إذلالٌ قسري وتمزيقٌ قهري!

نظرت الآن قدراً لا قصداً، إلى مشهد آثم لسرب من العفائف وبعضهن يحملن أولادهن، وهن مصفوفات، لا، بل كل واحدة بجانب كرتون من التمر؛ ليأتي ذلك المصور المأجور بكاميرته المشؤومة ليصور تلك المشاهد المخزية!

والله لم أتمالك نفسي، ولم يحتمل ضميري تلك المشاهد المقززة لنساء فقيرات معيلات لا يملكن اللقمة، يخرجهن -بعض أهل الخير!- من بيوتهن وخدورهن؛ لإعطائهن كرتون تمر، أو سلة غذائية!

آه، للضرورة، ألا قبح الله الضرورة؛ فإنها توقّح الصورة!
آه، للفقر.. لو كان الفقر رجلاً لقتلته!
آه وآه ثم آه.

أقولها، -وليقل مَن شاء ما شاء-: إذا كان فاعل الخير والمتصدق لا يتصدق إلا بهذه المشاهد الشادخة للحياء، والمسيلة لماء الوجوه؛ فلا بارك الله له في ماله.

فإن إراقة ماء الحياة دون إراقة ماء المُحيّا

إذا كان المتصدق لا يثق فيمن يخوله، فلينظر له آخر، وما عدم الصدق ولا الصادقون.
وإذا احتاج المتصدق إلى توثيق، فليكن بتصوير المواد أو السلل الغذائية، أو توقيع استلام، أما تصوير رجال ونساء وهم -ربما- يبكون، وفي موطن ذل وعجز؛ فإن هذا استغلال للضعف الإنساني!

ولا أظن التاجر والمتصدق يستمتع برؤية هذه المناظر المفزعة، ولكنها المبالغة من بعض المسؤولين، وحب الظهور، القاصم للظهور!

وفي الحديث: (ارحموا عزيز قوم ذل) فكم من عزيز لا تنهنهه الجبال الرواسي، ولكن حصل له ما حصل من الآفات والأزمات!

وأين أنتم من قول نبيكم : (إن صدقة السر؛ تطفئ غضب الرب) وقوله عليه الصلاة والسلام: (سبعة يظلهم الله في ظله، ومنهم: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)

بل إن فعلكم هذا من الأذى، ربما المبطل لأجر الصدقة،
المبيَّن في قوله سبحانه: "يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى" وهذا من أعظم الأذى الذي لا يرضاه عفيف.
وقد نهى الله عنه بقوله تعالى: "قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم"

قال الطبري: "قولٌ جميل، ودعاءُ الرجل لأخيه المسلم، وسترٌ منه عليه لما علم من خَلَّته وسوء حالته، خير عند الله من صدقة يتصدقها عليه (يتبعها أذى)، يعني: يشتكيه عليها، ويؤذيه بسببها".

وأذكر، قبل مدة، طلب إلي أحد الناس أن أصوّر بعض الأُسَر، على أن يعطيهم سللاً غذائية؛ فرفضت بشدة، وقلت: والله لا أشتري عفتهم وعفافهم بمبلغ من المال، أو كيس من البر!

وبالمقابل، اتصل علي أحد الموسرين، وقال لي: اعط فلاناً مبلغاً من المال، وأسألك بالله، أن لا تخبره باسمي.
فشتان بين الموقفين!

والعجيب، أن البعض يستدل بقول الله تعالى: "إن تبدوا الصدقات فنعما هي" على تصوير مشاهد البؤساء والفقراء!
وليس هذا استدلال صحيح، بل المراد: إظهار صدقتك أنت؛ ليقتدى بك في التصدق، لا إظهار المتصدَّق عليه وتصويره بحالة ذل وانكسار.

فيا أيها الناس، اتقوا الله في أنفسكم، وليضع كل واحد منا موضع هذا المصوَّر، أو يضع أخته أو زوجته أو أمه موضع تلك المصوَّرة المسكينة العفيفة التي أخرجتموها من بيتها المكنونة؛ بحجة الإعاشة.. هل يرضى هذا المتصدق أو ذاك المخوَّل.. هذا الإذلال لنفسه أو لأهله؟!

إني أقول لهؤلاء: إن الأيام دول، والدهر قلّب، والرحمن كل يوم هو في شأن (وكما تدين تدان) (والجزاء من جنس العمل)
ولا تظنن أنك بمأمن من الفقر أو الحرب، بل كل واحد يوطن نفسه على المكروه، حتى تهون عليه الشدائد، ولا -والله- لا أتمنى الشر لأحد، ولكنها ذكرى، لعلها تنفع "والذكرى تنفع المؤمنين"

إن هؤلاء العفائف يعشن العام كله على عمل رجالهن -ولله الحمد- أو تصدق بعض الأخفياء الذين لا يعرفهم الناس، لكن الله يعرفهم..
فيأتي شهر واحد يُحتاج فيه إلى كل هذه الزوابع!

يا هؤلاء، مَن تكونون عند المحسن الفاضل: عبد الرحمن السميط، فقد أغنى الله به ملايين، وأسلم على يده ملايين، ولم يفعل كأفعالكم الشوهاء.
فقد كان مرة -- في رحلة إلى القارة المنسية، فأراد بعض رفاقه تصوير توزيع المعونات؟!
فرفض الدكتور ذلك، وقال لهم: صوِّروا فرحتهم بدخول الإسلام، ودعوا انكسارهم أمام الحاجة!

الله أكبر، هذا هو سمو الأخلاق، والشعور بالآخرين، وإرادة وجه الله والدار الآخرة.

ويأيها الفقراء، لا تبيعوا عفتكم وحياءكم من أجل حفنة من الدقيق، أو كيلاً من الزيت، فخزائن الله ملأى، وما هؤلاء إلا أسباب فقط، "لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا" "ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرا"
ولا أزايد على أحد، فكلنا -والله- محتاج، لكن أن يصل الأمر إلى الامتهان، فلا طاعة ولا إذعان. (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله)

هذه صيحة خرجت من صدري المتحشرج، وقلبي الزافر؛ لأضعها هنا، وسيهتدي بها من أراد الله هدايته "إن عليك إلا البلاغ"

وأرجو أن تصل رسالتي هذه للمتصدقين والمسؤولين على ذلك؛ حتى تكون سبباً في رجوعهم عن طريقهم الخاطئ الشانئ.
والله العاصم والقاسم.

(اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك)

وليد بن عبده الوصابي.
وقت السحر ١٤٣٩/٩/٤.