المعركة تحت راية البخاري 12
لما كان الكاتب كارها لعلم الحديث متبرما منه لأنه يهد عليه نظريته في صحيح الإمام البخاري حاول أن يثبت أن ما يسميه المشتغلون بالسنة النبوية " علم الحديث " خرافة لا أصل لها من " العلمية" ولا سند لها من " المصداقية"، ولا قاعدة لها صلبة تظهر " صدقها" و" صحتها"، فأعد الكاتب المتشبع بما لم يعط لذلك عدته لأنه يعلم جيدا أنه ليس سهلا أن يهد شيئا قد ترسخ في الذهنية العلمية عند المسلمين من قرون متطاولة وألفت فيه كتب كثيرة ودرج طلاب العلم الشرعي في العالم عليه.
والكاتب هنا يستعين بغيره ممن تأثر به قطعا، فيجلب منه شبهة أن علم الحديث ليس علما منضبطا كبقية العلوم الدنيوية المعروفة، وكان الذي أسعفه في هذا الذي أراد أن يقرره قبل إسقاط سيد الصنعة الإمام البخاري وكتابه العظيم الجامع الصحيح- أحد أعلام الحداثة في السودان الدكتور عماد محمد بابكر حسن، وهو طبيب نفساني، عاش في لندن، وكتب كتبا تدل على اتجاهه الفكري الحداثي الذي يهدف إلى" تجديد" النظرة إلى " التراث الإسلامي " قرآنا وسنة وقراءة الوحيين قراءة جديدة على ضوء علوم ومعارف العصر، في انتصار بيِّن لهذه العلوم وإن حصلت المخالفة للنصوص...ومن كتب هذا الرجل في هذا المجال: كتابه الشهير:" آذان الأنعام دراسة قرآنية علمية لبحوث داروين في الخلق والتطور، وهو كتاب ينتصر فيه الكاتب لداروين ويقول فيه إنه أراد أن يتأمل ملكوت الله في الخلق ويثبت عظمة الخالق في سنة التدرج الطبيعي..، كما أن من كتب عماد حسن كتاب يلوح من عنوانه أنه حداثي تجديدي يقرأ السنة بعيون ناقدة جديدة – سماه:" أمي....كاملة عقل ودين"..قلت: وماذا عسى يأخذ الكاتب من هذا الرجل؟؟ وواضح أنه سيرث عنه كل نظرية نقدية حداثية لتراثنا الديني قرآنه وسنته..
ومما يلاحظ على الكاتب في هذا السياق أنه قد اعتمد على ما انتهى إليه الطبيب النفساني السوداني من غير نقد أو مراجعة له، على انه يقال لسنا نطالبه بالنقد والمراجعة ما دام أنه ليس يملك القدرة عليهما، فكان بذلك مقلدا لغيره من القارئين لتراثنا الإسلامي قراءة نقدية مع إضافات لا تبدو جوهرية لا تعدو أن تكون هوامش توضع على الطُّرة على كتابات هؤلاء الحداثيين الكبار الذين لهم مؤلفات مشهورة أو انتقادات معلومة سائرة بين الناس.
وبتأمل هذا الفصل الذي عقده الكاتب في ص45 من كتابه تبدو لنا عليه التعقبات التالية:
 ينفي الكاتب تبعا لأستاذه الطبيب النفساني عماد حسن عن " علم الحديث " أن تكون له قواعد ثابتة، ونحن هنا لا يمكن أن نعدَّ اعتراض الطبيب اعتراضا، لأنه متكلم في علم ليس يحسنه، ولا درسه ولا كانت شهادته العلمية فيه، ولم يمض فيه سنوات التخصص، ولا ألف فيه، ولا جالس فيه أعلامه ولا خالطه مخالطة اللاهج به، الملازم لشدائده العارف بمسالكه الوعرة، المطلع على غرائبه، إذ كيف يُحكمُ على علم من غير معرفة تامة به، والطبيب كما قرأنا في ترجمته من صفحته في الفايس عاش في لندن، فكأنها عنده عاصمة الإسماع والتحديث في العالم الغربي؟؟؟ ولو فرضنا جدلا أنه قد شدا هذا العلم الشريف، والفن الرائع المنيف في السودان، فليس ذاك بكاف في أن يقول فيه بقول ينسفه نسفا ويهده هدا وينقضه نقضا ويأتي على قواعده قاعدة قاعدة ويحل هذه القواعد ليثبت أنه ليس علما علما..
 كيف يتهيأ لطبيب في النفس وغلُوائها وأدوائها أن يترقى إلى فهم علم قد دقَّ حتى على من أفنى عمره ملازما له لا يعرف غيره ولا يقرأ سواه ولا ينظر في كتب علوم أخرى. أم كيف يستجيز طبيب للنفس قد اشتغل بتقويم الخواطر وتلافي أدرانها ومعالجة رُعوناتها أن يتفوه ببنت كلمة في علم ليس يشرُف له إلا القلائل، وهو علم استنبطت قواعده من الكتاب ومنهج رسول الله
في التعامل مع المنقول وروايته؟ هذه واحدة.
 وثانية وما العلم الذي يتحدث عنه سعادة الدكتور وتابعه كاتبُ مراكش ومبدع الأسطورة، هل هوعلم الرياضيات في حساباتها الدقيقة ورموزها وعلاماتها التي يتوسل بها في عصرنا إلى توجيه الطائرات والسفن والغواصات والتقاط إشارات الصواريخ العابرات للقارات؟ أم هوعلم الكيمياء الذي يعنى بالذرات ومكوناتها وتفاعلها مع غيرها من المواد والعناصر، أم علم الأحياء الذي يعنى بحياة الكائنات أو علم الفلك الذي يبحث في العوالم العلوية والأجرام السماوية أم علم الجيولوجيا الذي يبحث في الأرض ومكوناتها وتاريخها ؟؟ هل يريد الدكتور النفساني والكاتب الحداثي أن يناظر بين علم الحديث وهذه العلوم؟ فإذا ثبت لديه تماثلها جوَّز أن يكون الحديث علما، وإذا ثبت عنده اختلافها منع من ذلك؟ إن الذي تقتضيه التجربة الإنسانية ومقولات المعرفة البشرية التي هي مبدأ العلوم ومنطلقاتها أن لكل فنِّ خصائصه، فعلم الحديث منهاج للتثبت من الأخبار المنقولة عن صاحب الرسالة ونبي الشريعة، ومجاله غير مجال العلوم التي ذكرناها آنفا والتي أوردها الطبيب ليبين أن الحديث ليس من سبيلها فإذن لا يكون علما.
 وهل يريد الطبيب والكاتب معه أن يجريان على نظام واحد في الحديث وعلومه كما هو الحال في الرياضيات وبعض العلوم الأخرى التي مضت آنفا بحيث إذا تخلف عنصر ترتب عليه عنصر آخر أو تخلف أحدهما تخلف الآخر؟؟
 وهذا وإن كان بعضه موجودا في علم الحديث فإنه ليس الصبغة العامة فيه لخصوصية الحديث وتميزه عن بقية العلوم الأخرى المادية والمعنوية، فمثلا إذا ثبت كذب الرجل في الحديث تُرك حديثه وقيل له كذاب، فالمقدمة الأولى تُسلم إلى الثانية والثانية تسلم إلى الثالثة وهكذا...
 لماذا يجادل هؤلاء الحداثيون في أن يكون " الحديث" علما ، وأن تكون له قواعد منضبطة؟ وقواعد هذا الفن تُعلم من مراجعة كتبه وكلام المشتغلين به، وهي قواعد دقيقة دقة قواعد الرياضيات التي دفعَ الطبيب والكاتب معه أن تكون قواعدها كقواعد الحديث؟ لماذا هذا الجدال في " علمية" الحديث ووجود " القاعدة" فيه؟؟ أليس ذلك من أجل ضرب هذه " القواعد" وإثبات أنها ليست قارة ثابتة؟؟
 وهو ما حاول الكاتب أن يصنعه لما ذكر في ص 45 و46 من كتابه أنه إذا طالع قواعد الجرح والتعديل التي تشكل في جملتها " علم الحديث" وقع في دوامة فهذا يكذِّب رجلا وذاك يوثِّقه، فما العمل وإلى أين المصير؟ وبماذا نأخذ؟ ثم يخلص الكاتب الذي أساء فهما فأساء قالةً – إلى أن التجريح والتعديل " تختلف فيه الآراء وتتحكم فيه الأهواء".
ولنا معه هنا وقفات قبل أن يوقفه الحساب والعقاب يوم يقوم الناس لرب العباد/
الوقفة الأولى: لا يوجد رواة في تاريخ نقلة الحديث وقع الاختلاف فيهم بين معدل يقول فيه كذاب، وآخر يقول فيه ثقة على الحقيقة، وقصارى ما أنت واجد في هذا الباب، أن يكون الرجل عدلا ثقة مائة في المائة عند عالم، فيأتي عالم آخر فيقف له على أوهام فيُنزل منزلته من الوثاقة إلى الضعف الذي لايكون شديدا بحيث يخرج الرجل عن دائرة الثقة بكل معانيها من الصدق والضبط..ولهذا قال الذهبي وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال:" لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة".انظر الرفع والتكميل في الجرح والتعديل للكنوي الهندي ص291.
الوقفة الثانية: أهل الحديث قعَّدوا قواعدهم انطلاقا من تصرفات أئمة هذا الشأن المستنبطة من القرآن الكريم في بيان منهج التثبت في النقل، والاستيثاق في الرواية، وقالوا إن مدار الرواية على الصدق، فحيثما وُجد قُبل الراوي ولو كان صاحب هوى بمعنى نحلة خاصة، ولذلك قبل الأغلب الأعم من علماء هذا الشأن الخوارج قالوا لأنهم لا يستجيزون الكذب في الرواية فعدوهم من أصدق الملل لسانا ورواية وحديثا، فمناط قَبول أو رفض الراوي ليس على الأهواء كما ادعى الكاتب بل المناطُ والمتعلَّق الصدقُ، وهو السبب في التعديل والتزكية، كما أنه السبب في التصحيح والقَبول، وهذه معاني دقيقة ومسالك وعرة لا يترقى فهم الكاتب إلى العلم بها وإن حصَّل فيها أعلى الشهادات ووصل فيها إلى أرقى الغايات، إذ من سُلب فقد سُلب...نقصد من سلب نعمة الغوص في هذا العلم الشريف فلقد سلب خيرا كثيرا، ومن قرأ هذا العلم هوايةً أو تعاطيا من غير شيخ موجِّه، أو معلم هادٍ، أو قرأه عرَضاً باحثا عن الثغرات، كاشفا كما قد يخيل إليه عن المعايب لم يرزق فهمه وصارت محاسنه مثالب، وإيجابياته قوادح...
الوقفة الثالثة: تثبت أهل هذا الشأن في الرجل المختلَف فيه فقالوا وهو القول المنصور لا نقبل الجرح فيه إلا أن يكون مفسَّرا بمعنى أن يوضِّح الجارح لمَ تركه وأسقط روايته ، فيُنظر في التفسير ألهُ تعلق بالرواية أم لا؟ فإن كان لا تعلق له بالنقل قُبل قول من عدَّله وقدِّم على قول من جرحه، لأن مدار هذا الشأن كما مر قريبا على صدق الراوي، فإذا تحقق ذلك لا يُلتفت إلى أمر قادح في الراوي غيره..
الوقفة الرابعة: ليس يوجد رواة كثيرون في تاريخ نقلة الحديث النبوي اختلف فيهم، فهم معروفون معلومون، قد أحصاهم علماء هذا الفن وخلصوا فيهم إلى نتائج فاتت الكاتبَ المسكينَ، وانتهى البحثُ الحديثي من هذه المسألة من زمان وصارت لنا كتب معتمدة لا يحبها الكاتب - وهي التي يحاربها- لا يوجد فيها إلا الحديث الصحيح والرجلُ الثقة العدل الذي يروي الصحيح...
وتستمر المعركة...