المعركة تحت راية البخاري 23
" كذبة الإجماع" تحت هذا العنوان عقد الكاتب فصلا في ص130 يفيد أن القول بأن أصح كتاب بعد كتاب الله هو صحيح البخاري ليس كلمة إجماع بين أهل العلم بل هو كذبة لا أساس لها من الصحة، قال:" وليس إلا خرافة من الخرافات المؤسسة لهاته الأسطورة التي وجب أن ننسفها نسفا"...وأول استدلال يسوقه الكاتب على مدعاه وهو فرح به جذلان:
- مخالفة الشيعة لنا في هذا المعتقد ص130، إذ يدعي الكاتب أنه بمجرد محالفة الشيعة لأهل السنة في دعوى الإجماع على أن أصح كتاب بعد كتاب الله هو الجامع الصحيح للإمام البخاري فإن دعوى الإجماع تنتقض، وليس الأمر على ما قد توهم الكاتب وأمَّل، فالشيعة يخالفون أهل السنة وهم الغالبية العظمى لجماعة المسلمين في أمور أشد تعقيدا وأدخل في باب العقائد منها في باب الإجماعات المتحققة في مسائل من العلم، فإذا كان الخلاف بيننا وبين الشيعة عقديا فكيف نريد منهم تسليما بما نقول في مسألة خاصة من مسائل العلم عندنا معاشر أهل السنة والجماعة، ثم إن المعتبر في الإجماع كما هو مقرر عند أهل الأصول الإجماع الخاص بطائفة معينة من أهل الإسلام وهي هنا أهل السنة والجماعة لا مطلق من يقول لا إله إلا الله ويخالف في بعض العقائد وله نوع فكر خاص، فالمراد أهل السنة وعليهم وفيهم يكون الإجماع من عدمه..
وثاني استدلال يسوقه الكاتب بين يدي دعواه:
- القول بأن موطأ الإمام مالك هو أصح كتاب بعد كتاب الله، وعلى هذا فيزحزح صحيح البخاري عن مكانته ويحل محله الموطأ، ولقد كان يقبل هذا القول من الكاتب لو كان ذا نية صحيحة في كتب أهل الحديث، إذ قد عرفنا من خلال ما قد سبق له في كتابه رأيه في تدوين السنة وفي عناية أهل الصدر الأول بالحديث مما يفهم منه يقينا أنه سيء الظن بالحديث وأهله وكتبه، والموطأ منها، فما ينتقده الكاتب من أحاديث لم يفهمها عقله الحداثي في صحيح البخاري توجد نظيراتها في موطأ مالك، فما الفرق إذن؟ ينوه بكتاب ويجعل أولا في الرتبة بعد كتاب الله، وينبذ كتاب وتؤخر رتبته ؟؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم؟؟ ثم يأتي الكاتب بنقول عن أئمة يمدحون الموطأ ويوهم ظاهر قولهم تقديمهم له على البخاري من مثل ما قد ورد عن الشافعي :" ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك" وقول ابن عبد البر:" الموطأ لا مثيل له" وقول ابن العربي المعافري:" الموطأ هو الأول واللباب.." إلى آخر الأقوال التي حشرها الكاتب ناقلا لها من منتدى الأزهري على الشبكة العنكبوتية؟؟؟ ونحن هنا نسائله وهو يزعم أنه ينسف أسطورة ويهدم تاريخا ويبني عليه تاريخا آخر مليئا بالأحلام والأماني التي لا تصدق إلا في قلبه ونفسه ورأسه- أليس من المنطق أن لا ينقل إلا مباشرة من الكتب التي قد وردت فيها هذه الأقول والنقول، لأنه ربما سقط منها ما قد يكون دليلا عليه لا دليلا له فكيف وهو يهدُّ نظرية ويبني في مكانها نظرية جديدة ...لامفر له إذن من أن يعمد إلى الكتب المؤلفة في هذا الشأن وينقل منها بنفسه...وإني هنا أظنُّ ظنًّا أنا فيه مُستيقنٌ غير شاك أن المؤلف ليس يعرف هذه الكتب ولا حلم أن يظفر بها فضلا عن أن يقرأ منها أو ينقل من نصوص أصحابها...كما أنني أظنُّ ظنا أنا فيه مستيقنٌ غير شاك ولا مرتاب أن الكاتب ليس يعرف أصحاب هذه النقول ولا قرأ لهم ...إذ لو فعل لعلم أن ابن عبد البر النمري القرطبي فخر الأندلس وإمامها ما كان إلا معظِّما لجاه الصحيح وجامعه، وأن ابن العربي المعافري فخر إشبيلية ورحالتها المفسر المحدث الفقيه لم يعرف إلا معظما لجناب البخاري وكتابه؟ وأما مقالة الشافعي فكانت قبل تأليف البخاري لكتابه فالإمام قد صدر منه هذا الحكم ونزل وفق الواقع في زمانه، ولا علْم له بما سيأتي ، ولو تأخر به الزمانُ فأدرك البخاريَّ ووقف على كتابه لكان قال فيه القولَ المقبولَ المعتبر.
على أن هناك جوابا عاما يذكره كثير من العلماء عندما يعرضون للموازنة بين الصحيحين والموطأ فإنهم يقولون إن الموطأ أصح صحيحا باعتبار التقدم في الزمان والأسبقية في التأليف على ما فيه من أقوال الصحابة والتابعين وفقه ونظر الإمام مالك الذي لا ينبغي الإعراض عن ذكره، وأما الصحيحان فإنهما أصح وأولى بالتقديم لأنهما اختصا بصحيح الحديث خاصة وليس فيهما من الفقه ما في الموطأ، فلذلك كان القول المعتبر المنصور أنهما يليا القرآن الكريم في الأصحيَّة والقبول ويقدم منهما صحيح البخاري لأنه أصح صحيحا وأعلى شرطا وأدق وأضبط ويليه بعد صحيح مسلم وهو وإن كان صحيحا فالصحة درجات بعضها فوق بعض وهو يقع فيها ثانيا بعد صحيح البخاري.
وينتقل الكاتب الذي ينقل من العالم الافتراضي إلى النقل من منتدى السودان الذي وردت فيه نصوص كثيرة جلبها الكاتب من ص133 إلى 144 وكلها تفيد مبادرة أئمة أعلام من أهل الحديث والفقه إلى انتقاد بعض الأحاديث التي خرجها الإمام البخاري.. ولنا هنا مع الكاتب وقفاتٌ:
الأولى: ليس يستفاد فيما ورد هنا من أقوال ونقول الغض من منزلة صحيح البخاري كما هو دأب الكاتب، فهؤلاء الأئمة الذين ينتقدون ما أخرجه البخاري إنما يعترضون باعتراضات علمية والكاتب يقول في البخاري جملة أسطورة وخرافة وتقديس، فهذه الأقوال والانتقادات في واد وما يقوله الكاتب مدعيا في واد آخر.
الثانية: ليس اعتراض الكاتب كاعتراضات هؤلاء الأئمة على البخاري، لأنه ليس يفهم أسباب اعتراضاتهم إلا من كان مثلهم في العلم والفهم والطلب لهذا الشأن والمعرفة باصطلاحاته، وإلا فليفسر لما ما يقوله بعض هؤلاء الأئمة معترضا على البخاري – من أن في أحاديثه اضطرابا وأنه معتل بالاضطراب...ويفهم الكاتب الاضطراب الاصطلاحي وهل يمكن أن ينفصل عن الإشكال القائل: هل يجامع الاضطراب الصحة أو لا يجامعها؟ وهل قرأ الكاتب كلام أهل العلل وهو الجهابذة الكبار- في هذه المسألة وخرج بأن الإعلال بالاضطراب ليس يؤثر وبالجملة فإن اعتراضات هؤلاء الأئمة على الصحيح ليست كاعتراضات الكاتب التي فيها جرأة وسب وغمز ولمز وسخرية واستهزاء وقدح صريح وثلب ما بعد ثلب..
الثالثة: في اعتراضات هؤلاء الأئمة الأعلام انتقاد لبعض أحاديث الصحيح دون بعض، ويستفاد منه أنهم ليسوا يطعنون في الصحيح جملة وتفصيلا، كما هو رأي الكاتب الذي يريد – كما هو صريح عبارته- أن ينسف الصحيح نسفا ويهده هدا وينقضه نقضا.
الرابعة: الذي عليه نظر الأئمة المهديين والنظار الجهابذة المسلِّمين وتنصره أدلة كثيرة من واقع ما خرَّجه البخاري، أن انتقادات الدارقطني وابن حزم وغيرهما من الأئمة لبعض أحاديث صحيح البخاري إنما على معنى أن هذه الأحاديث لم تبلغ الدرجة العليا في الصحيح، وأما أن تكون في نفسها صحيحة، فهي عندهم جميعا صحيحة مستوفية شروط الصحة لكنها لم تستوف الشروط العليا من التصحيح، وهذا هو الرأي المنصور الذي استقر عليه كثير من علمائنا المرموقين، على أنه بعدُ يبقى النظر في الفقه المستنبط من هذه الأحاديث خاصة ومن الأحاديث الواردة في البخاري عامة مجالا للتسابق إلى الخيرات، وميدانا فسيحا للفهم المسترشد بالنصوص وقواعد الاستنباط التي أصَّلها علماء الأصول ومقاصد الشريعة الغراء.
وتستمر المعركة...