قال تعالى في سورة سبأ (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ 14)سبأ
تحكي هذه الآية قصة وفاة النبي سليمان وقد كان في وفاته كما كان في حياته عبر وآيات لأولي الألباب فقد جعل الله من وفاته درسا للذين انحرفوا في عقيدتهم فظنوا أن الجن يعلمون الغيب فكانت طريقة وفاته داحضة لهذه الفرية فمعلوم أن سليمان سُخِّرت له الجن والطير والريح، وقد كلَّف الجنَّ بأعمال مجهدة يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وهم يعملون هذه الأعمال رغما عنهم وتحت رقابة مشددة " ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير" وعندما جاءت لحظة وفاته ظل واقفا علي عصاه وتحسب الجن الذين يعملون بين يديه أنه ما زال حيا حتى جاءت دابة الأرض وهي الأرضة فنخرت في العصا حتى أكلتها فوقع سليمان علي الأرض وعرفوا انه مات من قبل وبهذا تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما ظلوا في هذه الأعمال الشاقة ونقف عند هذه الآية عدة وقفات
الوقفة الأولي : المنسأة هي العصا فلماذا استخدم القران هنا لفظ المنساة ولم يستخدم لفظ العصا كما استعمله في سيرة النبي موسي " قال هي عصاي " ؟ ذلك ان العصا في قصة سليمان قامت بدور تأخير إعلان خبر وفاته فاستخدم القران اللفظ الأقرب إلي وظيفتها في القصة وهي منسأة من النسيء أي التأخير وقد قامت العصا فعلا بتأخير نبا وفاته .
الوقفة الثانية:- تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب قرأ الجمهور" تبينت " بفتح التاء والباء والياء كحفص . وقرأها رويس عن يعقوب ,وهي قراءة عشرية متواترة بضم التاء والباء وكسر الياء بالبناء للمفعول ، أي تبين الناس أن الجن لا يعلمون الغيب والحقيقة انه ينبغي حمل القراءة الأولي علي هذا المعني أيضا فالجن لم تدعي أنها تعلم الغيب ولم يكن المقصود ان تعلم الجن أنهم لا يعلمون الغيب لانهم فعلا يعلمون انهم لايعلمون الغيب ,و ليس في القران لا في قصة سليمان ولا في غيرها أن الجن زعمت أنهم يعلمون الغيب بل هي أوهام وخرافات عند بعض الإنس أن الجن يعلمون الغيب ولكن المقصود ان يعلم الناس ان الجن لا يعلمون الغيب والواقع ان كل من يدعي انه يعلم الغيب هو اول من يعلم انه كذاب في ذلك سواء الجن أو الإنس والقران قاطع بأنه لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ,والله وحده هو من عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ,وكل المشعوذين والدجاليين الذي يضحكون علي الناس بادعاء معرفة الغيب هم أول من يعلم أنهم كاذبون في ذلك فكانت آية المنسأة واضحة للجن وغيرهم انه لا يعلم احد الغيب إلا الله .
الوقفة الثالثة :- "ما لبثوا في العذاب المهين" معني هذه الآية أن الجن كانوا يعلمون أنهم مسخرون لسليمان خاصة وان هذه المهمة الشاقة هي خاصة بسليمان وأنها ستنتهي بوفاته لم يمكن منها نبي ولا ولي ولا احد من البشر حتى محمد صلي الله عليه وسلم ,لأنها كانت استجابة لدعوة سليمان " رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي " ففي الحديث عن أبي هريرة عن النبي : إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرددته خاسئا 00" من هنا يظهر كذب دعاوي الدجالين والمشعوذين بأنهم يسخرون الجن أو يتعاملون معهم بأي شكل من الأشكال فلم يسيطر علي الجن إلا سليمان ولم تسخر الجن الا له أما الكلام عن تحضير الجن ورؤيتهم والاستعانة بهم من قبل بعض الدجالين فهو محض افتراء ينبغي فضحه والتحذير منه

#ترويحات_قرآنية