يقول تعالي "وكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ(49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51)النمل .
لنا في هذه الآيات وقفتان
الأولي:- أن هذا المشهد من قصة النبي صالح قد انفردت به سورة النمل دون غيرها من السور التي تناولت قصة النبي صالح مع قومه ثمود فلم يرد أمر التسعة رهط الذين تأمروا علي قتل سيدنا صالح في أي موضع جاءت فيه سيرته في القران سوي في سورة النمل فلنتأمل
الثانية :- هذا الموضع من سيرة النبي صالح جاء خلوا من ذكر امر الناقة وهي آية النبي صالح المبصرة التي كذبوه وعقروها فاصبحوا في دارهم جاثمين فناقة صالح وقتلها حدث جوهري في قصته لم يخلوا منها ذكر أثناء الحديث عنه في القران سوي سورة النمل وقد تأتي قصة صالح في القران بإيجاز وإسهاب وفي كلا الحالتين لا تخلوا من ذكر الناقة ففي سورة الشمس وهي من السور القصار ورغم هذا فقد أفردت خمس آيات للنبي صالح كانت علي موضوع الناقة " كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا(15) الشمس وهذا الموضع من سورة النمل خلا من أي حديث عن أمر الناقة فلنتأمل
لقد لفت نظري أن هذا المشهد من التخطيط من هؤلاء الرهط التسعة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون عندما اجتمعوا وبيتوا النية لقتل النبي صالح بصورة جماعية ثم يقولون لولي الدم أنهم لم يعرفوا شيئا عن مقتله ويقسموا علي ذلك أي أنهم يخططون للجريمة ويخططون لإخفاء معالمها هو ذات المشهد الذي فعلته قريش مع النبي محمد صلي الله عليه وسلم للتخلص منه عندما اجتمعوا في دار الندوة وقرروا أن يجمعوا من كل قبيلة شابا جلدا ويعطوه سيفا ينقضوا علي النبي فيضربوه ضربة رجل واحد فيضيع دمه بين القبائل وسورة النمل تنقل ذات الحدث عن نبي قبله وتنقله للنبي قبل ان تفكر قريش في مؤامرتها بسنوات فسورة النمل نزلت في أواسط العهد المكي كما تنقل أن الله قد افشل مخططهم وأحبط مكرهم ودمرهم وقومهم أجمعين " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون " وهو ما حدث فعلا مع قريش أيضا فقد مكروا ومكر الله فأحبط مكرهم " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " وواضح أن تفكير مدرسة الانحراف واحد علي مدار التاريخ يمكن أن يهدينا القران لكيفية تفكيرهم وسنة الله معهم أيضا واحدة فليطمئن المؤمنون لوعد الله ومن أوفي بعهده من الله
أما عن مناسبة هذا المشهد لسورة النمل وانفرادها دون غيرها من السورفهي تلك المفارقة العجيبة التي وضعتنا السورة أمامها بين ملكة سبأ وهي ملكة أوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم عندما علمت الحق خضعت له وقالت "ربي إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين " مع أنها ليست من قوم سليمان ولم تكن تعرفه قبل ذلك لكنها حرصت علي معرفة الحق وإتباعه ولم يمنعها ما هي عليه من العز والملك والجاه فتنقل لنا السورة المفارقة العجيبة بينها وبين قوم عاشوا في الفقر والذل والفساد وعندما خرج رجل منهم سماه القران صالحا ووصفه بانه أخاهم ليصلحهم وينتشلهم من الفساد فإذا هم فريقان يختصمون ثم يخططوا ويبيتوا قتله وإخفاء اثر جريمتهم ومن ثم كان المقصود الحديث في سورة النمل عن قتل النبي صالح وليس عن قتل الناقة فهوالاوفق للمقارنة وهذه أيضا نماذج مكررة علي مر التاريخ