جرى كاتب الأسطورة على سلوك سبيل التهويل في التنقيص من قيمة السنة النبوية والمرويات المسندة إلى رسول الله بدعوى أنها تناقض القرآن الكريم وتهون من شأنه وتجعله نصا في الرتبة ثانيا، وتجعله ترانيم تتلى للتبرك وطقوسا للاستشفاء من الأمراض والأدواء الجسدية والنفسية، ولقد علا صوت الكاتب في هذا الباب حتى صاح ونعق وبالغ في رفع الصوت حتى أصم الآذان وصكَّ الأسماع( انظر ص 30 من الكتاب)، وكلامه ذاك مشتمل على كثير من المغالطات فمن ذلك:

- طنز الكاتب وسخريته من الأحاديث بقوله إنها غدت هي السائدة الطاغية، فأين وجد الكاتب ذلك في زماننا؟ ومن هم العاملون بهذه المرويات؟ وماذا يُنتظر من مجتمع إسلامي يؤمن بأن السنة هي الوحي الثاني..إلا عملا بمقتضيات هذه السنة، والتزاما بهديها وسمتها..

- سخرية الكاتب بتأثير القرآن الكريم في مداواة كثير من الأمراض والأدواء، ظاهرها وباطنها، وإذا كان الدواء المادي بخواصه وتركيبه قد أودع الله فيه ميزة إصابة الداء والقضاء عليه، فكيف لا يكون ذلك في تأثير بعض المعنويات في الماديات، خاصة إذا كان الأمر متعلقا بمعنى المعاني وجوهر الجواهر وياقوتة اليواقيت ودرة الدُّرر: القرآنِ الكريمِ طبِّ القلوب وشفائِها، وعافيةِ الأبدان ودوائِها، وروح الأجساد وأنفاسها؟؟

- وأما قولُ الكاتب إن القرآن الكريم قد قصُر دورُه في هذا الزمان على طرد الشياطين فهو مع ما فيه من الطنز- فيه ردٌّ لما قد ثبت في صحيح السنة وثابتها من الأمر بتعلم الزهراوين البقرة وآل عمران قال:" فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة يعني السحرة- ( أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما وقال الهيثمي في بعض طرقه رجاله رجال الصحيح).

- وأما سُخرية الكاتب من كون القرآن الكريم ترياقا فعالا للعين والحسد والأمراض المعنوية التي ليس فيها للطب المادي مدخل فظاهر ٌ من قوله المحكي في ص30، ونحن ندعوه لكي يبرز علينا بحلة جميلة كأنه في يوم عيد مع تصفيف شعر وتجميل وجه، وتزيين لباس، وتلميع حذاء كأنه في يوم زفافه، ونهار سعْده، وندعو له من نعرف أنَّ عينه تصيب في مقتل مُهلك، ثم نتربص به حتى نرى فيه أمارة الإصابة وعلامة الضرْبة...وعندها نقول له أوجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟؟

وأما الرقية بالقرآن الكريم للحسد ففي محكم التنزيل دليله، وهناك حجته وبرهانه، فهل يحفظ الكاتب قوله تعالى من سورة الفلق التي يحفظها الصغار المبتدئون:" ...ومن شر حاسد إذا حسد"؟ أم تُراه ينتصر للقرآن الكريم ضد السنة النبوية وهو لا يعرف آياته وسوره، ومحتواه ومضمونه، وأحكامه وشرائعه؟؟ وهو صنيعٌ معروفٌ من هذه الطائفة المارقة لا يهمُّها قرآنٌ ولا سنةٌ بل همُّها الوحيد الدَّفع في النُّصوص، والتَّرسيخ لثقافة التأويل، والترويج لنظريات الغالب المتسلِّط في هذا العصر.

- وفريةُ الكاتب بخصوص أن القرآن الكريم قد غدا في الأعم الأغلب وسيلة للاسترزاق فتلك فريةٌ ليس ُيتَّهم بها الإسلام في أصوله وقواعده ونصوصه القرآنية وأحاديث نبيه ، إذ لم يعلم من تلك الأصول والقواعد إلا جواز الجُعل على الرقية بالفاتحة لمن أصيب كما هو مزبور في محله من كتب الصحاح والسنن والمسانيد...وأما سوى ذلك مما شاع في مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليومَ من الاسترزاق من القرآن الكريم سرا وظاهرا فمرجعُهُ العادة والعرف، فكيف يُسْخَر من الآخذين بالسنة النبوية وفهمهم القرآنَ الكريمَ من طريقها وسبيلها وتحكيمهم لحديث النبي في كل صغيرة وكبيرة بدعوى استرزاق بعض المسلمين اليوم بالقرآن؟؟

ويمضي الكاتب في ص30 وما والاها في التنقيص من قيمة السنة النبوية ويسوق لذلك حديث:" ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه"، ويدفع في صحته ومعناه ويجادل في مدى صحة الاحتجاج به في معرض بيان مكانة السنة من التشريع الإسلامي، ولنا معه ههنا وقفاتٌ:

- يستشهد الكاتب المتشبع بما لم يعط بكلام طويل لمحمود أبي رية الوارد في كتابه:" أضواء على السنة النبوية"، وهو الكتاب الشهير الذي نال به كاتبه لعنة الله ورسوله والناس أجمعين، وحوسب فيه المؤلف محاسبة شديدة، فكُشف خطؤه وفُضح غلطه على ما هو مبسوط فيما كتبه العلامة الدكتور المجاهد مصطفى السباعي في كتابه الشهير" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي"، وغيره من كتب أفردت خاصة للرد على أبي رية.

- تصريح الكاتب بمصدره في ردِّ الاستشهاد بحديث": ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" يؤخذ منه أن الكفر ملة واحدة، والحداثة شِرعةٌ واحدة، والتغريبَ مشربٌ واحد، وأنَّ الشبهات المثارة ضدَّ السنة النبوية واحدة، فيخترعها الأول فيتابعه عليها الثاني، فيَلوُكها الثالثُ المتأخر.

- وترى الكاتب في صفاقة وجهٍ، وقلة حياء وأدبٍ يترحم على أبي رية ويثني عليه الثناء العاطر..وهو أمرٌ عادي منْ مِثل هؤلاء المتخاذلين ممن يتشبث بأوهى سبب للطعن في السُّنن، ويُجهد نفسه ليبحث عن سلفٍ سابقٍ عليه في الدَّفع والاعتراض وسبحان ربنا القائل:"ذرية بعضها من بعض"... يوالي بعضُهم بعضا وينصر بعضُهم بعضا..

- يتمادى الكاتبُ في غيه سادرا إذ يشتط في وصف حديث:" ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" بالخبل..وهو به أولى وألصق و أنسب، إذ كيف يوصف حديث أخرجه أئمة الحديث ونقاده، وجُماَّعه ووعاته، فمن رفعائهم الإمامُ أحمد في مسنده برقم 17574 والمروزيُّ في السنة برقم 244 والآجريُّ في الشريعة برقم 97 والطبرانيُّ في مسند الشاميين برقم 1061 وابنُ حبان في صحيحه برقم 97 ( موارد الظمآن) وأخرج نحوَه من أئمة السنة أيضا أبو داود في السنن برقم 4604 والترمذيُّ في السنن برقم 2664 وابنُ ماجه في السنن برقم 12 والدارميُّ برقم 606 والحاكم في مستدركه برقم 371 وفي بعض طرقه قال الحاكم:" على شرطهما وتركاه"، فهؤلاء أئمة الدين وحفاظ السنة والمشتغلون بها أعمارَهم كلها، لو نظروا إلى الكاتب لاضطرب منه الفؤادُ، وتزعزعت الأركان، ولتساقطت منه الأسنان، و...فكيف يصف الحديثَ بالخبل، فيكون على هذا رواته من المخبولين؟...ألَا قاتلَ الصَّفاقة وقلة العلم والحياء..كم لذلك من هلكى ومخبولين؟؟

- تباكى الكاتب المسكين في ص32 و33 على من قال من أهل العلم السنة تنسخ القرآن بما يشعر أنه ينتصر للقرآن الكريم، وأنه يلتزم حدودَه ورسومه، وهل هي إلا حيلة لإقصاء السنة النبوية من حياة المسلم في هذا العصر، وترسيخ لمبادئ ومقومات حياة معاصرة جديدة شرقية غربية، وجنوبية شمالية، لا تستند إلى ماض تليد، ولا إلى شرع حكيم...

وبدهيٌّ أن الكاتب الذي ليس يَعُدٌّ السنة النبوية شيئا ذا قيمة تشريعية لا يمكن إلا أن يدفع نسخَها للكتاب العزيز، ذلك لأن مَنْ فهِم الفهْمَ الجيِّدَ عن الله ورسوله وعن أئمة المسلمين عبر تاريخ هذا الدين القويم- يرى أنَّ الكتاب وحي والسنة وحي، فكيف لا يخدم الوحيُ الوحيَ بيانا لمجمله وتفسيرا لمشكله ونسخا لبعض أحكامه مع ضوابط مرعية ومنهجية مرضية يعلمها الراسخون في العلم من علماء هذه الأمة المرحومة الأبيَّة..

وتستمر المعركة...