يقول تعالي "قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)الجاثية
الآيات مكية, وهي ليست منسوخة يايات القتال كما زعم البعض لأنه من الصعب حمل الآية في الدعوة إلي العفو والصفح والتسامح مع المشركين, في مكة والمسلمون ما زالوا مستضعفين يعانون منهم صنوف العذاب , فالقرآن سواء في مكة أو المدينة من أول البعثة إلي آخرها من أول آية في القران إلي آخرها لم يسلب حق الفرد في رد العدوان الواقع عليه بمثله وعندما يدعو إلي العفووالصفح والتسامح فلا يدعو بذلك الاعند القدرة علي رد العدوان وإلا كانت الدعوة إلي العفو والتسامح عند العجز دعوة إلي الاستكانة والذلة والمهانة وهذا لا يليق بالمسلم فان العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ففي سورة الشورى وهي مما نزل في العهد المكي يقول تعالي " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ(41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) الشوري , فالذي ينتصر بعد ظلمه، ويرد السيئة بالسيئة، دون عدوان ، ليس عليه من جناح. ولا يلام علي ذلك ولايجوز أن يقف في طريقه أحد. إنما الذين يجب الوقوف في طريقهم هم الذين يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق, ثم يدعو بعد ذلك الي ضبط النفس والصبر والعفو في الحالات الفردية، وعند المقدرة على الدفع كما هو مفهوم فعندها يكون الصبر والسماحة استعلاء لا استخذاء, وتجملا لا ذلا, وهذه مبادئ ثابتة في شخصية المسلم لا يجري عليها نسخ ولا تحويل او تبديل
وهذه الآية ليس فيها هذا المعني بل هي تقول للذين امنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله وفي آخرها تتوعد هؤلاء الذين لا يرجون أيام الله بالعقاب " ليجزي قوما بما كانوا يكسبون " فدعونا نتأمل الآية في صياغتها الدقيقة
أولا :-ينبغي التفرقة بين لفظي يغفر ويستغفر واستعمالاتهما في القران
فيغفر تضاف للرب أما يستغفر فتضاف للعبد فالرب يغفر اي ييستر الذنب ويمحو اثره والعبد يستغفر أي يطلب المغفرة من الرب بصيغة الاستفعال الدالة علي الطلب فالعبد لا يغفر لأنه لا يغفر الذنوب إلا الله و ما يملكه هو ان يطلب المغفرة من الله سواء لنفسه او لغيره وهذا هو الاستغفار فالنبي يستغفر لنفسه وللمؤمنين والملائكة تستغفر للمؤمنين والمؤمنون يستغفرون لأنفسهم ولبعضهم البعض .
لكن الآية تطلب من المؤمنين أن يغفروا لا أن يستغفروا وقد ورد النهي للمؤمنين ان يستغفروا
للمشركين ولو كانوا اولي قربي وهنا تدعوهم الاية ان يغفروا بما يعني أن يستروا اويزيلوا أفعالا في مكنتهم ان يستروها فما هي هذه الأفعال التي يملك المؤمنون أن يغفروها ؟ إنها ليست انحرافات المشركين بالطبع فما هو اذا هذا الشيء الذي يطلب منهم ازالته وستره من الذين لا يرجون أيام الله وهذا مدخلنا الي فهم هذه الآية
ثانيا :- نعود إلي الآية سنري انها واقعة في سياق الآيات السابقة الواصفة لحال المستكبرين المستهزئين بآيات الله وحيث ان الله توعدهم باشد العذاب فما علي المؤمنين ان يقفوا عند إساءاتهم فيكون المغفرة هنا في قوله: (قل للذين آمنوا يغفروا) هي إزالة اثر ما يصدر من هؤلاء المجرمين من إهانات وإساءات من نفوس المؤمنين ، فعليهم أن يتجاوزوها ولا يشغلوا أنفسهم بها , ولا تصبح هذه الاهانات محددات لسلوك المؤمنين نحوهم فالأصل أن ينطلق المؤمنون في حركتهم من تعليمات الوحي لا من سفاهات وبذاءات هؤلاء المنحرفين في حق المؤمنين فلا حاجة إلى ذلك لان الله سيتكفل بمجازاتهم عن ذلك وان الله كاف المؤمنين " اليس الله بكاف عبده " والله كاف المؤمنين في الرد علي المستهزئين " فتكون الآية نظيرة لقوله: " فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94)إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)" الحجر وقوله تعلي "(قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) الأنعام: 91، وقوله تعالي " وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا إن لدينا أنكالا وجحيما) المزمل: 12، وقوله: (فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون) الزخرف: 89.
ثالثا :-لقد كان هذا التجاوز والمغفرة لبذاءات المنحرفين اثره في عدم إعاقة مسيرة المؤمنين في دعوتهم كما كان له أثره أيضا كما يقول السدي في استبقاء الهدوء بمكة والمتاركة بين المسلمين والمشركين وما ترتب عليه من شيوع القرآن بين أهل مكة وبين القبائل النازلين حولها فإن شيوعه لا يخلو من أن يأخذ بمجامع قلوبهم بالرغم على ما يبدونه من إعراض واستكبار واستهزاء فتتهيأ نفوسهم إلى الدخول في الدين عند زوال ممانعة سادتهم