يتمادى الكاتب في غيه سادرا في محاربته لصحيح السنة وثابتها، ومنقولها ومرويِّها حتى إنه يرى في مروياتها المسندة، وأحاديثها المتصلة حربا للقرآن الكريم وترويجا للباطل الذي تشبثت به كل نحلة ظهرت في الإسلام من لدن عصر الفرقة والتشرذم إلى عصر الاتحاد والقوة.

ولنا فيما أورده الكاتبُ تحت هذا العنوان الصارخ المثير:" حرب المرويات"ص34 وقفاتٌ ونظرات نقدية، فمن ذلك:

- ليس الأمر على ما قد صوَّره الكاتبُ منْ أنَّ كل نِحلة نجمتْ في تاريخ الإسلام قد اخترعت مئات الألوف من الأحاديث التي حاربت بها خصومها، كالحال عند الشيعة الذين واجههم جهلة أهل السنة بمئات الألوف من الأحاديث لمجادلتهم والنيل من قواعد مذاهبهم وأصولهم.

ونحن هنا نقول للكاتب - الذي بيَّت أمرا في نفسه أراد أن يستدل عليه فأجْلبَ مِنْ كل فِرية في تاريخنا لنصرته وتقريره حتى غدا- كما قد تهيأ له في نفسه المريضة- نظرية علمية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها- أين تلك الألوف من مئات الأحاديث التي تمَّ اختراعها استعدادا للحرب التي توهَّم الكاتبُ أنه سيشعل فتيلها، ويقدحُ زنادها لتهدُّ صرح صحاحنا ومسانيدنا ومصنفاتنا ومعاجمنا وأجزاءنا الحديثية؟؟

وهو – فلَّ الله ُحديدَه- لو قُدِّر له أن يعيش أعمارَ الجامعين للحديث والأثر في أمتنا المحدثة جميعهُم - لما استطاع أنْ يثبت بالدليل العلمي الصحيح الصريح ألفا من الأحاديث التي تمَّ تزويرها من قبل فرقة واحدة منسوبه زورا إلى الإسلام..فضلا عن ألفين أو ثلاثة آلاف، أو مائة ألف، أو مئات آلاف كما ادعى في عبارته التي يوقَف عليها فيحاسبُ حسابا عسيرا..

ثمَّ لو فرضنا جدلا وجود هذه " الحرب" – حرب المرويات الموضوعة المكذوبة التي أعلن عنها فأين كان جهابذة أهل النقد والجرح منها؟ أليس من مقاصد وجودهم نقد المزور المكذوب والموضوع المدخول؟ أم أنَّ الكاتب لا يثق بهؤلاء الجهابذة النقاد، ويدَّعي عليهم المشاركة في الوضع والتلفيق والكذب والتزوير؟؟

ونحن إذا سايرنا الكاتبَ في دعواه لتساقط علينا كل علم تعبتْ أجيال من أمتنا في تشييده ورفْع أساسه، و لتساقطَ علينا العلمُ الحافظُ لقرآننا كتابِ ربنا، إذ مبنى هذا العلم على النقل الذي تتوافق فيه كلُّ طبقة من طبقات الإسناد على صفة واحدة من النقل وهو ذاك المسمى التواتر اصطلاحا…فالطاعن إذن في رجالنا الذين هم في أسانيدنا والمتهم لهم بالتزوير والتدليس والكذب- طاعنٌ لا محالةَ في نقل القرآن الكريم الذي يُوهم صنيعُ الكاتبِ أنه يدافع عنه وينتصرُ له على حساب السُّنن التي أشعل فتيلَ النار فيها فيما سماه:" حرب المرويات".

ولقد علمَ المنصفُ الباجث في تاريخ الوضع في المرويات أن ذلك كان في قدر محدود منها قد بحثه باحثون، ووقف عليه واقفون، وانتقده منتقدون، وميزه مميزون، وصنف فيه مصنفون، فصارت لنا في تاريخ التأليف في الحديث كتب تسمى" كتب الموضوعات"..ليس فيها القدْرُ الذي ادعى الكاتبُ وجودَه فيها، فليس في كتاب:" الموضوعات الكبرى" لابن الجوزي مثلا هذا العدد الهائل من الأحاديث المكذوبة؟ وكل كتابٍ صُنف بعد زمان ابن الجوزي في الموضوعات المكذوبات ككتاب تنزيه الشريعة المصونة لابن عراق و واللآلئ المصنوعة للسيوطي و الفوائد المجموعة للشوكاني ففيها ما في موضوعات ابن الجوزي وزيادة لا تصل إلى المئين…بل لو قال قائلُ إن ما في كتب الموضوعات جميعها لا يساوي مئات الألوف التي ادعاها الكاتبُ لما أبْعدَ.

ومما يصحح لك هذا ويؤكده، ويعضده ويبينه ما ورد من أقوال الثقات التي نقلت إلينا مروية مزبورة، فمن ذلك قول المهدي الخليفة:" أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعمائة حديث فهي تجول في أيدي الناس"، ومنه اعتراف ابن أبي العرجاء أنه وضع أربعة آلاف حديث، وأقصى ما وجدته في هذا أن عدد الموضوع يصل إلى أربعة عشر ألف حديث موضوع( انظر توثيق هذه النصوص في الموضوعات الكبرى لابن الجوزي1/37 من طبعة المكتبة السلفية بالمدينة النبوية)، فأين ما ادعاه الكاتبُ المتهوِّر الخسَّافُ من مئات الألوف الموضوعة في الحديث؟؟؟

- ولقد يفرح الكاتبُ باعترافنا بوجود مئات من الحديث الموضوع، ويقول المهم أن السنة قد دخلها الزيْد فلا ثقة بها لاختلاط الصحيح بالسقيم، والضعيف بالثابت، فنتوقف في الجميع، وحسبنا القرآن نأخذ به، فهو يكفينا ويغنينا- ونحن نقول في الردِّ إن السنة محفوظة من الدخل والتزيد والكذب كحفظ القرآن الكريم، إذ قيض المولى لها رجالا غربلوا الحديثَ غربلة الناقد البصير، فلم يدعوا حرفا غير ثابت أن ينزل منزلة الصحيح المعتمد، وميزوا كل ذلك تمييزا لا مزيد عليه في التثبت والاستيقان حتى بلغوا في ذلك الغاية وأشْفَوا على النهاية، فما تركوا لذي قول قولا، ولصاحبِ نقدٍ نقداً حتى انتزعوا في التصحيح والتضعيف اعتراف خبراء التوثيق في العالم المعاصر...فهل يصح بعدُ أن يجيء من لا يعرف في ناحية قاصية من العالم يجادل في هذه الحقيقة..وما مَثلُ الكاتب في هذا إلا كَمَثل نملة قيل لها احملي فوق ظهرك ذرة فقالت في غُرور وتيهٍ بل أحمل كرة..فحملتها فما هوَ إلا أنْ حاولت ْحتى قتلتها الكرة والحمد لله ربِّ العالمين؟؟؟

- كانت حركة التنقيح والتهذيب والتضعيف والتمييز مصاحبة لحركة الوضع والافتراء، فلم يكن بينهما بونٌ شاسع، وزمان متطاول، حتى يقال إن الكذب قد فشا في الناس فُشُواًّ ذريعا لم يصْفُ معه صحيح ثابت..يقول سفيان- أُراه الثوري- :" ما ستر الله أحدا يكذب في الحديث"( الموضوعات الكبرى 1/48)، وما ترك الجهابذة النقاد وقتا للكذاب وقتا ينشر فيه كذبه بين الناس، إذ كشَفوهُ من قريبٍ، وفضَحوُه من وشيكٍ..يقول عبد الله بن المبارك:" لو همَّ رجلٌ في السَّحَر أن يكذب في الحديث لأصبح الناسُ يقولون فلان كذاب"(الموضوعات الكبرى1/49).

- ولقد غاب عن الكاتب الذي لم يقرأ يوما ما تاريخ الحديث والمحدثين في الإسلام إلا في هوامشه وحواشيه التي سودتها يدُ مستشرق سوداء أو مسخَها قلم ُحداثي منهزم موتور- أن هناك دواوين رجال كذابين وضعفاء مجاهيل قد علمت أسماؤهم، وعرفت أشخاصهم، واتُّهموا بالفرية، وميزت فريتهم فقيل هذا فلان كذاب قد وضع حديث كذا وكذا..أمْ أنَّ هذا التدقيقَ وذاك التفتيشَ لا يُعجب الكاتبَ لأنه يَهدٌّ عليه ما قد بنى، ويأتي على قواعده من الأساس؟؟

- يُسِفُّ الكاتبُ إسفافا قاتلا عندما يعدُّ السنة النبوية تراثا ص36 وهل هي في ميزان الحق كذلك؟ إن المقصود بالتراث هنا ما يُشعر بالمذمة والمنقصة ويجافي المِدْحة والمنقبة...إن التراث عند أصحاب هذا الاتجاه العلماني الحداثي يعني كلَّ موروث ثقافي تكون مصادره أسطورة أو خرافة أو عادة اجتماعية أو إِلفا وضعيا ...فهل الوحي في شقه السني وبُعده الحديثي أسطورة وخرافة وعادة اجتماعية وإلفٌ وضعي؟؟

إنَّ ضرْب السنة النبوية في مصدرها الإلهي، ضربٌ لبُعدها التشريعي، وتهميش لدورها في الفصل والتحكيم..وفي الحق فإن غاية هذا الاتجاه العلماني العربي إسقاط مكانة الوحيين معا في التقنين والتشريع، واستبدال ذلك بقوانين جديدة تستمد مادتها من ثقافة أجنبية وبيئة غريبة دعيَّة.