يخوض الكاتب في فصل:" أكذوبة علم الرجال" في قضايا يدق علمها على الراسخ المنتهي فكيف بالشادي المبتدي بل كيف بالحاقد الحداثي؟؟؟ فلقد ذكر الكاتب ههنا – والله حسيبه- مسألة عدالة الصحابة غامزا في الثقة بهم، ورفع عقيرته في ذلك مُثرِّبا عمن لا يزال يقول بها من الباحثين المعاصرين أو من عامة أبناء الإسلام أجمعين، ولقد نقل الكاتب في هذه المسألة معتمدا عن زكريا أوزون، ومن هو زكريا أوزون: لسان مقلوبٌ وفهم معكوس، وسوأة سميت غلطا علما...وكتابه" جناية البخاري" سيئة من سيئات هذا العصر وبلية من بلاياه...وهو وإن كان قد طار كل مطار فتلقفه في هذا العصر من يَسْوى ومن لا يسوى فهو لا يساوي في ميزان العلمي شيئا...إذ كله من أوله إلى آخره حقد وكيد للسنة النبوية، وإبراز للإمام البخاري على غير صورته المشرقة التي تقدِّر القرآن الكريم وتحترم الرسول ، والصحابة الكرامَ، والمرأة الأنثى نصف الرجل وشقيقته وأمه وابنته، فأوزون حاول من خلال أحاديث لم يفهمها عقله، ولا أدركتها طاقته، ولا وسعها فهمه أن يوجِد خصومة ونفرة بين سيد صناعة الحديث في زمانه وبعد عصره وأوانه وبين القرآن الكريم الذي حفظه صغيرا، وبينه وبين السنة التي رأى في المنام أنه يذب عنها الزَّيْد والكذب، وبينه وبين الصحابة الكرام الذين ملأ كتابه العظيم بالرواية عنهم، وبينه وبين المرأة التي أرضعته صغيرا وحملته أما وتزوج بها شابا جلدا وحنَّ عليها بنتا صغيرة..لقد أثبتت الدراسات النقدية لكتاب جناية البخاري لزكريا أوزون أن ما حاول الوصول إليه لم يقدر له، ولا شارفه، وأنه لم يقارب نقد البخاري ولا كتابه، مع أنه معروف بين أهل العلم وأهل الصحافة وأهل الفكر والفلسفة، وكنت إلى وقت قريب أقول للطلبة عندما يرد اسمه، إيتوني بترجمة لزكريا أوزون أو تعريف به ولكم كذا وكذا( يعني مكافأة) ولو وجد الواحد منهم عن الرجل شيئا وإن قلَّ لطار فرحا لتحصيل مال هم إليه في حاجة؟؟
إن عنوان كتاب أوزون عنوان صارخ متشنج، وكنا زمانا لما نقسو على الخصوم في المجادلة ولا نحترم في مناقشتهم العدل ولا النصفة لما كنا عليه من الحمية حمية الانتصار لله ولرسوله - كان الخصوم يرموننا بالرجعية والظلامية وبأبشع نعوت الإرهاب والإقطاع الفكري...أفلا راعوا ذلك في أنفسهم أثناء نقدهم لأئمتنا وأسوتنا من الخلق أجمعين؟؟ إذ كيف يكون عنوان كتاب أوزون هكذا:" جناية البخاري...إنقاذ الدين من سيد المحدثين"...ولعل كاتب نهاية الأسطورة سُرَّ بهذا العنوان، إذ عبَّر عما يتخالج نفسه، ولذلك أخرج كتابه، وهبَّ – زعم- لمحاكمة البخاري؟؟ وكيف ينقذ الدين من سيد المحدثين وهو الذي ذبَّ عن الدين الكذب وانتحال المبطلين وتحريف الغالين؟؟ ونحن هنا لا نريد من أوزون الذي ينقل عنه كاتب مراكش أن يحبَّ البخاري فهو غير متصوَّر من مثله، ولا مرجوِّ التحققِ من شِكْله، كيف وقد ألف في نقضه كتابه ونسب إليه كل نقص ورذيلة...ثم أتى على أثره كاتب الأسطورة ونهايتها يجري لاهثا عساه يدخل في زمرة المنتقدين، أو يكون في مجموعة المشتهرين في وسائل الإعلام المعاصرة التي تصل إلى الناس أجمعين؟؟؟- إنما نريد من الكاتبيْن وقد أظهرا عداوتهما للبخاري أن يلتزما الموضوعية والعلمية في النقد، وتلك سلعة يتبجح بها جمعُهم، وينوه بها فريقُهم، وتمجدها نحلتُه وملتُه؟؟؟
لقد نقل هذا المفتون عن زكريا أوزون اتهام عمر بن الخطاب لأبي هريرة باحتجان مال، فرحا بذلك مسرورا، وأيم الله إن هؤلاء الحداثيين ليفرح الواحد منهم بالخبر الساقط الذي يسقط به قاعدة علمية أو صرحا قائما، أو علما شامخا، حتى إنه ليطبل ويغني؟ ويرقص ذات اليمين وذات الشمال حتى يقال إنه ثملٌ سكران؟؟؟ لا يحمله على ذلك إلا العداوة للقاعدة التي تعب العلماء في تقعيدها وتأصيلها، أما قضية عمر بن الخطاب مع أبي هريرة فعلى فرض صحتها – ويحسب كاتب مراكش جهلا وحماقةً أنها صحيحة لأن ابن عبد ربه في العقد والذهبي نقلاها- وهل هما لا يوردان إلا حديثا صحيحا أو واقعة حقيقية؟ - كيف لا يثق الكاتب ومن تبعه أوزون فمن دونه من الحداثيين- بمرويات البخاري الذي اشترط الصحة في كتابه، ويثقون بمرويات لا خطام لها ولا زمام وردت في مثل كتب التاريخ والمسامرات، وهل اشترط الذهبيُّ المشرقيُّ وابنُ عبد ربه الأندلسي الصحة في كتابيهما؟؟ ومتى ذكرا ذلك وأين ذكراه من كتبهما؟، وإذا نحن تنزلنا فقبلنا قصة اتهام عمر لأبي هريرة فهل هما إلا صحابيان يكون بينهما ما يكون بين الناس من الخصومة والنفرة والجفوة؟؟ وما أورده الكاتب تابعا فيه أوزون من أن عمر بن الخطاب قد عزم على أبي هريرة عدم الاستكثار من الرواية وشدد عليه في ذلك، فأمرٌ معروف من عمر وهو مذهبه الذي ارتضاه ودافع عنه، لأنه كان يرى أن الاستكثار مظنة الخطأ، ومدعاة لحصول الفرقة بين المسلمين، فرأى وعن أبي هريرة- أن يكفَّ راوية الإسلام ردحا من الزمان عن الرواية والتحديث، فانصاع أبو هريرة لأمره وأذعن سميعا مطيعا لأن الآمر بذلك هو أمير المؤمنين خليفة المسلمين، وله الحق في أن يرى رأيا حسنا يكون فيه خيرٌ لجماعة المسلمين، فصرفُ عمر بن الخطاب لأبي هريرة لم يكن عن تهمة له يلصقها به، أو تجريح بشخصه كما فهم ذلك أوزون المفتون، وتابعه كاتب مراكش، وإنما كان ذلك نظرا لمصلحة المسلمين، ورعاية لما يؤلف بينهم من الاجتماع واتحاد الكلمة.
على أن كاتب مراكش يبدئ ويعيد في قضية كلام الصحابة بعضهم في بعض ويرى فيها فرصته للقول بأن عدالتهم منقوصة، وأن علم الرجال أكذوبة؟؟؟ ونريد أن نوقفه هنا على بعض الحقائق التي غابت عنه وهي:

- كلام الصحابي في الصحابي أمر عادي لأنهم بشر من البشر، فماذا يريد الكاتب من الصحابة أن يغدوا ملائكة مكرمين، أو أنبياء مقربين؟؟؟

- إذا قال الصحابي للصحابي أنت كذاب، أو كذبت، أو كذب فلان، فإنهم ليسوا يقصدون ما يتبادر من المفهوم لدينا من الكذب، إنما يقصدون الوهم، بمعنى أن الصحابي المتهم قد أخطأ ووهم ووهل وغلط، وكلها مفردات لمعنى واحد ولعمرُ الله إن ذلك ليس يفيد قدحا ولا زراية ولا ثلبا، وتوقفا في أخذ رواية ولا نقل سنة؟

- ما يروى في تاريخ الصحابة من كراهية للتحديث والإسماع والتثريب على مخالفيهم من الصحابة الذين ترخصوا في التحديث برخصة شرعية معلومة، إنما محمله على أنَّ الأوَّلين إنما خافوا من الوقوع في الشطط والتزيد خاصة من التابعين الخالفين الذين دخل بينهم أخلاط من الناس ليس من اختصاصهم الجلوس للناس للتحديث، والتفرغ المطلق لهذا الشأن، فلينظر الكاتب كيف يتخلص من هذه الحقائق الناصعات التي هي من المسلمات في تاريخ السنن المشرقات البينات...

وتستمر المعركة