يقول تعالى " فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) محمد
المتأمل في القران يلاحظ أن الله إذا أراد بيان الموت مجردا أضافه الي نفسه " وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ (66) الحج , أو أضافه إلي ملك الموت " قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11( السجدة , وإذا أراد أن يبين بشاعة موقف الموت وقسوته على نفس المتوفى أضافه, إلى الملائكة, حيث تقوم الملائكة أثناء قبض الروح بتعذيبه بشكل يتفق مع ما كان يمارسه من انحراف وجريمة , ففي سورة النساء صورت وفاة الذين امتنعوا عن الهجرة وظلوا بين ظهراني الكفار , بقوله تعالى"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)النساء , وفي سورة الأنعام تقوم الملائكة بقبض أرواح الذين افتروا علي الله الكذب واستكبروا عن آياته , يقول تعالي "وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ "(93) الأنعام
وهذه الآية من سورة محمد صلي الله عليه وسلم تحكي عن فريق من الناس ارتدوا علي أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدي فهؤلاء عند الوفاة تقوم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وهي مرتبطة بفعلهم الذي أوردته الآيات السابقة وهي قوله تعالي " إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ۙ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ (25) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ۖ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26)محمد
فالملائكة تضرب وجوههم التي ولوها شطر الذين كرهوا ما نزل الله وقالوا لهم سنطيعكم في بعض الأمر , ويضربون أدبارهم التي ارتدوا عليها متخلين عن المؤمنين في موقف القتال مع المشركين ,وقد قيل إنهم الذين ارتدوا بعد الإيمان وقيل إنهم الذين لم يقاتلوا مع المسلمين وتخلفوا عنهم في المعركة بعد أن علموا أن القتال حق . وهذا قول ابن عباس والضحاك والسدي , ويرجح الطاهر بن عاشور هذا الرأي ويقول والارتداد على الأدبار على هذا الوجه حقيقة لأنهم رجعوا عن موقع القتال بعد أن نزلوا به فرجعوا إلى المدينة وكانت المدينة خلفهم وهؤلاء نزل فيهم أيضا قوله تعالي في سورة الأنفال " وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) الأنفال

ولذلك فالآية تظهر مدي سوء حال هؤلاء القوم عند الوفاة فهم أولا يعانون من موقف قاس فظيع وقت الوفاة إذ الملائكة هم الذين يتوفونهم وثانيا أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم وهذا الجزاء متوافق لجريمتهم الذين ارتكبوها في الدنيا وهي تخليهم عن المؤمنين في وقت صراعهم مع المشركين فأداروا لهم ظهورهم وولوا وجوههم شطر أعدائهم , فاذ بالملائكة الذين يقبضون أرواحهم يضربون هذه الوجوه وتلك الظهور, الحقيقة أن الآية مخيفة ومرعبة للغاية لأنها تبين بشاعة الوفاة لهذا الفئة وإذا كان الناس في عالم الدنيا يشاهدون وفاة طبيعية تكون علي الفراش بلا حوادث أو أمراض ووفاة غير طبيعية والتي تكون نتيجة حوادث بشعة قد تتهشم فيها الرؤوس وتتمزق الأبدان تكون مناظرها مرعبة كئيبة فان الاية تطلعنا هناك علي الجانب الآخر في أول منازل الآخرة عن وفاة غير طبيعية أيضا حيث تتلقي الملائكة البعض بصنوف من العذاب بشعة يضربون وجوههم وأدبارهم فقط لأنهم تخلوا عن المؤمنين في بعض المواقف الحرجة وقالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الآمر تأمل !!! بعض الأمر وليس كل الأمر !!!! , يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - - في تفسيره لهذه الآية ؛ :" اعلم أن كل مسلم ، يجب عليه في هذا الزمان ، تأمل هذه الآيات ، من سورة محمد وتدبرها ، والحذر التام مما تضمنته من الوعيد الشديد لأن كثيراً ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد ,لأن عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد ، وهو هذا القرآن وما يبينه به النبي من السنن فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله : سنطيعكم في بعض الأمر ، فهو داخل في وعيد الآية .