قلِ اِن كان للرحمن ولد-sans-titre.jpg

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،
أما بعدُ:

فقال الله في سورة الزخرف:
(قُلِ اِن كَانَ لِلرَّحْمَـ’ـنِ وَلَدٌ.
فَأَنَآ أَوَّلُ الْعَـ’ـبِدِين).
اختلف العلماءُ في معنى (إنْ) في هذه الآية:
فقالت جماعةٌ من أهل العلم: إنها شرطية، واختاره غيرُ واحد، وممن اختاره: ابنُ جريرٍ الطبريُّ.
والذين قالوا إنها شرطيةٌ، اختلفوا في المراد بقوله: (فَأَنَآ أَوَّلُ الْعَـ’ـبِدِين)،
فقال: بعضهم: " فأنا أول العابدين لذلك الولد "،
وقال آخرون: " فأنا أول العابدين لله على فرض أن له ولداً "
وقال آخرون: " فأنا أول العابدين لله، جازمين بأنه لا يمكن أن يكون له ولد".
وقالت جماعةٌ : " إن لفظةَ (إنْ) في الآية نافيةٌ،
وعلى هذا فمعنى الآية: ‘ ما كان لله ولدٌ، فأنا أول العابدين لله، المنزهين له عن الولد، وعن كل ما لا يليق بكماله وجلاله ‘
...
- من أضواء البيان للشنقيطي -
وعلى كونها نافيةً : المغاربةُ، لأنهم يتبعون وقفَ الإمام الهبطي، وهو يقف على كلمة (ولد)،
فمَن اعتقد أنها شرطيةٌ، يصل المقطعَ بعضَه ببعض، ولا يقف على (وَلَدٌ)،
ومن اعتقد أنها نافيةٌ، وقف على (وَلَدٌ)،
قال أبو بكرٍ محمدُ بنُ القاسمِ الأنباريُّ (ت328هـ) في كتابه:
"إيضاحِ الوقفِ والابتداء في كتاب الله " :
" قال الحسن: (معناه: 'ما كان للرحمن ولد' والوقفُ على: 'الولد' ثم تبتدئُ : (فَأَنَآ أَوَّلُ الْعَـ’ـبِدِين)، على أنه لا ولد له. والوقف على (العابدين) تام"
وقال أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ محمدٍ النحاسُ (ت 338هـ) في كتابه:
" القطعِ والائتنافِ " :
" قال يعقوب: ( ومن الوقف: 'قُلِ اِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ' فهذا الوقف التام عند قوم، ومعنى ‘إن‘ عندهم بمعنى: ‘ما ‘ ".
قال أبو جعفر: " و‘إن‘ هاهنا بمعنى ‘ما‘ مرويٌّ عن الحسنِ وقتادةَ ، ورَوى ابنُ أبي طلحةَ عنِ ابن عباسٍ قال:
" (إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) [فَوَقَفَ] "،
قال يعقوبُ: (لم يكن للرحمن ولد فأنا أول العابدين) ".
قال أبو جعفر: " ‘إن‘ بمعنى: ‘ما‘ معروف عند جميع النحويين،
قال جل وعز: (إِنِ الْكَـفِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ)".
وقال الحافظُ المُقْرئُ: أبو عمرٍو الدانيُّ (ت444هـ) في كتابه:
" المكتفَى، في الوقف والابتدا " :
" ومِثلُ الوقف التام: (قُلِ اِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) إذا جَعَلْت ‘إنْ‘ بمعنى: ‘ما‘ التي للجحد، وهو قولُ الحسن وقتادةَ،
فإن جعلت شرطا بتقدير: ‘قل ان كان للرحمن ولد بزعمكم‘
- وهو قول مجاهد والسدي - لم يتم الوقف على (ولد) ".
وقال بسنده عن ابن سلام في قوله : (قُلِ اِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) ثم انقطع الكلام، ثم قال: (فأنا أول العابدين على أنه لا ولد له)" .
وانتصر الشيخُ العلامةُ محمدٌ الأمينُ الشنقيطيُّ - - في تفسيره الكبير:
(أضواءِ البيان، في إيضاح القرآن بالقرآن) ، على كونها نافيةً،
وأنَّ كونها شرطيةً مخالفٌ للعقيدة الصحيحة، ومن اعتقد ذلك فقد أتى بمعنى فاسد وخاطئ في حق الله ،
وتكلم في هذه الآية بأسلوب المناطقة، وحاجَّ مَن قالوا بأنها شرطيةٌ، وردَّ أدلتَهم بأخرى نقليةٍ وعقليةٍ، وشنَّع عليهم تشنيعا كبيرا،
وأجاب على الاعتراضات الواردة، أو التي قد تَرِدُ،
وهي من المسائل التي أطال فيها ، وحرَّرَها في خمسٍ وعشرين صفحةً!
فمن أراد التوسع؛ فليرجع إلى تفسيره...
ورجَّح كونَها نافيةً أيضا: شيخُنا مصطفى البحياوي -حفظه الله - عند توجيهه لقولِه تعالى بسورة إبراهيم : (وإنْ كان مكرهم لِتزولَ منه الجبال) على قراءة الجماعة (كسر اللام الأولى وفتح الثانية:《لِتزولَ》)،
قال مكيُّ بنُ أبي طالبٍ (ت:437هـ) في الكشف:
وحجة مَن كسر اللامَ الأولى وفتح الثانية أنه جعل ‘إنْ‘ بمعنى: ‘ما‘،... " فاستشهد الشيخُ بقوله تعالى: (قُلِ اِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ)، وأن هذه مثل تلك، وأيد الوقف الذي درج عليه المغاربة، والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.

في: 10 شعبان 1439هـ.