المعركة تحت راية البخاري 17
في الفصل الذي عقده الكاتب من ص61 إلى 69 شطط كثير وهجمة قوية على السنة النبوية، وسوء ظن بالبخاري صاحب الصحيح ومن آيات ذلك وعلاماته:
أولا: هذا العنوان الصارخ الذي وسم به الكاتب هذا الفصل إذ سماه:" جناية الحديث"، ونكاد نقطع أن الكاتب كان يستحضر أثناء الكتابة – إن كان كاتبا مبدعا غير ناقل سارق- كتاب زكريا أوزون:" جناية البخاري.."..ولعمر الله فكل من سولت له نفسه الطعن في ثوابتنا وحديث نبينا ومصادرنا يتسول إلى ذلك بألفاظ فيها اتهام بالجنايات وارتكاب للمنكرات ووقوع في المحظورات، ومنْ أحق أن يكون الجاني؟ نحن أم المتخاذلون عن نصرة حديث نبينا ؟ وأين تكون الجناية؟؟ في الاتباع أم في الابتداع؟ في السمع والطاعة أم في التمرد والرفض والتجني؟؟
ثانيا: يبدو الكاتب في هذا الفصل منافحا عن القرآن الكريم، مدافعا عن حياضه، إذ يدعي والله حسيبه- أن ما ورد صحيحا ثابتا في صحيح
البخاري يناقض القرآن ويجني عليه، ويسير في غير ركابه؟؟ ولقد خاب- والله- ظن الكاتب وساء فهمه إذ كيف يكون الحديث الصحيح الذي ينُصُّه الثقة العدل الضابط لما يرويه إلى من هو مثله من مبتدئه إلى منتهاه مناقضا للقرآن الكريم وذامًّا له، صادما لحقائقه، مطرحا لمعانيه، إذ القرآن الكريم عندنا معاشر أهل الحديث هو الحق الأول، والحديث هو الحق الثاني، فكيف يكون الحقَّان متناقضين أومتنافرين ومتعاكسين؟؟ وهما إنما قد خرجا من مشكاة واحدة وحضرة نبوية واحدة، ودوحة رسولية واحدة؟؟؟ فالذي أخبر بخبر السماء في وحي سمي قرآنا وآيا من الذكر الحكيم هو الذي أخبر بوحي ثان خارج من بين شفتيه سمي حديثا وسنة وأثرا...فهل هناك فرق أم تباين أو اختلاف في الثبوت والحجية والإفادة للعلم والعمل؟؟
ثالثا: يبدو الكاتب في هذا الفصل الخطير الشأن، الشديد الوقع، الغزير في التهمة والقذف والقدح- ممتلكا للحقيقة الغائبة عن خصومه من أهل الحديث، إذ يناقشهم مناقشة مَنْ علمُه هو العلمُ، وفهمُه هو الفهم، ونظرُه هو النظر الثاقب، فهو ينعتُ ما يزعم أنه قد توصل إليه من تناقضات في صحيح البخاري، وقوادح فيه بـــــ" الحقيقة الصلبة" ص69 التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ولا يقدح فيها قادح ولا ينكرها منكِر...وسبحان الله إنها الحقيقة الغائبة عنك أيها المسكين...والتي مفادها أن أهل الحديث لا يتحرجون إن وجدوا في الرواية عيبا أن يبينوه، أو علة أن يكشفوها، أو مغمزا في متن أو راو أن يظهروه..وتاريخهم وصفحات رجالهم ورواتهم مليئة بعشرات الشواهد التي تريك " الحقيقة الصلبة "على حد تعبيرك المنكوس- بل الحقيقة الناصعة المشرقة بنصاعة الحق الذي بين أيدي هذه الطائفة المنصورة وإشراقة وجوه أصحابها...كما أن أعمال أهل الحديث وتراثهم النقدي في كتب العلل والأوهام والتخاريج التي نحسب أن الكاتب ما عرج عليها ولا شمَّ بأنفه رائحة الصناعة الحديثية المنبعثة منها- خيرُ دليل على أن " الحقيقة الصلبة " التي زعم الكاتب الوصول إليها إنما هي حقيقة غائبة عنه لا عنهم، وعرفها جمعهُم وغابت عن ناقد مراكش؟؟؟
رابعا: يدَّعي الكاتب أن الحديث يتهم القرآن الكريم بالنقص، وأنه أعني الحديث- يدعو إلى هجر العمل بالقرآن، وهذا وإن بدا للكاتب حجة وبرهانا فليس فيه إلا إعمال الحيلة لإضفاء الشرعية الدينية على النقد الذي يمارسه الكاتب لنصوص الحديث النبوي الشريف...ويسوق الكاتب هنا كما يزعمُ أدلة على صدق ما يقول منها أن في الحديث الصحيح إثباتا لنص القرآن بخبر الآحاد كالذي ورد من أن خمس رضعات مشبعات قرآن وأنه:" لو كان لابن آدم واد لتمنى أن يكون له واديان.." قرآنٌ، وأن آية الرجم كانت في القرآن ثم سقطت...يقول الكاتب وكلُّ ذلك ورد في الحديث الصحيح لكن لا يمكن قبول القول به ...إذ كيف يثبت القرآن القطعي بخبر الآحاد الظني؟؟؟ ولقد غاب عن الكاتب- وهو فيما ذكر من الأمثلة والنماذج التي حسبها أدلة وبراهين مسبوق، إذ كل منْ قدَح في السنة من قديم الزمان إلى هذه العصور المتأخرة إلا ويذكر هذه الأدلة نفسها- أن هذه الوقائع التي ساقها مروية من قبل الثقات الرفعاء الذين يعظمون القرآن الكريم وطريق نقله، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هؤلاء الرفعاء الثقات محط ريبة أو شك لجريان التعديل فيهم وتواتره بينهم، ثم لو شاء الله تعالى أن يُبقي هذه النصوص قرآنا يتلى إلى يوم القيامة لفعل، لكنه لحكمة يعلمها هو سبحانه لم يشأ، ولذلك لم يأمر رسولُ الله بوضع هذه النماذج في نصِّ المصحف الذي كان يؤلَّف بين يديه بمعنى يجمع ويضم بعضه إلى بعض، فهو الشخص الوحيد الموحى إليه وهو الذي بمُكنته أن يصنع هذا الصنيع، إذ القرآن خارجٌ منه، وعليه قد أُنزل.
خامسا: يدَّعي الكاتب ظلما وعدوانا وجهلا وسفاهة بأن الحديث النبوي الصحيح قد جعلنا أمة متخلفة، تؤمن بالخرافة وتناهض العلم وتنبذ العقل...ص65 ولعمر الله فهذه فرية قديمة جديدة، وتهمة طريفة عجيبة لا يفتأ يلوك القولَ بها كلُّ منْ كتب منتقدا الحديث في هذا العصر، ثم يسوق الكاتب الأحاديث الصحيحة المعهودة التي لا يفهمها عقلُ الفيلسوف، ولا يسعُها نقدُ المفكر، ولا يقبلها منطقُ الناقد للنص داخليا وخارجيا؟؟؟؟ وسبحان الله نحن الذين آمنا بالله ربا وبرسوله نبيا، وبالجنة والنار وبالملائكة وبالحساب والعقاب...أيعجز إيماننا الذي وسِع كلَّ هذه اليقينيات الكبرى، والغيبيات العظمى، عن أنْ يؤمن أنَّ الشمس لما تذهب تغيب تسجد للرحمن تحت العرش، أو أنْ يفهم غير ذلك من الأحاديث المشكلة التي أوردها الكاتب ناقلا عن غيره وتكلَّم عليها كثيرٌ من العلماء مشرقا ومغربا وبالغوا في ذلك حتى أفنوا ما في أيديهم من القرطاس والمداد؟؟؟؟؟
سادسا: يظن الكاتب – كما هي عادة الحداثيين المعاصرين – أن في قَبول مثل هذه الأحاديث التي فيها أمرٌ تأباه العقول المعاصرة ولا تفهمه الفِطنُ الحديثة، إساءةً للظن بنا معاشر أهل الإسلام وأن ذلك سينفِّر عنا الناس يقصد الغربيين من اليهود والنصارى، وسيكثِّر سواد الملحدين، ونحن نقول: المؤمن الصادق الإيمان لا تزعزعه عن إيمانه أراجيف الخصوم، ولا يهمُّه إنْ سلم دينه، وصحَّت ثوابته، أن يخالفه معادون غربيون، أو ملحدون حاقدون..وهل نرجو من الغربيين والملحدين إيمانا كإيماننا؟؟
وتستمر المعركة