بسم الله الرحمن الرحيم


وردت بالقرآن الكريم الكثير من الآيات التى بها من الإيجاز البلاغى، أى إختصار أو دمج موضوعين ببعضهما بشكل بليغ محكم،
وإختلاف الإيجاز البلاغى عن الحذف البلاغى أن الحذف يمكن أن يكون كلمة واحدة أو جملة محددة، ويمكن التكهن بها أو معرفتها فى سياق الآية أو من الآية التى تليها أو من آية أخرى مشابهة،

ولكن الإيجاز يكون لفكرة أو موضوع طويل ، ولا يمكن إيراده بصورة مباشرة أو بين قوسين ، بل يفهمه القارئ أو السامع،
وهذا ما يميّز القرآن الكريم كتاب الله تعالى عن كتابات البشر .

(قل لئن اجتمعت الانس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)-88-الاسراء


نذكر هنا بعضا من الآيات كجزء أول :

(1)
سورة هود
بسم الله الرحمن الرحيم


حتى إذا جاء أمرنا وفار التّنّور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن ءامن وما ءامن معه إلا قليل، وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إنّ ربّى لغفور رحيم، وهى تجرى بهم فى موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان فى معزل يا بنىّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، قال سئاوى إلى جبل يعصمنى من المآء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين، وقيل يا أرض ابلعى مآءك ويا سمآء أقلعى وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين – 4—44 هود



ذكرت الآيات أعلاه بسورة هود عذاب قوم نوح بأن أهلكهم الله تعالى بالغرق، ولم يتم ذكر كيف جاء الماء الكثير بل تم ذكر كيف انتهى الأمر وتم تجفيف الأرض من الماء فنفهم من ذلك أن الماء نزل من أمطار غزيرة من السماء ونبع أيضا من الأرض (وقيل يا أرض ابلعى مآءك ويا سمآء أقلعى وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين)

وهذا من الإيجاز البلاغى ،

كما أن ما سيأتى من الأحداث بعد نهاية العذاب وهلاك القوم وجفاف الأرض مهم أيضا وهو سؤال نوح لربه عن ابنه وعن وعده بنجاة أهله !،
وأيضا هبوطه من السفينة ليبدأ بنو آدم المؤمنين الجدد حياة جديدة (قيل يا نوح اهبط بسلام منّا وبركات عليك وعلى أمم ممّن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسّهم منّا عذاب أليم) -48

أما فى سورة القمر فكان العكس عن العقوبة وكيف جاء الماء الغزير وأغرقهم ولم يتم ذكر كيف انتهى الأمر (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجّرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات أواح ودسر) .



(2)

سورة يس
بسم الله الرحمن الرحيم

وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون، وما تأتيهم من آية إلا كانوا عنها معرضين، وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟ إن أنتم إلا فى ضلال كبير، ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ -


تتحدث الآيات أعلاه عن دعوة المؤمنين الى الكافرين الى عبادة الله وتقوته، وكيف أن الكافرين كلما تأتيهم آية يعرضوا عنها، وإذا دعوا الى الإنفاق رفضوا، وكل ذلك بأسلوب سرد غير مباشر :
(وإذا قيل لهم اتقوا، وإذا قيل لهم أنفقوا)
بدلا من القول : (قال الذين آمنوا للذين كفروا إتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون)
(قال الذين آمنوا للذين كفروا أنفقوا مما رزقكم الله)

لنجد أن كل ذلك الكلام أختصر بصورة بليغة فى الجملة الأخيرة فى رد الكافرين لدعوى المؤمنين (قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟)

أيضا فى الجملة التى تليها (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟)
وهذا من البلاغة أيضا ، فنفهم من تساؤل الكافرين فى الآية أعلاه أن المؤمنين كانوا يخوفونهم من عذاب الله ويدعونهم أيضا الى الحذر من الموت حيث النهاية، وبعده سيكون البعث والحساب العسير!..


وبسورة (ق) نجد آية مشابهة :
(ق، والقرآن المجيد بل عجبوا أن جائهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شئ عجيب، أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد)

نفهم من رد فعل الكافرين أعلاه وردهم للمنذرين أن (المنذرين أنذروا أقوامهم بأن الله تعالى سيحييهم بعد موتهم وبعد أن يصبحوا ترابا ليحاسبهم على ما كسبوا فى الحياة الدنيا، ونفهم أن هناك من آمن وهناك من كفر وإستنكر ذلك وقال هذا شئ عجيب أنحيا بعد موتنا وبعد صرنا ترابا ؟!).

وجاء إختصار كل ذلك بالعبارة البليغة بذكر رد الفعل فقط : (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شئ عجيب، أءذا متنا وكنا ترابا ؟ ذلك رجع بعيد).



(3)

سورة الحديد
بسم الله الرحمن الرحيم

وما لكم ألا تنفقون فى سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض ، لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى، والله بما تعملون خبير . الحديد –

نرى البلاغة فى اختصار الإختلاف بين الفئتين (لا يستوى) ثم التوضيح مباشرة بالتفضيل (أنهم أعظم درجة) من الفئة الثانية .

أما العبارة التقليدية مما يكتبه البشر :
وما لكم ألا تنفقون فى سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض ، لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل مع الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا ، الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا أعظم درجة وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير.

وأيضا آية مشابهة بسورة الفتح، عندما جاء وصف صحابة رسول الله محمد (ص) ثم تشبيههم بأمثالهم فى التوراة من المؤمنين، وأمثالهم فى الإنجيل من المؤمنين، فكانوا جميعا سواء بآية واحدة بليغة إختصرت الكثير من القول والتشبيه.

(محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعا سجّدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم فى وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم فى التوراة، ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرّاع ليغيظ بهم الكفّار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) صدق الله العظيم.



(4)
سورة الواقعة

وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون أولئك المقرّبون فى جنات النعيم ثلّة من الأولين وقليل من الآخرين.

جاء فى السورة أن ترتيب البشر يوم الحساب هم السابقون أولا وأصحاب الميمنة ثانيا ثم أصحب المشئمة، وبدأ ذكر التفصيل لهم،
ولكن البلاغة فى تلك السورة جاءت فى (أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون أولئك المقربون)، فتم تأخير السابقين ليبدأ ذكر التفصيل بهم حيث أنهم بالدرجة الأولى وذلك بدون تكرار.

والسرد التقليدى سيكون ( السابقون ما السابقون، أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة، أما السابقون السابقون فأولئك المقربون )