هَلْ هناكَ أعظمُ من ابتلاء الإيمان بالقضاء والقدرِ في زماننَا هذا؟
الإيمَانُ بقَضاء الله وقدَره خيره وشرّه هو آخر أركان الإيمان الستة التي علمناها رسول الله .

جَاء فِي صحِيحِ مسلمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ فَقُلْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ قَالَ فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ صَدَقْتَ .."

هوَ الركنُ الركينُ الذي يؤذنُ بصدقِ إيمان صاحبه واكتمالِه، فَيعيشُ الوجلَ في الحالينِِ، في خير القدر بالشكر والوجلِ لئلَّا يكونَ استدراجا، وفي شرِّ القدَرِ بالصبر والوَجلِ لئلَّا يكونَ خزيًا دنيويًّا ممهدا لعذاب الآخرة.
ولمَّا كثرتْ بلاءاتُ الأمةِ وأصبَحَ أفرادُهَا يعيشونَ حالةً غَيْرَ مستقرةٍ في التفكيرِ وأنماط المعيشةِ والتخَبُّط على غير هدًى في السلم والحربِ، بدَا أنَّ العلماءَ ورثةَ الأنبياءِ أَولى منْ يضطلعُ بالبيانِ والتوجيه والتدبيرِ.
لعَلَّ قَائلًا يهمسُ أنَّ فتنةَ الناس في أيامنَا ترقَّتْ في ميزَان صبرهمْ حتى اضطرَبَ، وَجعلتْ علمهم ويقينَهم بمقابلة الصبر على المحبوب مع الصبر على المكروه لا يعدوانِ أن يكونَا أوَّل درجاتِ سلَّمٍ بعيد المدى، لا يسعفُ الراقيَ فيه سعةُ علمه ورجاحةُ عقلهِ بقدرِ ما تفعَلُ سلامةُ القلْب.
إِي والله، فاللبيبُ حيرَانُ.
أما الدهماء والغثاء ومن رضيَ وتابَعَ فلا حاجةَ أنْ يبَصَّروا بأكثر من نصحٍ عساه يجلو غشاوة الفطرة عن عيونهم وأبصارهم وأفئدتهم، وما أبعدهمْ في ترتيب الأمم دينًا ودنيا.
لكنِ الأمرُ مع الموهوبين الساعينَ المفكرينَ من النُّخبة المكبلينَ المعطَّلينَ: هلْ هذا محلُّنا بين الأممِ؟

سأنقُلُ كلامًا ينمي عن صدوره من طبيبٍ مجرّب، وإن اختلفتُ معهُ في الانتماء الحزبيِّ الضيقِ وكثير من وجهات النظرِ، وهو كلام مفيدٌ بإذن الله في بابه:
"سألني سائل يقول: هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر؟ . فنظرت إليه في ضيق شديد..
وقررت أن ألتوي معه في الإجابة، كما التوى هو مع فطرته في هذا التساؤل وقلت له: الإنسان نوعان نوع يعيش في الشرق، ونوع يعيش في الغرب والأول مسيرٌ، والآخر مخيرٌ فَفَغَر الرجل فاه عن ابتسامةٍ هي بالضبط نصف تثاؤب الكسالى والعجزة والثرثارين الذين ينتشرون فى بلادنا.. ثم قال: ما هذا الكلام إنني أسألك هل للإنسان إرادة حرَّة وقدرة مستقلة يفعل بهما ما يفعل ويترك ما يترك.. أم هو مجبورٌ؟
فقلت له : إنني أجبتك، الإنسان في الغرب مستقل وفي الشرق مستعمر..هناك له إرادة وقدرةٌ، وهنا لا شيء له.
فضحك أحد الظرفاء وقال: هذه إجابة سياسية، فقلت له: وإنها لدينية كذلك.
يارجل إن القوم في الغرب شعروا بأن لهم عقولا ففكروا بها حتى كشفوا المساتير من بدائع الكون.
وشعرو بأنَّ لهم إرادة فصمموا بها.. حتى التقت في أيديهم مصاير الأمم وأزمة السياسات وشعروا بأن لهم قدرة.. فجابوا المشارق والمغارب وصنعوا الروائع والعجائب..
أما نحن هنا فى الشرق فهذا.. رجل من ألوف الألوف التى تزحم البلاد يأتي ليستفتي في هذه المعضلة التى غاب عنه حلها.. أله حقا عقل حر يستطيع أن يفكر به؟ أله إرادة يستطيع أن يعزم بها؟؟ أله قوة يستطيع أن يتحرك بها؟؟
وإلى أن نثبت له نحن ذلك سوف يبدأ فيفكر ثم يعزم ثم يعمل. أما الآن فهو- فعلا- مسيرٌ من ذلك الرجلِ المخيرِ فى الغرب.. ما أبعد البون بين الشخصين..
الرجل في الغرب ألقي به فى تيار الحياة فعلم أن له أعضاء يستطيع أن يعوم بها، فظل يسبح مع التيار تارة وضده تارة أخرى حتى وصل إلى الشاطئ.
أما هنا عندنا في الشرق .. فلما ألقي بالرجل فى معترك الأمواج بدأ يسائل نفسه: هل أنا حيٌ حقًّا أم جثة هامدة؟ أو بتعبير المتفيقهين.. هل أنا حرٌ أم أعضائي مقيدة؟"
محمد الغزالي، عقيدة المسلم.

وصدَقَ الله: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (الزمر 27 - 29)