من شأن المعترض على أمر قد تواطأ الناس على تبجيله أن لا يترك منفذا يمكن أن يدخل عليه فيه إلا وانتقده وأجرى فيه اعتراضه، وهذا الذي سلكه المعتقد أن صحيح البخاري أسطورة، وذلك عندما عقد فصلا من كتابه سماه:" آفة علم الحديث" ومن عناصره مطلب وسمه الكاتب بــــ:" الحديث في القرآن"، ولقد كنا لأول وهلة نحسب أن الكاتب ساع في استجلاب الآيات من الكتاب العزيز قصد الاحتجاج بها على قيمة الحديث النبوي وبيان مكانته في التشريع الإسلامي، لكنه إنما أراد إبراز " الحديث " على أنه ليس اسما علَمًا أصيلا على" أقوال وأفعال وتقريرات رسول الله ، وأوصاف المصطفى الخلقية والخلقية" ونسجل هنا قبل مناقشة الكاتب وتعقبه – أنه قد خاض في غمار علم لم يتقنه من غير سلاح مسعف، وآية ذلك من كلامه خلْط وخبْط يطالعك في ص 41 و42 و43 مع إسفافٍ في العبارة وقلة زاد في البيان حتى إنه ليخيل إليك أنك تقرأ في كراسة تلميذ مبتدئ يتعلم التعبير والإنشاء ويتدرب على الإفصاح عما يتخالجه من مشاعر وأحاسيس، ولنا فيما ذكره الكاتب ههنا في هذا الفصل وقفات وتعقبات نسوقها كما يلي:
أولا: ادعى الكاتب أن في أهل الحديث من يُدخل في مسمى الحديث أقوال الصحابة والتابعين، وليس الأمر على ما قد ذكره الكاتب إذ أن لفظ " الحديث" صار اسما علَما على ما قد ورد عن النبي خاصة، وعلى هذا جاءت عباراتُ أهل هذا الشأن، يقول الجعبري في رسوم التحديث في علوم الحديث ص53:" الحديث النبوي:" كل ما ورد عن النبي بعد البعثة تشريعا"، وقال الحافظ ابن حجر في نزهة النظر ص41:" الحديث ما جاء عن النبي .." ، وقال السخاوي في فتح المغيث شرح ألفية الحديث1/22 الحديث:" اصطلاحا ما أضيف إلى النبي قولا له أو قولا أو تقريرا أو صفة حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام" فهذه كلمات أهل هذا الفن الذين عليهم المعول فيه- في شرح معنى الحديث، وهي ناطقة بأنْ ليس في الحديث أقوال الصحابة والتابعين، ومعلوم عند أصحاب الفِطرَ السليمة والعقول الصحيحة أنه ليس يعول في معرفة معنى مصطلح من المصطلحات الفنية أو العلمية إلا على أصحاب الخبرة في ذلك الفن، ولا يعول في شرح تلك المصطلحات على فهْم فاهمٍ غريب أجنبي عن أهل الصنعة كالكاتب مثلا مهما علا كعبه في العلم أو اشتد عوده في الفهم...أَماَ ولا علمَ ولا فهْم فالمستعان الله.
ولقد صار الحديث علَما على أقوال وأفعال النبي وترسخ ذلك حتى في زمن النبوة، فيروى في بعض الحديث:" إياكم وكثرة الحديث عني"، كما ورد صحيحا ثابتا قول النبي لأبي هريرة كما في البخاري:" ...لقد ظننت يا أبا هريرة أنْ لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث".
ثانيا:لقد ميز أهل هذا الفن بين المروي عن النبي وبين المروي عن غيره من الصحابة والتابعين، فقالوا في الأول حديث مرفوع، وهو كما يقول ابن الملقن في التذكرة في علوم الحديث ص15:" ما أضيف إلى النبي خاصة متصلا كان أو غيره"، وقالوا في الثاني موقوف على الصحابي أو: مقطوع وهو الموقوف على التابعين قولا أوفعلا..
ثالثا: ليس صحيحا ما ادعاه الكاتب من أن أهل الحديث قد جمعوا في كتبهم بين أقوال النبي وأقوال غيره ممن الصحابة والتابعين، وأنهم أضفوا على تلك الأقوال كلها صفة" القداسة" و" الشرعية" و" المصدرية"، إذ يدل صنيع أئمة هذا الشأن على أن لهم في كتبهم مقاصد مختلفة فمن لاحظ منهم تقديم العناية بالحديث المروي عن النبي كالبخاري ومسلم ومن نحا نحوهما – أورد ذلك في الشواهد وأصول الأبواب، وما إيراد هذا الضرب لبعض المروي عن الصحابة والتابعين في المتابعات وعناوين الأبواب إلا من قبيل الاستئناس أوالشرح للحديث عن النبي أو إثبات لمبادرة الصحابة أو التابعين إلى العمل به، وأما من خلَط - بمعنى جمع وليس بمعنى اختلط الأمر عليه- فإنما قصَد إيراد كل ما في الباب سواء أكان مرفوعا إلى الحبيب المصطفى أو موقوفا أو مقطوعا على الصحابي أو التابعي..مع علمه بالتمييز بين المستشهَد به الذي يقتضي العلم والعمل وهو المروي المنقول عن صاحب الشرع، وبين المروي المنقول عن الصحابة أو التابعين مما يعني ائتساءً واقتداء.
رابعا: كلام الكاتب ههنا في ص41 عن الصحابة لازمُه أنه غير معظِّم لمقام الصُّحبة، هاضم لحقوقه، قادح فيه، وهو صنيع لا يستغرب من مثله، فالكاتب قادح في الحديث، متوقف في نسبته إلى النبي ، ومن تجاسر على ذلك كان لما سواه أجسر...ونحن هنا لا ننتظر منه أن يؤوب إلى الرشاد الذي عليه المسلمون قاطبة ما عدا فئام منهم من أن الصحابة عدول كلهم، وأن الذي عدَّلهم هو الله تعالى، وذلك أن اختارهم لمقام الصحبة، لنقل السنة، وهذا يكفي، وإنما كان من الكاتب غمزٌ ولمزٌ للصحابة لأنهم نقلة السنة والرُّواة الأُوَّل لها، فإن هو أسقطَ الاحتجاح بالصحابة أسقط الاحتجاج بالسنة فأسقط الاستدلال بالبخاري وصحيحه...ُ
خامسا: ليس يُستغرب من الكاتب أن يسم فصله هنا بمسيم:" آفة علم الحديث"، لأن هذا العلم الجليل ليس يحبه رجلٌ مثله، كيف وهو علم لا يبغضه إلا أهل الأهواء والأغراض والإيديولوجيات والفلسفات الحداثية الجديدة التي تدعي اجتهادا ولا اجتهاد، وتُنمى إلى التجديد ولا تجديد، ولسنا ننتظر من كاتبٍ سخَّر قلمه - إن كان أصيلا غير سارق – لهدم صرح أعظم كتاب في الحديث- أن يمدح علم الحديث، ولا المشتغل به، ولا مؤلفاته، وآفة الكاتب- في الحق لا آفة علم الحديث- أنه لا يعرف هذا العلمَ ولا طلَبه من أهله ولا قرأ فيه كتابا، ولا يدري أن هذا العلم علم إسلامي خالص، وأنه أدقُّ من الشَّعرة وأحَدُّ من السيف، وأعدل ميزانا وأقوم طريقا من كثير من طرق التثبت والتيقن التي توصل إليها الإنسان منذ كان إلى عصرنا هذا...
سادسا: يطول عجبي من جرأة الكاتب وهو السني – إن كان كذلك- على الصحابة، وتصنيفهم في ص 41 إلى جاهل ومنافق وفاسق...فكيف يكون في هذه الطبقة الممتازة التي اختارها الله لنصرة نبيه الجاهل والفاسق والمنافق، وأين كان ذلك ومتى وقع؟ أفي المدة النبوية أم في خلافة أبي بكر أو عمر أو في عهد عثمان وعلي؟ أو بعد ذلك بدهر؟؟ وماذا يعني الكاتب بالجهل هنا أهو جهل معرفة أو جهل عبادة أو جهل عين؟ وما بال النفاق الذي وصم به الكاتب بعض الصحابة؟؟ وما الذنب الذي اقترفه بعض الصحابة حتى صاروا عند الكاتب فسقة...وكأنَّ الكاتب يريد أن ينبهنا إلى فتح جديد قد وُفِّق إليه من دون الخلق طُراًّ مفاده أنه إذا كان في الصحابة الجاهل والمنافق والفاسق فكيف لنا ونحن نشترط في الراوي للحديث العدالة – أن نقبل رواية الفاسق والجاهل والمنافق من الصحابة...فيسقط بهذا حديث كثير قد يكون رواه البخاري..فيسقط لذلك كتابه ويغدو أسطورة وخرافة ووهَماً يباع للناس؟؟؟
ألا ما أبعدك يا رجل عن العلم...الصحابة كلهم بلا استثناء من لابس الفتنة ومن اعتزل عدول عدَّلهم الله قبل العباد...فما بقي لك أن تقول؟؟...وما بدَرَ من بعضهم من هَناتٍ فمحمولٌ على مخالفة الأوْلى، ومنْ ذا يسْلمُ من مخالفة الأوْلى من الشيوخ النُّبْل والنبهاء الكُمَّل؟؟
وتستمر المعركة...