حبست نفسي وتجلدت عند قراءتي للفصل الذي سماه الكاتب: أكذوبة علم الرجال" ص49 وقلت معزيا لها إذا أنت تابعت هؤلاء الحداثيين من الشباب المبتدئين في الذب عن السنة وتاريخها وأعلامها فلابد أن تصابري وترابطي وتستعيني بشيءٍ من الحلم والأناة والمستعان الله، ولقد وقع الكاتب المنتقد ههنا لأرفع كتاب في الحديث ذي الشأن الرفيع والجاه الشريف في محظورات كثيرة جسمية منها:

أولا: مبادرته إلى النقل عن المنتقدين للسنة النبوية من العصريين الكارهين للحديث، المعرضين عنه في أخذ الأحكام والتشريعات القائلين حسبنا القرآن فما ألفيناه فيه كفانا ولم نعدُ إلي غيره، ومن هؤلاء زعيم القرآنيين في العصر الحديث د/ صبحي منصور، وهو رجل له بحوث ودراسات زعم أنه فيها مبدع مبتكر إذ تفضي قراءتها والأخذ بما فيها إلى كراهية السنة ونبذ الاحتجاج بها والاستدلال بمقتضيات الوارد فيها صحيحا ثابتا، ولقد تكشف لنا مشايخ الكاتب في العلم وأساتذته في الفهم، والمقدَّمون الكبار الذين يعتمد عليهم في الانتقاد لحديث رسول الله ، فهو يصدر من هذه الأرضية الحداثية العلمانية التي تتمسح بمسوح العلم وتتشبث زعمت وكذبت في زعمها بالقرآن، وإذ تبينت لنا نحلة الكاتب وفرقته، وملته وطريقته بان لنا الوجه في الرد عليه واتضح الطريق في مجادلته ومناقشته…والكاتب يسوق كلام صبحي منصور كالواثق به المستعصم، الذَّابِّ عنه، الخاضع الوجل من مخالفته، وهذا شأن كل حداثي في هذا العصر، إذ أنه لا يأتي بجديد في باب المفتريات وتراه يلوك ما يقوله معاصره من الحداثيين ويبرزه في إخراج جديد يسميه فتحا جديدا وعلما مبتكرا طريفا؟؟

ثانيا: يدعي الكاتب تبعا للقرآني د. صبحي منصور أن علم الرجال أكذوبة وخرافة لا علاقة لها بالمنطق والعقل وبالمنهج العلمي الصائب الراجح هكذا هي عبارته في ص51 من كتابه، ونحن هنا نوقف الكاتب ونسأله ماذا درس من " علم الرجال" هل درس تاريخ ظهوره ونشأته، أم درس منه تاريخ المتكلمين في الرجال وطبقاتهم بين مستسهل ومتعنت متشدد، أم درس تاريخ تطبيقه منهجا لتمييز النقلة لحديث الرسول ، وتطبيقهم طبقات فيها الرجال الموثقون المعدلون والأمناء الضابطون، الذين يقال فيهم ثقة ثقة ثقة أو حافظ حجة أو حجة حجة، أم إليه المنتهى في الحفظ، أو هو الإمام الحجة الثبت، أو كان من أركان الصدق، أو شيخ ثقة أو غير ذلك من ألفاظ التعديل والقبول، وفيها- أعني من طبقات المتكلمين- الرجال المتوقف فيهم فهم بين معدل ومجرح، فتعتبر رواياتهم بروايات غيرهم ممن سلمت في التحديث أحاديثهم من الوهم فكانوا لما رووا ضابطين، وفيها – أعني من طبقات المتكلمين في الرجال- الرجال الذين هم شبه الريح من الكذابين الوضاعين، أو المتروكين من المجاهيل الضعفة الدجالين ممن لا يساوي حديثهم شيئا، ولا يقال فيهم إلا كذاب، أو وضاع أو دجال من الدجاجلة، أو كان يضع، أو ضعيف أو واه، أو ساقط إلى غير ذلك مما فصلت فيه كتب الرجال في مقدماتها أو كتب علم المصطلح في مباحثها، وهل الكاتب درس تاريخ التأليف في علم الرجال فعرف كتب المعدَّلين من ثقات هذه الأمة كالثقات لابن حبان، والمجروجين من النقلة كديوان المتروكين من الرواة والمجاهيل، وكالكتب التي أفردت في الضعفاء المغني للذهبي، وكالكتب في التواريخ كتاريخ ابن أبي خيثمة وتواريخ البخاري وكتب الجرح والتعديل ومنها الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وهل عرف الكاتب أن ابن أبي حاتم أو أباه – غاب عني الآن التحقق من أحدهما- قد بال الدم في طلب هذا الشأن مرتين... وهل عرف الكاتب أن لهذا الفن – وهو الجرح والتعديل – رجالا لا شغل لهم إلا التوثيق والتضعيف، ولا يخلطون علمهم بذلك بعلم آخر يشغلهم عن العلم الأول والتخصص الدقيق الأصوب؟؟؟ وهل عرف الكاتب أن للمتكلم في الرجال آدابا ومنهجا علميا يتبعه فلا دخل للأهواء – كما قد ادعى- فيما هو فيه من التصحيح والتضعيف، والتعديل والتجريج، ولا دخل للزبونية كما هو مشاهد معروف في عصرنا- في هذا العلم، إذ كان الرجل من أهل هذا الشأن يقول للناس :" إنه الدين...كان أبي كذابا لا تأخذوا عن أبي"، هل يستطيع الكاتب أن يفعل هذا ؟؟ وما الدين الذي يمكن للكاتب أن يدافع عنه؟ دين بلاسنة ولا حديث؟؟ دين يقول يكفينا القرآن؟؟ وفي الحق هو دين لا قرآن فيه ولا سنة..هو دين جديد بنكهة إسلامية محوَّرة ومزوَّرة؟؟

ثالثا: كيف يكون علم الرجال أكذوبة وخرافة في نظر كاتب مراكش وقد احتفل بهذا العلم أساطين التوثيق العلمي في العصر الحديث، وقالوا إنه علم المسلمين الأصيل الذي يعدٌّ مفخرة علوم الإسلام في نقل الخبر وتصحيحه وتوثيقه؟؟ الغرب يعترف بهذا العلم سبيلا للتوثيق تصحيحا وتضعيفا، والكاتب يقول عنه أكذوبة وخرافة؟؟ فمن نتبع؟؟ علماء مناهج العلوم أم كاتبا يدفع في صدر علم بدعوى أنه لم يفهم كيف يسير في بعض مسالكه الوعرة، أو أخطأه الشيخ المعلم الذي يوقفه على غرائب هذا العلم وطرق البحث فيه ا؟؟

رابعا: لعل القارئ الكريم قد فطن إلى أن مراد الكابت ومن لفَّ لفه من القرآنيين أو العلمانيين إنما ينتقدون هذا العلم الإسلامي الشريف" علم الرجال" من أجل إثبات أن العقلية الإسلامية لا تملك منهاجا علميا ينظم لها طريقة تفكيرها وقبولها لنصوص مرجعيتها من الكتاب والسنة، فإذا سقط صرح علم الرجال بأن عددناه أكذوبة وخرافة تساقطت الأخبار النبوية بل تساقط القرآن نفسه، فتساقطت المرجعية العليا للمسلمين، وغدونا لقمة سائغة لمناهج تفكير مستوردة كما سنصبح كافرين بهذه المرجعية الإسلامية، وسنستبدلها بمرجعيات إنسانية ملفقة من عدة فلسفات وضعية من بيئات عالمية مختلفة...

خامسا: كثر عويل الكاتب وندبه لمنهاج علم الرجال في نقد الرواة، وقال إن هذا المنهاج خاضع للأهواء والعصبية والمزايدات، والكاتب هنا لم يصب كبد الحقيقة ولا عينها في هذه الفرية، فعلم الرجال علم كما يقول أهله علم صلف بمعنى أنه علم لا يرحم أبا ولا أما ولا أخا شقيقا، فهو أحدُّ من الشفرة وأدق من الشعرة، وهو ميزان تفكير لغربلة الأخبار وتنقية الآثار، والنظر في أحوال نقلة الأحاديث والسنن والمرويات، وجميع المنصفين من العقلاء النابهين، والأصفياء الفطنين خاضع له معترف بنتائجه، فإذا كان الرجل لا يكذب بتأمل حياته والسؤال عنه، واختبار أحواله في خلوته وجلوته، والنظر في مشايخه والآخذين عنه فهو المزكى المجمع عليه، فيقال فيه عدل ثقة ضابط، فيروى عنه ويؤخذ ويصحح حديثه، وإذا كان الرجل كذابا فإن أمره ليس يخفى على المداخلين له فيعرف أمره ويشهر حاله، ويقال فيه تجريحا غير ثقة ولا مأمون، وحديثه ضعيف أو ليس يصح وهكذا...

سادسا: لم يفهم الكاتب كيف يتسلسل أخذ الحديث من جيل إلى جيل في الشرق والغرب، في الحضر والسفر، في الأمن والحرب، في أفول دول وطلوع نجم دول....لأنه ما ربي في حجر الراوية ولا رضع من ألبانها، ولا سمع دواوينها ولا كحَّل عينيه بمشايخها في مصره عصره...الرواية أيها الكاتب نشأت من زمان النبي ، إذ سمع منه الصحابة الكرام والنقلة الأمناء الثقات، ونقلوا ما سمعوا كما هو محررا مهذبا منقحا إلى الجيل الذي لم ير النبي ، وهكذا نقل التابعون الكرام الحديث المسموع من الجيل المتقدم إلى الجيل اللاحق المتأخر إلى زمان تدوين الروايات والأحاديث والأخبار، وهكذا نشأت الأسانيد التي هي مادة الرواية ومعدنها وأساسها وأصولها، والسبب فيها والباعث عليها، إذ سمع كل جيل في طبقة معينة من الزمان من جيل سابق عليه في الزمان وهكذا إلى الصادق المصدوق ..والناس كانوا في الأزمنة الماضية قلة معروفين وطبقة مميزة من الناس معلومين، فتعرف آباؤهم وأنسابهم وتواريخ مواليدهم ووفاتهم، وتاريخ أخذ بعضهم عن بعض العلم والهدى والسنن، فسُجل ذلك وأحصي إحصاءً، ودون في زمان التدوين والكتابة تدوينا وكتابة، فصارت عندنا كتب معتنية بذلك سميت كتب الطبقات والأعلام، والأعيان والأخبار، فكل من اشتهر أمره من الرواة الناقلين للحديث وهم معروفون محصيون، إذ لم يكن الحال كعصرنا ليس يعلم فيه حال المتصدِّر إلا أن يكون هو الذي يشهِّر أمره، وينبئ عن حاله...بخلاف الزمان المتقدم الذي سهل فيه معرفة أعلام الرواية ورؤساؤها، ومقدمو التحديث والإسماع وأعلامه، فيقال في كل مصر منْ المتصدر فيكم والمحدث منكم فيقال فلان فينظر فيما نقل وروى وأسندَ ويبحث عن حاله مولده ومدخله ومخرجه، لينظر هل هو ثقة أو غير ثقة...فوقف الواقفون على اتصال الحلقات بين زمان وزمان وما أسهل ذلك في ذلك الزمان...فتوثقت الأسانيد وارتفعت إلى رسول الله معجزة له مذخورة ومكرمة له موفورة...وهكذا امتدت الأسانيد من عصر إلى عصر حتى زماننا إذ يوجد فينا من بينه وبين النبي 18 رجلا وأكثر من ذلك ويهب ربنا من شاء ما شاء وإنما تلك مواهب فمن تعرض لها وسعى وجدَّ وجدَ...إذا السعادة لاحظتك عيونها نمْ فالمخاوف كلهن أمان...ولا دخل للعصبية ولا للهوى في اتصال الحلقات وتشابك الروايات، واتصال الآخر بالسابق المتقدم كما اعتقد الكاتب غلطا...إذ ْكان أولئك القوم يعتقدون أنَّ هذا الحديث دين، فينظرون عمن يأخذون دينهم...فلا يدخلون معتقداتهم وعصبياتهم وأهواءهم أثناء حصول الرواية فيها، وإنما يتصوَّنون عن الكذب في تلك الأثناء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا...لأن مدار الرواية على الصدق فمتى ما ثبت صدق الراوي لم ينظر إلى نحلته ولا إلى مذهبه ولم يبحث عن ذلك، لحصول الغرض المطلوب الذي عليه مدار المدار، وقطب رحى هذا الفن والعلم ذي الشَّان...الست ترى أن البخاري مثلا أخرج لهذا الضرب كعمران بن حطان السدوسي البصري قال الإمام الذهبي كما في سير أعلام النبلاء: من أعيان العلماء لكنه رأس من رؤوس الخوارج"..ثم نقل عن أبي داود قال:" ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج"...فلما كان الحال في عمران كذلك روى عنه البخاري إذ راعى أمان جانبه من الكذب والتزيد، فبادر إلى الرواية عنه ولم يتوقف إذ حصل عنده شرط ذلك وأساسه القائم عليه وهو الصدق.

وتستمر المعركة...