قولُ المَأموم : " سمع الله لمن حمده " خَلفَ إمام ... [ البناء الأصوليُّ للمذاهب ]


إنّما طرحتُ هذه المسألة لتنمية الملكة الأصوليّة عندي وعندك لا أكثر، فالخلاف فيها قديم معتبر.


فمَن كان مقلِّدًا في هذه المسألة لزِمَ حُكمَ التقليد ؛ فَلَمْ يُرَجِّحْ ؛ وَلَمْ يُزَيِّفْ ؛ وَلَمْ يُصَوِّبْ ؛ وَلَمْ يُخَطِّئْ ، كما قال ابن تيمية ...


اعلم يا طالب العلم أنَّ سببَ خلاف الفقهاء في هذه المسألة إنما هو خلافهم في تقديم دلالة العموم على دلالة المفهوم [ الخاصة هنا ].


أصل الباب حديث أنس عن النبي -ﷺ- : " إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به ... وإذا قال: سمِع الله لمن حمده فقولوا ربّنا ولك الحمد ".


فقال قومٌ : الحديث يقتضي أن لا يقول المأموم : "سمع الله لمن حمده" خلف إمامه ، منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد.

وقال قومٌ : الحديثُ يقتضي أن يقول المأموم " سمع الله لمن حمده "، وهم الشافعي وأبو حنيفة في رواية. ونسبه الترمذي لابن سيرين وإسحق بن راهويه .


واستدل الفريقان بذات الحديث واختلفت أنظارهم أصوليًا.


[[ البناء الأصولي لكلا المذهبين ]]


[[ البناء الأصوليُّ للمالكيّة وأحمد ]]

يستدلُّ للمالكية وأحمد بآخِرِ حديث أنس : "وإذا قال سمِع الله لمن حمده فقولوا ربّنا ولك الحمد".


قلت: المفهوم [ مفهوم المخالفة ] من قوله: "وإذا قال سمِع الله لمن حمده فقولوا ربّنا ولك الحمد "، يقتضي أن لا يقول المأموم "سمع الله لمن حمده".


فجعلوا حكم المسكوت عنه خلاف حكم المنطوق به. وخصَّصوا بهذا المفهوم عموم قوله في أول الحديث " إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به "، تقديما للخاص [مفهوم المخالفة] على العام [اتباع الإمام في عموم أفعاله] .


قالوا: ويقتصر المأموم علي قول: "ربنا ولك الحمد" لأنّه منصوص .


ملاحظة: هذا البناء لا يجري على مذهب الحنفية لأنهم لا يقولون بمفهوم المخالفة.


[[ البناء الأصولي للشافعية ]]

استدل الشافعية بعموم قوله :" إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به ".

فهذا الشطر من الحديث عام في اتباع المأموم للإمام في كلِّ أفعاله وأقواله.


وسبب العموم هنا حذف المتعلّق ، والقاعدة تقول " حذف المتعلّق يشعر بالتعميم " ( حذف المعمول يشعر بالعموم ) كما هو مقرّر في علمي البيان والأصول.

ودلالة العموم هنا [عموم الاتباع] مقدّمة على دلالة المفهوم.


[[ سبب الخلاف ]]: تعارض العموم مع المفهوم.

قال ابن رشد : "فوجب أن يرجح بين العموم ودليل الخطاب (مفهوم المخالفة) ولا خلاف أن العموم أقوى من دليل الخطاب لكن العموم يختلف أيضا في القوة والضعف، ولذلك ليس يبعد أن يكون بعض أدلة الخطاب أقوم من بعض أدلة العموم". (بداية المجتهد)


قلت: العموم هنا قد ضعف لِما دخله من تخصيص ، فالمأموم لا يتبع الإمام في الجهر عند الجميع؛

بل والشّافعية لا يحملون "إنما جعل الإمام ليؤتم به" على عمومه المطلق بل يخصِّصونه بالنية ، فيجيزون مخالفة نية المأموم لنية الإمام.


أضف إلى ذلك أنَّ دلالة المفهومِ هنا أخصُّ من دلالة العموم، والخاص مقدّم على العام.


واستدل الشافعية بحديث ابن عمر: "وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا" وقال: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد".

والفعل وإن كان لا عموم له لأنَّ الأفعال نكرات، والنكرة في سياق الإثبات لا تفيد إلا الإطلاق. إلا أنَّ الفعل هنا عامٌّ بقرينة قوله في حديث أنس: "إنما جعل الإمام ليؤتم به " .

وللمخالف أن يقول الحديث مخصوص بمفهوم حديث أنس .


[تتميمًا للفائدة]

أمّا قول الإمام "ربّنا ولك الحمد":

فيقال: حديث ابن عمر يقتضي بنصه أن يقول الإمام: "ربنا ولك الحمد" ، فالنص مقدّم على المفهوم من قوله في حديث أنس: "وإذا قال سمِع الله لمن حمده فقولوا ربّنا ولك الحمد " (والمفهوم : اقتصار الإمام على "سمع الله لمن حمده").


قال ابن رشد: "وحديث ابن عمر يقتضي نصا أن الإمام يقول "ربنا ولك الحمد" فلا يجب أن يترك النص بدليل الخطاب (مفهوم المخالفة) فإن النص أقوى من دليل الخطاب".


غازي أحمد دغمش
https://web.facebook.com/profile.php?id=100013227120186