22
تناهت الوقاحة بالكاتب أن يعقد فصلا رابعا سماه:" سقوط الأسطورة" يعني صحيح البخاري الكتاب الذي يعتقد أنه خرافي وأسطوري وأنه عبارة عن إساءات لله ولرسوله ولأمهات المؤمنين وللإنسانية وللعقل ...ص 119 وسوف يصرف الكاتب القول في هذا الفصل إلى عدة أمور منها قضية الأرقام التي يزعم أنها سلاح فتاك ضد البخاري وصحيحه ص119 ويقوم هذا العنصر الأول عند الكاتب على خبرين اثنين لم يفهمهما عقله فأراد أن يسقط من أجل الثقة بالبخاري وصحيحه، الخبر الأول:الذي فيه أن البخاري قد حفظ وهو غلام خمسة عشر ألف حديث في ستة عشر يوما، قال الكاتب وهذا الخبر خرافة ولا يستقيم إذ مفاده أن البخاري كان يحفظ 937 حديثا في كل يوم وهو ما لا يقبله عقل ولا منطق؟؟ قلت: القصة في سير أعلام النبلاء للذهبي 12/408 من طبعة الرسالة، وهي من غير سند، وهي لا تفيد ما توهمه المؤلف فيها من الخرافة والأسطورة بل إن مقصود أهل الصنعة بالحديث طرقه وليس متنه، إذ الطرق يقال لها حديث ، فقد يكون الحديث الواحد ذا طرق وأسانيد كثيرة فيقال لكل طريق حديث، وهو في واقع الحال متن واحد وألفاظ متقاربة، ولهذا لما غاب هذا المعنى الذي لا يعرفه إلا أرباب هذه الصنعة ظنَّ كثير من غير المتخصصين أن المقصود من بعض الروايات التي تذكر في كتب التواريخ والرجال حقيقة العدد، بينما الواقع بخلاف ذلك..
الخبر الثاني: أن البخاري قد أخد عن ألف شيخ، وروى عن كل شيخ عشرة آلاف حديث، قال الكاتب رادًّا هذا الخبر بأن على هذا يكون عدد ما روى البخاري عن شيوخه عشرة مليون حديث، قال وهو عدد مبالغ فيه لم يرد أصلا في كتب الحديث المختلفة التي وصلت إلينا، فيكون خرافة وأسطورة، وعلى هذا فكل حياة الإمام البخاري أسطورة وما يتعلق به وبصحيحه فهو كذلك. قلت: الخبر في تاريخ بغداد2/10 وأسنده الخطيب البغدادي، وطبقات الحنابلة1/275 وسير أعلام النبلاء12/407 ، والقول فيه كالقول في سابقه، إذ أهل الحديث يطلقون لفظ الحديث على طريق المتن، فالمراد بأعداد الحديث الطرق لا المتون..فقد يكون المتن واحدا لكن له طرق مختلفة، فتكثر الأحاديث بكثرة طرقها لا بمتونها..فيغيب هذا المعنى على الحداثي المعاصر فيظن حقيقة الأعداد فيما يروى من مثل هذا الخبر، فيغلط في ظنه فيبادر إلى ردِّ ما لم يصل إليه فهمه ولا وسِعه علمه.
في ص 123 يتحدث الكاتب عن رحلة البخاري في دول العالم التي كانت معروفة في عصره، ويدعي أن التنقل في ذلك العصر كان بوسائل بدائية ولذلك فرحلة البخاري كانت بطيئة جدا تستغرق مدة طويلة، ونسي الكاتب أن البلاد التي زارها البخاري حينئذ كانت مزدحمة بالعلماء والمحدثين، فكان الرجل الواحد منهم يعدل دولة واحدة في سعة الحفظ والمعرفة بهذا الشأن، فكأن البخاري كان ينتقل سريعا بالطائرة وسيلة هذا العصر في التنقل بين أرجاء العالم...ورتَّب الكاتب على دعوى بطء رحلة البخاري أن ما قيل من أنه قد جمع في رحلته التي دامت ست عشر سنة ستمائة ألف حديث كله خرافة وأسطورة ليس يصح اعتمادا على ما كتبه د/ عبد الفتاح عساكر في منتدى الواحة المصرية من مقال سماه:" الأرقام لا تكذب"..قلت: الدكتور عبد الفتاح عساكر ليس ممن يعتمد عليه في النقل في موضوع السنة النبوية وجمع البخاري للحديث، لسبب واضح وهو أن الرجل قرآني يتبجح بذلك ولا يستره، بمعنى أنه يقول إن الوحي الوحيد الذي تعبدنا الله به هو القرآن، فلا حاجة لنا بالسنة النبوية ولا اعتماد عليها في التشريع والاستنباط..فهل يعتدُّ بمثل هذا الرجل في إثبات أو نفي أمر متعلِّق بسيد الصنعة الحديثية الإمام البخاري؟؟؟ ولذلك فما أورده هذا الرجل في مقاله المزعوم من أرقام وعمليات حسابية لدحض فرية أن البخاري قد روى ستمائة ألف حديث في تطوافه في رحلته التي دامت ستة عشر سنة – غير صحيح ويكفي في رده أن عصر الإمام البخاري كان عصر ازدحام الناس على أهل الحديث للأخذ عنهم، وهؤلاء كانوا متوافرين، فكان الرجل الواحد منهم كما مرَّ لنا آنفا بمثابة دولة من المحدثين، فيكفي أن يلقى البخاريُّ من هذا الضرب نموذجا واحدا فيكفيه عن الرحلة إلى غيره، إذ يقوم الواحد من هؤلاء المحدثين الحفاظ المسندين مقام عشرات من أهل الحديث، فيستغني البخاري بلقاء الحافظ الواسع الرواية عن لقاء غيره ممن هو أقل فيها وأدنى..
وترى الكاتب في هذا الفصل يسْفل في عباراته ويسفُّ فيها إذ يصف في ص 126 علم الحديث بأنه علم الكذب وسلق البيض، وكيف يكون هذا العلم بهذا النعت وهو الذي قام من أجل محاربة الكذب والذود عن سنة نبينا ، وذهبت من أجل تأصيل قواعده وضبط ضوابطه مهج وأنفس زاكيات وصرفت جهود وأموال، حتى استوى قائم البنيان، طويل الصرح والعماد، والكاتب إنما يكتب عنه مستهزئا في مكتبه في راحة وهدوء بال مع كبر وبأو وحقد وبغض؟
ويدعي الكاتب في ص127 من كتابه أن الحديث الذي يزعمُ أهل الحديث أن له طرقا كثيرة قليلٌ في السنة النبوية، ونحن نقول له إن هذه غلطة علمية وزلة بلا مرية فالحديث الذي له طرق متعددة كثيرٌ في السنة النبوية، ونحن هنا ندعوه إلى إلقاء نظرة فاحصة على صحيح مسلم ففيه من هذا النوع عشرات الأحاديث إذ اعتنى مسلم بتجميع طرق الحديث الواحد في موضع واحد مع الإرشاد إلى زيادة كل طريق من لفظة أو حرف أو جملة ونحو ذلك...فأين ما يدعيه الكاتب من القلة بل إنها الكثرة التي فسرنا بها آنفا ما قد ورد من أنَّ البخاريَّ كان في صباه يحفظ خمسة عشر ألف حديث يعني بطرقها لا بمتونها، وما فسرنا به أيضا ما قد ورد من أنه كتب عن ألف شيخ عشرة آلاف حديث فيكون المجموع عشرة ملايين حديث، وهذا العدد لا وجود له في السنة النبوية، فيكون المعنى على ذلك أنه وبرَّد مضجعه كان يحفظ الحديث بطرقه فكلُّ طريق عنده وعند أهل الاصطلاح حديث، وبهذا يهون الخطب وتُردُّ التهمة وتُدفع الفرية، لكن الكاتب يماري في هذا لأنه ينسف عليه كتابه ويجعل عمله أسطورةً وخرافةً وهباءً منثورا لا يساوي المداد الذي كُتب به؟؟
ويعود الكاتب في ص128 و129 إلى نسج الأساطير حول قصة اغتسال البخاري وصلاته للاستخارة قبل إثبات كل حديث في كتابه..ويدعي أن ذلك من الخرافة والأسطورة وأنه ليس يصح، والكاتب هنا ينطلق من نفسه ويسقط ما هو متعارف عليه في عصرنا على عصر كان القوم فيه أقرب منهم إلى الزهادة منهم إلى النذالة..فلما كان القوم كذلك سهل الله عليهم العبادة وأذاقهم حلاوتها فتيسرت لهم..,لما كنا بالحال التي لا تخفى عسر الله علينا العبادة وحرمنا حلاوتها فاستكثرنا على الناس أن يأتوا بها كثيرة لقلة فينا وضعة وذنوب ومعاصي وخطايا...ثم دعنا نختبر هذا الأمر بلغة الأرقام التي يعشقها الكاتب ويطمئن إلى نتائجها ويعدها السيف المصلت على رقابنا ؟؟؟ فأحاديث الجامع الصحيح على الصواب 7275 حديثا بالمكرر – وهو ما لا يعلمه الكاتب يقينا لأني لم أجده يذكره- وهي بإسقاط المكرر 4000 حديث، فهل يجوز العقل والمنطق الذي يؤمن به الكاتب أن يغتسل البخاري عند كل حديث ويستخير الله تعالى؟؟؟ أم أن ذلك واقع في الجائزات المسلمات؟؟ إن الواحد منا في حياته العادية التي ليس فيها إبداع ولا عمل جاد يقدم إلى الأمة ليغتسل ويستخير الله في المدة القصيرة أكثر من هذا العدد؟؟
ثم أمرٌ آخر وقف عنده الكاتب في ص129 في قصة الاستخارة فإنه تكلم عن جدواها إن كان البخاري يعتقد صحة الأحاديث التي يسوقها في كتابه؟ وغاب عن الكاتب أن الاستخارة طلب لحصول البركة في الأمر الجديد الذي يقدم عليه المسلم وسؤال من العبد للرب جل في علاه أن يُلهمَ التأييدَ والنصرة وأن يكون عمله مقبولا، لأن الجدَّة والطرافة مظنة دفع العمل من قِبل الناس والشَّك فيه، فإذا استخار المرء ربَّه مع ميله إلى أن العمل المستخار فيه صالح وجدٌّ وجديد فإنَّ ذلك ليس معناه أنه متشكك متوقِّف في المضي فيه.
وتستمر المعركة...