قال الله تعالى: "وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ(97) الأنبياء
هذه الآيات تبين سنة كونية مضت في الظالمين وهي أن الله إذا أراد هلاك قوم ظلموا فإنهم لن يعودوا إلي الإيمان مرة ثانية وهذه سنة مضت في الغابرين لم يسلم منها الا قوم يونس فقط "
فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ " 98 يونس , ومعناها أن الله إذا قضي عليهم الهلاك فسيظلون علي باطلهم حتي النهاية سواء نهايتهم أو نهاية الدنيا وهو ما عبرت عنه الآية بفتح السد الذي يحول بين يأجوج ومأجوج وهي مقدمات الساعة كما بين النبي صلي الله عليه وسلم في حديث عائشة , وقد ورد الحديث من قبل عن يأجوج ومأجوج ,وعن طبيعتهم في سورة الكهف أثناء الحديث عن ذي القرنين " قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا(94) الكهف فهم قوم مفسدون في الأرض طلب الناس من ذي القرنين باعتباره الحاكم العادل الذي اوتي أسباب القوة أن يحميهم من هؤلاء المفسدين وان يقيم سدا يحول بينهم وبينهم فأقام لهم سدا منيعا كما وضحت سورة الكهف .
وقد وردت في التفاسير أقوال كثيرة، وروايات كثيرة عن شخص ذي القرنين فقيل عنه انه هو الاسكندر المقدوني وقيل غير ذلك وعن طبيعة يأجوج ومأجوج فقيل عنهما أنهما قبيلتين من التتار وقيل غير ذلك وكلها أقوال لا تعتمد على يقين. وينبغي أن تؤخذ بحذر، لما فيها من إسرائيليات وأساطير. والمشكلة أن بعض المفسرين عندما يريد أن يعطينا تفصيلات عن أحداث او أشخاص أو أماكن وردت في القران مجملة يلجا إما الي أقوال أهل الكتاب أو أي أقوال المؤرخين ومن ثم نظل ندور مع تفصيلات ما انزل الله بها من سلطان تشوش علينا فهمنا للقران فلا الاسكندر المقدوني هو ذو القرنين عن علم ولا التتار هم يأجوج ومأجوج عن علم ولا سور الصين العظيم هو السد الذي بناه ذو القرنين عن علم فكلها ظنون لا يصح أن تدخل علي النص القرآني توضح مبهمه او تفصل مجمله ولا حاجة لنا بها لتعيينهم ولو تركونا مع النص القران مع إجماله لكان خيرا وأحسن تأويلا فلا التوراة التي بين أيدي أهل الكتاب تمثل مصدرا موثوقا به للمعلومات تضاف عن هذه الشخصيات والأحداث لانها لم تسلم من التحريف ولا التاريخ الذي ألفه المؤرخون علم يوثق به لانه لم يسلم من الظنون والأهواء يقول الشهيد سيد قطب ولو قد سلمت التوراة من التحريف والزيادات لكانت مرجعا يعتمد عليه في شيء من تلك الأحداث. ولكن التوراة أحيطت بالأساطير التي لا شك في كونها أساطير. وشحنت كذلك بالروايات التي لا شك في أنها مزيدة على الأصل الموحى به من الله. فلم تعد التوراة مصدرا مستيقنا لما ورد فيها من القصص التاريخي.
وإذن فلم يبق إلا القرآن. الذي حفظ من التحريف والتبديل. هو المصدر الوحيد لما ورد فيه من القصص التاريخي, من البديهي أنه لا تجوز محاكمة القرآن الكريم إلى التاريخ لسببين واضحين:
أولهما: أن التاريخ مولود حديث العهد، فاتته أحداث لا تحصى في تاريخ البشرية، لم يعلم عنها شيئا. والقرآن يروي بعض هذه الأحداث التي ليس لها لدى التاريخ علم عنها!
وثانيهما: أن التاريخ - وإن وعى بعض هذه الأحداث - هو عمل من أعمال البشر القاصرة يصيبه ما يصيب جميع أعمال البشر من القصور والخطإ والتحريف. ونحن نشهد في زماننا هذا - الذي تيسرت فيه أسباب الاتصال ووسائل الفحص - أن الخبر الواحد أو الحادث الواحد يروى على أوجه شتى، وينظر إليه من زوايا مختلفة، ويفسر تفسيرات متناقضة. ومن مثل هذا الركام يصنع التاريخ، مهما قيل بعد ذلك في التمحيص والتدقيق!
فمجرد الكلام عن استفتاء التاريخ فيما جاء به القرآن الكريم من القصص، كلام تنكره القواعد العلمية المقررة التي ارتضاها البشر، قبل أن تنكره العقيدة التي تقرر أن القرآن هو القول الفصل. وهو كلام لا يقول به مؤمن بالقرآن، ولا مؤمن بوسائل البحث العلمي على السواء. إنما هو مراء!!!
لقد سأل سائلون عن ذي القرنين. سألوا الرسول - - فأوحى إليه الله بما هو وارد هنا من سيرته. وليس أمامنا مصدر آخر غير القرآن في هذه السيرة. فنحن لا نملك التوسع فيها بغير علم. ا.ه
وكان المفسرون يتأثرون بواقعهم في اختيار تلك التفصيلات ,سواء من كتب بني إسرائيل أو ما كتبه المؤرخون فمثلا الهجمة التترية علي الإسلام بهذه الصورة البشعة جعلتهم يفسرون يأجوج ومأجوج بأنهما قبيلتان من التتار لشدة ما رأوا من التتار لكننا الآن ما الذي يلزمنا بهذا القول وقد تغير أشكال المفسدين فليسوا هم التتار بل هناك من هو اشد فسادا من التتار دولا وجماعات وأفراد تخرب وتنشر الفساد في الأرض وتهلك الحرث والنسل فما الذي يجبرنا أن نظل علي القول بأنهما التتار ولذلك فاني أميل إلي تفسير يأجوج ومأجوج بأنهما حالة الفساد قد تتجسد في شخص او في قبيلة أو في دولة وقد تتغير صورهم وأشكالهم والآية تشير إلي حجم الفساد الذي ينتشر علي الأرض بين يدي الساعة , لقد اختار القران لهؤلاء المفسدين اسمين لهما دلالتهما في الفساد يأجوج ومأجوج وهو اسم وظيفي أكثر من كونه اسما علي ذات معينة فهما يؤججان الفتن والاضطرابات ويموج الناس بعضهم في بعض بسبب هذا الفساد دون هدي أو بصيرة ولذلك فانا أستريح لكون يأجوج ومأجوج حالة وليسوا ذات ,أو اسم بعينه فهي حالة فساد يمكن تؤجج الاضطراب والفتن ويموج الناس فيها , فيمكن أن تتمثل هذه الحالة في شخص أو قبيلة او طائفة او دولة وان ظهورهم في وجود الحاكم العادل الذي آتاه الله من كل شيء سببا يفرض عليه أن يحول بينهم وبين قومه, وان يمنع هذا الفساد وهي من علامات الساعة الصغرى انتشار الفساد سواء عن طريق الجريمة المنظمة عبر أجهزة او مؤسسات أو دول أو أشخاص وإنما هي حالات للفساد ضخمة لا تجد من يقف ضدها وليسوا أقواما بعينهم