المعركة تحت راية البخاري 16
من شأن الذي لا يهمه نشدان حق أو الوصول إلى يقين أن يفتح في العلم أبوابه الغامضة التي يدق يفهمها على العالم المنتهي والجهبذ المبرز، وكاتب مراكش من هذا الضرب الذي يلتمس دليلا على نظريته الفاسدة من كل رأي فاسد أو باب في العلم غامض، أو قضية في هذا الفن تثير إشكالا وتنبه غافلا، ويحسب – جهالة-أنه يثير سؤالا مصيريا يهدم به علما ويقيم عليه صرحا جديدا لفن آخر؟؟ ولذلك انبرى الكاتب إلى الحديث على أن السنة النبوية مروية في معظمها بالمعنى وليس بلفظ الرسول يريد المسكين أن يُثبت أن الذي بين أيدينا مما نقول فيه إنه حديث نبينا، وألفاظ مختارنا، وأنفاسُ محمَّدنا، وكلماتُ منِ اختاره فينا ربُّنا قائدَنا يوم الوُرود عليه والوِفادة إليه- كل ذلك ليس صحيحا، وهو مما زيد فيه الحرف والحرفان واللفظة واللفظتان والسطر والسطران، فماذا يبقى مما يقول فيه أهل السنة والجماعة سنة أو صحيح في السنة أو ديوان في سنة، أو مجموع في حديث؟؟؟؟

وجرى المؤلف هنا على عادته القبيحة في النقل عن المدخول الفاسد، والأثيم المعتدي أبي رية في أضوائه التي هي في الحق من ظلماته وخزيه وعاره، إذ كيف ُيتابع مثل أبي رية في تشكيكه في السنة ورواتها، وحفاظها وجهابذتها؟ أم كيف يُمالأُ مفترٍ ظالم متعدٍّ على التاريخ ومقام النُّبوة مزوِّر لحقائق ناصعاتٍ عن الصحابة والتابعين؟؟ ولقد كان يسع الكاتب أن يكتم غيظه عن المحدثين الأعلام، فلا يتفوه في حقِّهم ببنت شفة ولا بغمز ولا لمز، لكنه وهو الحاقد على كل محدث حافظ بارع، ومستن سامق، قال عندما أراد أن يحيل على بعض كلام أبي رية في كتابه:" أضواء على السنة النبوية.." إن إحالته عليه إنما لبيان الحقائق المغيَّبة التي أخفاها عنا الشيوخ؟؟ ونحن هنا نوقفه فنسأله، وهل هناك علم لا يعلمه إلا السادة المحدثون والقادة منهم المبرزون ؟؟ حتى كشفه أبو رية وجاء على أثره كاتب مراكش فأبرز ذلك ونوه به؟؟؟ وهل مارس علماؤنا الإخفاء المزعوم والتدليس المفترى المكذوب؟؟

والحق الذي لا معدل عنه في قضية رواية الحديث بالمعنى التي يريد الكاتب أن يستغلها لإثبات أنه لا ثقة بما يروى في الأزمنة المتأخرة من حديث- يتضح بمعرفة ما يلي:

أولا: أغلب الصحابة كانوا من العرب الفصحاء والنبهاء البلغاء، الذين يحفظون كل ما يسمعون، فالحفظ عندهم آلة جيدة حسنة تسع الشعر والمقطعات الأدبية وأخبار العرب ومقاولاتهم في حروبهم وخصوماتهم، فكيف لا تسع القرآن الكريم وهدي النبي الكريم؟؟

ثانيا: ما يروى من الحديث بالمعنى ينبه إليه الراوي فيقول:" أو كلمة تشبهها" " أو مثلها" أو " قريبا منها" فهو ليس على إطلاقه الذي يحاول الكاتب عبثا أن يثبته حتى يتسنى له أن ينفي الثقة عن الحديث جملة وتفصيلا.

ثالثا: ما يروى من الحديث بالمعنى محصيٌّ معروف، ومشهور منقول، ينبه عليه شراح الحديث والمتفقهون في معانيه في مؤلفاتهم، وهو لا يجيء في عشر معشار الحديث المنقول عن الصادق المصدوق ، فأين ما يدعيه الكاتب من أن ظاهرة رواية الحديث بالمعنى كانj أمرا عاديا معروفا بين الصحابة والتابعين؟؟ ص53

رابعا: ما كان الصادق المصدوق يسمح لصحابي أن يبدل لفظة بلفظة بين يديه في زمان الرواية فعندما ذكر للبراء بن عازب ما يقول إذا آوى إلى فراشه وختمه بقوله:" اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فلما ذهب البراء يستعيده قال:" وبرسولك الذي أرسلت" قال له النبي :" لا ونبيك الذي أرسلت"..
خامسا: ليس صحيحا ما ادعاه الكاتب من أن رواية الحديث بالمعنى إنما تعني أننا أمام فهْم متعدد للصحابة الكرام لما ينطق به النبي ، وفهم أجيال من التابعين ومن تبعهم ص60، لأننا لو ذهبنا نتابع الكاتب على فريته لكنا متعبَّدين بفهْم أناس لم ينزل عليهم الوحيُ ولا اختارهم ربُّنا للنبوة فينا، وهم لم يدعوا هذا لأنفسهم ولا نسبوه إليها، ولمَا كانت الرواية أصلا نشأتْ علوم تخدمها وتحوطها بالرعاية حتى تحفظ الأحاديث كما خرجت من الفم الشَّريف والمقام المنيف..

سادسا: إن رواية الحديث بالمعنى ظاهرة لم يفهمها الكاتب فهما جيدا، وهو وإن فرضنا أنه فهمها فلن يصحح القول بفهمها على وجهها، لأن ذلك سيهد عليه بنيانه ويشل أركانه، ويميت كتابه ويخمل اسمه، وهو ما لا يريده الكاتب أصلا ولا تبعا؟؟ إن رواية الحديث بالمعنى لا تقدح في أصل وجود الحديث ونسبته إلى الجناب الشريف، كما أنها لا تقدح في الصحة والاعتماد؟؟
ولقد حاول الكاتب في ص54 وما والاها من الصفحات أن يستكثر من النقول عن أبي رية في كتابه المعروف أضواء على السنة المحمدية مما يؤيد رأيه ويقضي على الثقة بما في أيدينا من حديث مروي عن النبي ، إذ ينطبع في ذهن القارئ أنه أمام أفهام متعددة للصحابة اتجاه الحديث، وأنه أيضا أمام أفهام متعددة للتابعين الراوين عن الصحابة- اتجاه الحديث النبوي، وأن ما بقي من الحديث الصِّرف المنقول مائة في المائة عن النبي إلى هذا العصر قليل جدا جدا، ولعمر الله فإن المؤلف الناقل عن غيره من المنبهرين بمناهج البحث عند الغير- قد أبعد النُّجعة وأغرب ولم يُوفَّق ومن معه إلى الصواب، إذ كيف لا يكون الحديث الذي بين أيدينا اليوم ليس هو المنقول عن الرسول الكريم ؟ وقد كانت الدواعي متوفرة لجيل الصحابة وجيل التابعين أن يحفظوا الحديث النبوي كما نُقل إليهم لفظة لفظة وحرفا حرفا وجملة جملة، فهم – أعني الصحابة والتابعين- ليسوا كالكاتب من أفْدم الناس( يقال فدُم الرجل إذا كان ثقيل الفهم غبيا) فلقد كانوا من العرب الذين جادت قرائهم بعشرات القصائد التي فيها عشرات الأبيات فحفظوا ذلك كله ونقلوه لأجيال متعاقبة من الناس، واستمر النقلُ بذلك غضًّا طريا إلى زمن التدوين، وللعرب في ذلك حكايات - تكاد تصل إلى حد التواتر - في براعة الحفظ، وجودة النقل، وتمام الوعي، وكثرة الضبط، وهو أمر مُستقرٌّ في فِطَرهم السَّليمة التي لم تشُبها شائبة ولم يتطرق إليها نقصان ولا تغيير...فيجيءُ في آخر الزمان مَنْ يجادل في هذه الخصيصة لأنه لا يحفظ شيئا بفعل غِلظ الطبع، وفدامة الفهم، وقلة الضبط، وسوء المنقلب في الثقافة والتكوين- فيفتحُ في هذا الفن فتحا مبينا لا يَعرفه " الشيوخ" الذي غيبوا الحقيقة عن الناس لقرون متطاولة؟؟؟ سبحانك هذا بهتان عظيم..
وما أورده الكاتبُ ناقلا فيه عن أبي رية – كله مما عرفه المحققون من علماء هذه الأمة وجهابذتها، وألفوا فيه، وبسطوا آراءهم حوله شارحين مفسرين متخلصين فيه إلى الوجه الصواب، والرأي الحق من أن الصحابة والتابعين قد يحصُل لهم وهَمٌ في بعض النقل لكنهم- أعني الصحابة والتابعين يفيئون إلى الحق من قريب، وتضيق مساحة الخلاف بينهم وبين المخالفين، ويحصُل الوفاق بينهم وبين المعادين، لأن ذلك من تمام حفظ السنن ومن أسباب بقائها وكونها خالدةً بخلود كتاب ربنا الأول، وقرآنه الأنور، ونور مشكاته الأسطع...

وتستمر المعركة..