المعركة تحت راية البخاري 20

لقد صدق من قال:" من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب" وأزيد أنا:" وكان مدعاة للأضاحيك"، تذكرت هذا القول وأنا أقرأ للكاتب ما قد علق به على جملة كبيرة من أقوال أهل العلم -التي أوردها من مقدمة الفتح لابن حجر-التي تمدح الإمام البخاري وكتابه وتثني عليه بما هو أهله، فإنه دفع في ص97 أن تكون هذه الأقوال صحيحة وكأني به لا يعلم أن الحافظ ابن حجر قد أسندها، وأنه مجرد ناقل لها من كتب الجرح والتعديل التي تذكر عادة ما قيل في الرجل بالأسانيد المسندة، وبالتوثيق الذي ليس وراءه توثيق..ثم الكاتب يحسب أن ابن حجر هو السابق إلى ذكر هذه الأقوال، ولذلك تراه في ص 98 ينقل عن ابن كثير قولا في مدح البخاري وكتابه ويدعي أن ابن كثير متأثر بمنهج ابن حجر في سياق الثناء على البخاري...قلت سبحان الله: وأين ابن كثير من ابن حجر؟؟ ومن السابق منهما من اللاحق؟؟ وهل هذه إلا سقطة مردية وزلة مهلكة؟؟

في ص99 يعقد الكاتب فصلا بعنوان:" أسطورة الحفظ الأسطوري" يحاول فيه أن يزعزع ثقتنا بحفظ البخاري للأحاديث، وهو أمرٌ لو استطاع الكاتب- وأنى له- أن يصنعه لصح قوله، وجاد كلامه...لكنه لم يفلح في زحزحة البخاري عن المنزلة التي بوأه الله تعالى إياها، وذلك للأمور التالية:

أولا: كأن الكاتب لا يعرف أن العرب قبل الإسلام وبعده كانوا أمة تحفظ أنسابها وأخبار آبائها وأجدادها وأشعار فحولها، ونثر خطبائها ومقطعات الفصحاء منها يستوي في ذلك الصغير والكبير، والرفيع والوضيع، والبعيد والقريب، وكل ذلك معروف قد حفلت كتب التواريخ والأخبار والآداب به، حتى لا يحتاج في مثله إلى دليل يبحث في إسناده، أو إلى شاهد ينظر في متنه وسياقه، بل إن ذلك من المتواتر المعهود، والخبر العام المشهور..فلما جاء الله بهذا الدين، وخالطت بشاشته قلوب العرب صرفت أذهانهم إلى حفظ أصول الإسلام ومادته، ونقل ذلك إلى الأجيال الخالفة، والقرون الآتية، وهكذا توفرت الهمم المسلمة التي صقلها الدين، وشحذتها تعاليم الرسول الأمين- على نقل كل صغيرة وكبيرة عن هذا الإسلام الجديد، فنقل القرآن الكريم ونقلت السنة الشريفة نقلا كانت للحافظة الواعية فيه دور بارز، وأثر قوي مشاهد..وجاد الحفظ وتوسع، وقوي الوعي وازداد، لأن المتعلَّق به هو الدين: اقرآن الكريم والحديث الشريف..وظهر التميز في الحفظ في جيل الصحابة من الوعاة الكبار، والحفظة الأبرار كأبي هريرة وعائشة وأبي سعيد الخدري من أصحاب الآلاف، وفي جيل التابعين والأئمة العاملين، وفي جيل طبقة مشايخ البخاري، وفي جيل البخاري نفسه وأقرانه وتلاميذه..وبالجملة فإن تميز العرب قبل الإسلام وبعده حقيقة تاريخية ومسلمة اجتماعية لا ينكر القول بها إلا من لم يرزق علما ونظرا في التاريخ.

ثانيا: قاس الكاتب عصر الإمام البخاري على عصرنا، فنحن في هذا العصر لا نحفظ كثيرا من أبواب العلم، ولا نحفظ أشياء كثيرة خارج العلم، فكان الكاتب عندما يقرأ هذه الأخبار التي تفيد الحفظ الواسع، والوعي التام عن الإمام البخاري يحكم عليها حكما جائرا مفاده أنها أخبار أسطورية، ووقائع خرافية، وأحداث مبالغ فيها ذهابا منه إلى أننا في زماننا هذا لا نحفظ بل غدا الحفظ فينا عيبا ومثلبا، وذما ونقصا...

على أننا نقول لقد أدركنا وما زال يحيا فينا وبيننا مشايخ يحفظون علوما كثيرة في صدورهم، لو لقيهم الكاتب لقال أسطوريون خرافيون؟؟؟

ثالثا: ينقل الكاتب في ص100 أخبارا كثيرة عن حفظ الإمام البخاري ويردها من غير دليل شاف ولا برهان مقنع سوى قوله إن أهل الحديث لم يكلفوا أنفسهم تمحيصها ولا النظر في أسانيدها...نقول: فاجهد أنت في تمحيصها وانتقد أسانيدها...وهل تملك ذلك وتستطيعه؟؟ اللهم لا...قصارى ما يفعله الكاتب الرد بالقول إن هذه الأخبار عبارة عن خرافة وأسطورة، قلت: ولعل هذا من قواعد التصحيح والتضعيف في هذا الزمان: الرد بالخرافة والأسطورة؟؟؟؟

رابعا: عندما سمت بالكاتب همةٌ في ص 104 لكي يمحص قصة امتحان أهل بغداد للبخاري في الحفظ نقل عن نكرة كتب عنها شيئا في موقع الألوكة؟؟؟ وهل يجوز ذلك في باب التمحيص والتدقيق مع تقديرنا لهذا الصرح المنيف الذي نشرنا فيه قديما وحديثا؟؟

خامسا: قصة امتحان البخاري في بغداد وإنْ تكلم فيها من تكلم فإنها تفيد شدة حفظ البخاري مقرونة إلى وقائع أخرى صحيحة في نفسها، على أن أكبر دليل على حفظ الإمام البخاري هو كتابه الجامع الصحيح، فالناظر في سياق أحاديثه وانتقاء رجاله، وعجيب تراجم أبوابه، ومتانة شرطه وترتيبه - ليقطع جازما أنه لا يقدر على جمعه وضمِّ بعضه إلى بعض إلا من رزق حفظا واسعا، وفهما ثاقبا، وذاكرة قوية واعية..

سادسا: أورد الكاتب في آخر هذا الفصل في ص107 قصة زعم أنها مما يستفاد منه سوء حفظ البخاري، والقصة المشار إليها ساقها الذهبي في السير 12/406 وفيها قول الإمام البخاري:" قَالَ: وَذَاكَ أَنِّي كُنْتُ بِنَيْسَابُوْرَ مُقيماً، فَكَانَ تَرِدُ إِلَيَّ مِنْ بُخَارَى كُتُبٌ، وَكُنَّ قَرَابَاتٌ لِي يُقرِئنَ سَلاَمهنَّ فِي الكُتُبِ، فَكُنْتُ أَكْتُبُ كِتَاباً إِلَى بُخَارَى، وَأَرَدْتُ أَنْ أُقرِئَهنَّ سَلاَمِي، فَذَهَبَ عليَّ أَسَامِيهنَّ حِيْنَ كَتَبْتُ كِتَابِي، وَلَمْ أُقرِئهنَّ سَلاَمِي، وَمَا أَقَلَّ مَا يَذْهَبُ عَنِّي مِنَ العِلْمِ."

فرح الكاتب المسكين بهذه القصة ظنا منه أنه قد وقف على دليل إدانة الإمام البخاري في حفظه وقوة واعيته، وكلا فالقصة تفهم على هذا النحو:

- نسيان أسماء قرابة البخاري لا تعلق له بالدين ولا بالحديث.

- قد تكون أسماء القرابة لم تصل إلى البخاري أصلا، فلو وصلت إليه لكان بها عالما.

- قد يكون هذا الذي حصل للبخاري قبل اشتهاره بطلب الحديث ويؤيده أن في القصة مما طويناه أن البخاري كان يبحث عما يعالج به نفسه لكي يحفظ العلم، وإن كانت قناعته تأبى عليه إلا أن يعترف كما في القصة نفسها أن الحفظ يؤتاه رجل أدام النظر في الكتب مع الميل الفطري والعادة المستحكمة والاستعداد القبلي.

وتستمر المعركة