يقول تعالي "وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ(39) الروم
هذه الآية تتحدث عن الربا الحلال كما يقول العلماء فالمقصود بالربا في هذه الآية هو الهدية يهديها الرجل يريد أن ترد له بأكثر منها فالربا هنا علي اصله اللغوي من الزيادة ان تعطون المال تريدون به الزيادة بهذا فسره ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وعكرمة ، ومحمد بن كعب ، والشعبي - وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه إلا أنه قد نهى عنه رسول الله خاصة ، قاله الضحاك ، واستدل بقوله : تعالي " ولا تمنن تستكثر "(6) المدثر أي لا تعط العطاء تريد أكثر منه .فهذه الاية خاصة في الرسول صلي الله عليه وسلم وقال ابن عباس : الربا رباءان ، فربا لا يصح يعني : ربا البيع ؟ وربا لا بأس به ، وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها . ثم تلا هذه الآية (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله ) . وقد ورد ذكر الربا في القران ثماني مرات واحدة في العهد المكي وهو هذا الموضع من سورة الروم وسبع مرات في العهد المدني في سورة البقرة خمسة مواضع في الايات (275),(276) ,(278) وفي سورة آل عمران موضع واحد في الاية (130) وفي سورة النساء موضع واحد في الاية (161) والمقصود به ربا البيوع وربا النسيئة وهو الربا المحرم ونلاحظ أن رسم كلمة الربا في هذه الآية تختلف عن رسمها في السبع مواضع الأخرى الخاصة بالربا المحرم فقد رسمت كلمة الربا في موضع سورة الروم بالألف هكذا " الربا" ورسمت في باقي المواضع بالواو هكذا " الربوا" وهذا من عجيب رسم الكلمة القرآنية فعندما يختلف رسم الكلمة يختلف معناها فلنتأمل .
ونعود إلي الآية قوله تعالي" وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله " هي جملة متعلقة بالآية قبلها في قوله تعالي " فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " (38) الروم . والمعني أن ذا القربى والمسكين وابن السبيل أولي بالعطاء من عطاء الكبراء والأغنياء الذين تنتظرون ان يردوا لكم العطاء بأكثر منه فكثير من الناس في هداياهم يتخيرون الأغنياء والكبراء يقدمون لهم الهدية طمعا في ردها بأحسن منها أما المسكين فربما لا يقدمون له شيئا وان قدموا قدموا شيئا قليل القيمة ففي المناسبات عندما يريدون أن يجاملوا أحدا جعلوا الهدية علي قدر مكانته فان كان رجلا من الكبراء أو الأغنياء او الوجهاء احسنوا له الاختيار فيختارون له من الهدايا أكثرها قيمة وأغلاها ثمنا , أما إذا كانت المجاملة لرجل مسكين فربما أهملوه ,وان أعطوه فيعطوه ممن هو اقل قدرا وارخص ثمنا لأنه ليس لديه ما يرد به الهدية بمثلها فضلا عن ردها بخير منها , وهذه الآية تنبه المؤمنين إلي سلوك جديد بشان المجاملات والهدايا يتفق مع قيم الإيمان ويختلف مع الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون كما قدمت سورة الروم فهؤلاء الذين يزدريهم الناس ولا يرونهم في مستواهم المعيشي او الاجتماعي ويحتقرونهم لقلة دخلهم أو لوضاعة شأنهم ، أو لفقرهم ، أو لأنهم غير معروفين ، فيشيحون بوجههم عنهم هؤلاء يراهم المؤمن دروعا بشرية يتترس خلفها لتقيه من باس الله وغضبه يراهم ظلالا وارفة تحميه من فيح جهنم يري عندهم الله جل شانه فيولي وجه شطرهم فيبارك له ويزيده ويضاعف له ما ينفقه عليهم إننا بحاجة إلي أن نعيش هذه الآية في واقعنا لنغير من قواعد المجاملات في حياتنا فنولي وجوهنا شطر المسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله ولقد كانت الآية بعد ذلك مرحلة تمهيدية مهمة في تحريم الربا المعروف بالجاهلية فالله يمحق الربا ويربي الصدقات هذه قناعة المؤمن وهو ما استقر تشريع تحريم الربا بعد ذلك ووضع رسول الله يوم فتح مكة كل ربا الجاهلية تحت قدمه وأسقطه ولم يبقي للناس إلا رؤوس أموالهم لا يظلمون ولا يظلمون كما ذكرت آيات سورة البقرة .