن هم توكلوا على الله وآمنوا به ، فالنجوى فتنة تجر فتن وتفسد بين الناس ، عن أبي الدرداء عن النبي أنه قال : إن الفتنة إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت أسفرت، إن الفتنة تلقح بالنجوى، وتنتج بالشكوى، فلا تثيروها إذا حميت، ولا تعرضوا لها إذا عرضت، إن الفتنة راتعة في بلاد الله تطافئ خطامها فلا يحل لأحد أن يأخذ بخطامها، ويل لمن أخذ بخطامها . ثلاث مرات ، فكانت النجوى مثار الفتنة ومنشؤها.


النجوى بين يدي رسول الله
لمّا كانت النجوى تنطوي على ذكر بالسوء لغائب بدون علمه في خلوة بين المتناجين فقد ذمها الله تعالى ونهى عن النجوى التي يذكر فيها غائب عن المتناجين مالم تكن تلك النجوى أمرٌ بالصدقة أو بالمعروف من الأفعال أو الإصلاح بين الناس ، وأما سواها فهي عمل ينطوي على الشر دون الخير.
ولمّا كان بعض حديث الصحابة للنبي "نجوى" فيحملون خبراً عن غائب كتلك التي ناجت الرسول وجادلته في زوجها أو وشاية أو شكوى تحمل الانتقاص أو ذكر السوء ، فقد كان ذلك مما لا يناسب حضرة النبي الأعظم فأمر الله من يستطيع أن يتصدق إن كان حديثه للرسول نجوى قد تنطوي على ذكر لغائب بسوء فيكون التصدق تحوطاً لما قد ينال المؤمن من الإثم فقال :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المجادلة:12]
والآية الكريمة ترد على من ادعى أن الصدقة هنا فريضة نسخت أو ابطلت لأن الله في الآية يقول (فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) فهذا دليل على انتفاء وجوبها وإلا لكان رفعها يقابله كفارة من صيام أو طاعة توازي الفريضة المتروكة كالإطعام في ترك الصيام لعذر فكانت الآية تكرس المعنى الذي مضى معنا بأن طبيعة النجوى وما تنطوي عليه من حديث سوء بحق غائب تجعلها مما يحتاج معه المؤمن إلى كفارة عما قد يكون اجترحه من قول بحق غائب فأرشد اللهُ الناس للصدقة.
ويختلف إلى رسول الله أعداد كبيرة من الناس يسألونه في أمور دينهم ويستفتونه في ما يعترض حياتهم ، والبعض منهم يتضمن حديثه ذكرٌ لأخٍ له أو زوج أو جار ونحو ذلك ، وقد يعتري حديثه الزلل والغيبة أو ذكر الغائب بالسوء أو البهتان ، ولما كان النبي طرفا في ذلك الحديث فقد أمر الله المناجي بالصدفة تكفيراً عما قد يكون بدر من المناجي من قول ظالم أو اتهام أو إساءة أو قول مكروه بمن ناجى النبي بشأنه.



أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المجادلة:13]
ويبين الله هنا بأن تَقْدِمَة الصدقات بين يدي النجوى ليست واجبة ولم تفترض على المسلمين ولذلك أسميت "صدقة" فإن لم تجدوا صدقة تقدموها فإن الله غفور رحيم ، وإن أشفقتم أن تقدموها - أي تجدونها و تشفقون من إيتائها شحاً أو فقراً أو نحو ذلك - فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله بما تعملون خبير ، فهو يعلم سركم ونجواكم.


والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد