المعركة تحت راية البخاري 21

وصل الكاتب إلى هدفه الأساسي الذي أدار عليه كتابه في ص109 وهو إثبات أن صحيح البخاري أسطورة، وهو إنما أسلمته مقدماته السابقة التي لا تسلم عند النظر كما قد أثبتنا إلى هذه النتيجة، فما بني إذن على باطل فهو باطل...إذ لو قد صح مدعى الكاتب لتساقط الدين كله ولما طابت لنا حياة ولتبرأنا من تاريخنا شرقيه ومغربيه، ولخرجنا من هويتنا وثوابتنا ولولّينا وجوهنا ذات اليمين وذات الشمال ولتركنا الناسَ يتخطفونا ولن تقوم لنا بعدُ في العالم قائمة؟؟

ولقد جرى المؤلف هنا في هذا الفصل الذي وسمه بـــــ:" أسطورة صحيح البخاري" على فرض فرضيات وإيراد احتمالات ليست تصح إلا عنده لا يوافقه عليها عقل سليم ولا منطق معقول، فمن ذلك:

أولا: يرى الكاتب أن مدة تأليف الجامع الصحيح التي تصل إلى ست عشرة سنة غير معقولة وأنها تنافي أن البخاري ألف كتابه في مكة في المسجد الحرام أو بين القبر والمنبر في المدينة المنورة..قلت: وفي هذا ردٌّ على الكاتب وإبطال لدعواه أن الجامع الصحيح أسطورة، إذ لو كان كذلك لادَّعى البخاري أنه ألف كتابه في شهر أو أكثر، ولما كان زمن التأليف متباعدا وطويلا – فُهم منه أن الرجل كان ينظر فيما كتب وجمع وبوَّب نظرات تنقيح وتصحيح وزيادة ونقصان...وليس يمنع أن يكون ابتدأ تأليف كتابه في مكة وكتب منه أشياء في المدينة وخلال رحلته في الأمصار، وهو أمر يفعله آحاد الكُتاب فينا إلى عصرنا هذا، فرُبَّ كتاب كانموضوعه وليد بلد، قد شُرع في تأليفه في بلد، وانتُهي منه في بلد ثالث في مدة تزيد عن عشر سنين...فماذا في ذلك؟؟ وطول المدة في الـتأليف دليل على عدم العجلة فيه وقِصر المدة مظنة للعجلة مجلبة للوقوع في الخطأ والخطل...أفصارَ موجبُ المدح عند الكاتب قدحا والقادح في الأمر مدحا؟؟ وإذن انقلبت الموازين واختلط الحابل بالنابل؟؟؟
ثانيا:يرى الكاتب في اغتسال البخاري عند همّْه وضع حديث في كتابه وصلاته مستخيرا الله إيغالا في إضفاء البعد القدسي الروحاني على الكتاب ص109، ومن ثمَّ فلا ثقة في كتاب هذا سبيل تأليفه فيصير على هذا أسطورة وخرافة؟؟؟ وما ذكره الكاتب يفعله آحاد الناس منا فضلا عن أعلامهم وكبرائهم، والبخاري إنما يتبع ما قد ورد من استخارة العبد المسلم ربه في الأمر يهمُّ بفعله، أيذهب فيه أم يمسك؟؟ فالبخاري متبع وليس مبتدعا ولا مضفيا على صنيعه بعدا روحيا ولا قدسيا؟؟ وكذلك يفعل الإيمان بصاحبه حينما تخالط بشاشته القلوب فإن الجوارح تصدر عما يوجد فيها.
ثالثا: يجد الكاتب صعوبة في فهم ما يقوله المسلمون كبراؤهم وصغارهم طبقة عن طبقة وجيلا عن جيل من أن أصح كتاب بعد كتاب الله هو صحيح البخاري، ويرى في ذلك قدحا في القرآن الكريم إذ كيف يلي رتبته في الأصحية البخاري وهو أسطوري وروحاني وخرافي، ويشتط الكاتب في الدفاع عن فكرته فينسب كل من قال البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله إلى أنه ليس له ورع ولا حياء، ويذكر من هؤلاء النووي والذهبي..قلت.اسمع يا عالَمُ .....النووي والذهبي ليسا من أهل الحياء والورع...أفيقول هذا مسلم أو عالم، أو مفكر...ينافح بزعمه عن القرآن الكريم؟ أفيكون الكاتب أشد من هؤلاء ورعا وحياءً؟؟ سبحانك ربِّ هذا بهتان عظيم...النووي الحيي الحصور والإمام الورع الزاهد الذي أفنى عمره في العلم وأوقف حياته على التأليف شارح مسلم وناشر المذهب الشافعي من خلال المجموع شرح المهذب وصاحب الأربعين الأحاديث النووية وصاحب المختصر الرائع في علوم الحديث، والإمام الذهبي المؤرخ الحجة الثبت الذي كأنه- كما يقول تلميذه الخبير بأحواله التاج السبكي- جمعت الأمة له في صعيد واحد فنظرها وأخذ أخبارها فألف فيها سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام والعبر وغرر التآليف ودررها وهو المعدِّل الجارح المحدِّث اليقِظُ... يقال في هذين- كما قال الكاتب في ص110 إنهما قد غاب عنهما أن القرآن ليس فيه اختلاف للآية التي غابت عنهما في ذلك:" أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" ؟؟ سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم؟؟؟
ويزداد الكاتب تعديا على حرمات علمائنا الذين قالوا بأن أصح كتاب بعد كتاب الله البخاري فيدعي أن الذين قالوا بذلك هم من المعتدين على حرمات كتاب الله...اسمعوا يا عالَم : ابن الصلاح والقاضي عياض والنووي والذهبي وابن تيمية وابن القطان الفاسي والعلماء على اختلاف طبقاتهم وتعدد تخصصاتهم من محدثين أعلام وأصوليين نظار، وفقهاء مستنبطين أبرار شرقا وغربا وشمالا وجنوبا كلهم ممن قال أصح كتاب بعد القرآن الكريم صحيح البخاري ...فيكونون على هذا من المعتدين على القرآن الكريم؟؟ فأي صفاقة هذه؟ وأي قلة حياء؟؟ كأن هؤلاء الفضلاء ممن تزدحم بهم كتب التراجم عندنا في الشرق والغرب لم يُقِّدروا القرآن حق قدره لما حكموا بأن صحيح البخاري أصح كتاب بعد القرآن الكريم وغمطوا قدر القرآن وافتاتوا عليه...حتى جاء كاتب مراكش الحمراء فتنبه إلى خطئهم وغلطهم...والله ليس يقول هذا أحمق أو سكران طافح فضلا عن ذي عقل سليم؟؟؟

رابعا: لا يفتأ الكاتب يتهم من يرفع منزلة صحيح البخاري ويضعه بعد منزلة القرآن الكريم بتقديس الشخصيات واتخاذهم أربابا من دون ويستشهد بالقرآن الكريم في تأييد ذلك ص115، وأبعد الرجل النجعة وما أصاب المَحزَّ كيف ونحن لسنا نتخذ من دون الله أندادا...كيف يكون البخاري وصحيحه ندا لله والبخاري عبدٌ من عباد الله آتاه الحكمة وفصل الخطاب في تمييز حديث النبي صحيحه من ضعيفه ومقبوله من سقيمه والمعمول به من مطروحه..وأبرز ذلك للناس في كتابٍ قلَّ منْ ألف مثله ولا حام بحماه عالمٌ إلا طائفة سارت بسيره واقتدت به فيه..أفنكون عُبَّادا للبخاري كما وصفنا الكاتب ص115 بمجرد أننا أنصفنا البخاريَّ وعرفنا مقدار كتابه وجدواه وقيمته علما ونظرا وبحثا ودراسة؟؟؟ سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم؟؟؟ ومنا رجالٌ لا يعرفون ما يسميه الكاتب الأساطير المؤسِّسة لصحيح البخاري – يعني تلك الأخبار المنقولة في سيرة هذا الإمام الكبير والجهبذ العظيم والناقد النحرير مما رآه في منامه من ذبِّه عن المصطفى ودفاعه عنه، ومن كثرة محفوظه، واتساع روايته وشدة معرفته بهذا الشأن وتقدمه على أقرانه ورحلته وجميع أمره – ومع ذلك لما نظر في كتابه الجامع الصحيح وتأمل شرطه فيه وسياق الأحاديث فيه، وما حلاَّه من التراجم التي لا يمكن لأحد سواه صياغتها- جزم أن هذا الكتاب أحق بالتقديم من غيره، وهو في مرتبة تلي القرآن الكريم في الأصحية...هكذا تكون النتيجة المنطقية التي يصدقها العقلاء والسادة النبهاء والجلَّة الرُّفعاء من غير تعصب ولا ميل مع هوى ولا تقديس لشخصيات ولا إيمان بأساطير أزعجت الكاتب وأقضَّت مضجعه؟؟؟
خامسا: يعزف الكاتب في ص116 على نغمة أننا لما قدسنا أعلامنا الذين ألفوا كتبا جمعوا فيها أحاديث نبينا -كنا قد ساهمنا في صباغة الإسلام بصبغة تاريخية عوض الصبغة الإلهية التي سماها" إسلام الوحي"...وما إسلام الوحي من إسلام التاريخ كما يحلو للكاتب أن يسميه؟ وهل الإسلام إلا دين واحد، هو الذي أنزل على نبينا محمد بن عبد الله وهو الموحى به قرآنا وسنة شارحة له ومبينة..؟ وهل الإسلام إلا هذا كله وهو مع ذلك نظرٌ من الفقهاء وحسنُ فهم من العلماء بل هو النظر والفهم عن الله ورسوله ضمن قواعد منضبطة وأصول منعقدة نوهتْ بها علومُ الإسلام المعروفة: من تفسير وعلوم حديث وأصول وفقه...؟؟

وتستمر المعركة..