يقول تعالي "قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35) يوسف .
تعرض الرسل عليهم الصلوات والسلام عبر مسيرتهم الدعوية ,وكذلك أتباعهم علي مدار التاريخ للتهديد من أتباع مدرسة الانحراف والفساد في الارض تعرضوا الي القتل والتهجير والنفي والإخراج من الأوطان و السجن " وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) الأنفال ,ويقول تعالي " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) إبراهيم
وقد اخبرنا القران انه من الأنبياء من قتل ومنهم من هاجر من وطنه وعلي رأسهم محمد صلي الله عليه وسلم
وأما السجن فلا نعلم أحدا من الأنبياء عاش تجربة السجن إلا يوسف فتجربة السجن في حياة يوسف كما حكاها القران في السورة التي سميت باسمه فيها آيات للسائلين وفيها محطات وعبر مهمة يحتاج إليها الصالحون السائرون علي درب الأنبياء
هددت امرأة العزيز يوسف بالسجن إن لم يستجيب إلي طلبها في إتيان الفاحشة فاختار السجن وقال "رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه" وقد استشكل بعض المفسرين قول يوسف رب السجن أحب إلي كيف يكون السجن أحب إليه " وفي أثر ذكره القرطبي أنه لما قال: رب السجن أحب إلي أوحى الله تعالى إليه: يا يوسف أنت جنيت على نفسك ولو قلت: العافية أحب إلي عوفيت، وهذه من الاسرائليات البغيضة التي تسيء إلي الأنبياء ينبغي أن ننزه يوسف عنها فيوسف نبي يختار الله له دعائه وكلماته كما يختار له مصيره وموقعه ومواقفه فهو مجتبي ومصطفي ومختار من بين الناس لأداء رسالة الله
يقول الطاهر بن عاشور "فالإخبار بأن السجن أحب إليه من الاستمتاع بالمرأة مستعمل في إنشاء الرضى بالسجن في مرضاة الله - تعالى - والتباعد عن محارمه ، إذ لا فائدة في إخبار من يعلم ما في نفسه فاسم التفضيل على حقيقته ولا داعي إلى تأويله بأسلوب المفاضلة
وقد بدا لي وأنا أتأمل هذه الآية في سياقها من السورة أن يوسف بعد التهديد من امرأة العزيز استعاذ بالله وحده وطلب ان يصرف عنه كيد هؤلاء النسوة " وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ "فتاتي الاستجابة السريعة من الله " فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " " لكن كيف صرف عنه كيدهن ؟ تأتي الآية بعدها لتبين المصير الذي صار اليه بعد ان صرف الله عنه كيدهن " ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ "فالله صرف عنه كيدهن بدخوله السجن عندما قال يوسف سيكون السجن أحب إليه من هذه المعاصي فكان دخول يوسف السجن ,هو مقتضي الاستجابة من الله في صرف كيد النسوة عنه ,فكان السجن ليوسف منجاة ,وملاذا آمنا من الفتن والشرور التي كانت تريد النسوة الإيقاع به فيها ثم أسفرت تجربة السجن بعد ذلك ليوسف عن ظهور العلامات و المؤهلات والمنح الإلهية ليوسف , التي كان يعده الله لها فعندما قص يوسف رؤياه علي أبيه علم أبوه ان الله سيجتبي يوسف وسيصطفيه وسيعلمه من تأويل الأحاديث وسيتم عليه نعمته كما فعل مع أبويه إبراهيم واسحق, ولم تظهر هذه المناقب, والمنح الموعود بها من قبل إلا عند دخوله السجن ففي السجن ظهر انه صديق وانه من المحسنين وقام بوظيفة النبوة فدعا القوم إلي عبادة الله وحده وعدم الإشراك به و وظهرت عليه المعجزات فما من طعام يأتيهم إلا يستطيع يوسف أن يخبرهم به قبل ان يأتيهم وهذا من علم الله له ثم فسر لصاحبيه في السجن رؤياهما ووقعت كما ذكر فتأكدوا ان يوسف عليه سلم ليس إنسانا عاديا ,بل هو ذو شان عظيم تحتاجه الأمة ويحتاجه الملك اذا ألمت بهم الأزمات وكل ذلك لم يظهر إلا في فترة السجن فلقد فتحت مع فتح الزنزانة كنوز المنح والعطايا الإلهية التي تنبأ بها النبي يعقوب لابنه ، يقول الأستاذ أديب إبراهيم الدباغ: “فالآلام رغم قسوتها هي جمال، لأنها طريق النفوس إلى الصفاء والنقاء. والصفاء والنقاء هو الجمال كل الجمال، وما من ألم أو حزن يصيب المؤمن إلا وهو خير له، لأنه يزيد في خصب روحه وقوتها. ولذلك اعتبر الأستاذ بديع الزمان النورسي السجون والزنزانات والمنافي للصالحين والمصلحين هي مدارس يوسفية” تؤهل المؤمنين لتحقيق وعد الله لهم وتظهر فيهم ما اودعهم الله فيهم من مزايا ومناقب , في السجون او المدارس اليوسفية يعاد للمؤمن اكتشاف نفسه ويعاد للمجتمع اكتشاف المؤمنين وحاجته اليهم