لماذا لم يذكر الله العدد صريحا؟!
إن ظاهر معنى قول الله : أَوْ يَزِيدُونَ يُوجِبُ الشك وذلك على الله تعالى مُحَال فلماذا لم يذكر الله العدد في الآية صريحا، قال تعالى:
وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 147]؟!
والجواب بعد البحث والنظر:
إن تأويل الآية يتوقف على معنى [أو] فيها، وهي [أو] تحتمل ثلاثة معان:
الأول: على أصلها، فتفيد الشك.
الثاني: تفيد الإضراب بمعنى [بل].
الثالث: بمعنى الواو ويزيدون وهي قراءة لأبي بن كعب وجعفر.

التأويل الأول: باعتبار [أو] على معناها الأصلي في الآية ألا هو الشك، والشك هنا ليس في حق الله، فذلك محال عليه ، وإنما الشك في الآية في حق المخاطبين، بمعنى: "إذا رآهم الرائي قال هؤلاء مئة ألف أو يزيدون على المئة" وهذا التأويل اختاره أكثر المفسرين، وقدموه على غيره.

التأويل الثاني: [أو] بمعنى [بل] التي تفيد الإضراب الإبطالي، أي : بل يزيدون على مئة ألف، وقد جاءت [أم] في القرآن الكريم مرارا بمعنى [بل] من ذلك مثلا قول الله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74]، وقوله : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:9].
ومن هنا فإن المراد في الآية أن عددهم لا ينقص عن مئة ألف بل يزيد.

التأويل الثالث: [أو] بمعنى الواو، قال ابن الجوزي: "أنها بمعنى الواو، قاله ابن قتيبة. وقد قرأ أبيّ بن كعب، ومعاذ القارىء، وأبو المتوكل، وأبو عمران الجوني: ويزيدون من غير ألف". وعلى هذا فالمعنى في الآية في غنى عن التأويل، فالمعنى يقصد به التأكيد على أنهم أكثر من مئة ألف، والغرض الوصف بالكثرة.

وقد ذكر بعض المفسرين تأويلا آخر، فقالوا: إن الغرض من ذلك الإبهام على المخاطب قال بذلك أبو حيان في البحر، والماوردي في النكت والعيون، وابن عبد السلام في تفسيره، وابن عطية في المحرر الوجيز قال: "وقالت فرقة هي للإبهام على المخاطب، كما تقول ما عليك أنت أنا أعطي فلاناً ديناراً أو ألف دينار"
وخلاصة القول: إن الشك الظاهر في العطف بـ [أو] بتأويلها على ظاهرها ليس الشك فيها في حق الله حاشاه، إنما الشك في حق المخاطبين، أي أنكم إذا رأيتموهم قلتم: إن هؤلاء مئة ألف أو أكثر.
أما عن الزيادة وكم هي؟
لم يرد أثر صحيح عن النبي يخبرنا كم كان عددهم، وقد روى الترمذي حديثا في ذلك قال عنه حديث غريب، وهو: عن أبي بن كعب قال سألت رسول الله عن قول الله تعالى (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) قال: "عشرون ألفا" قال أبو عيسى هذا حديث غريب. وقد ضعف الألباني هذا الحديث.
وقد ذكر المفسرون أن ابن عباس وغيره قد حددوا الزيادة، وقد عجبت عجبا أن الأعداد التي ذكروها تختلف اختلافا عظيما من مفسر لآخر، فذكر ابن كثير عن ابن عباس أنهم: "مائة ألف وبضعةً وثلاثين ألفا، وعنه: مائة ألف وبضعةً وأربعين ألفا، وقال سعيد بن جبير: يزيدون سبعين ألفا، وقال مكحول: كانوا مائة ألف وعشرة آلاف. رواه ابن أبي حاتم".
وذكر الشوكاني في الفتح عن: "مقاتل، والكلبي : كانوا يزيدون عشرين ألفاً، وقال الحس : بضعاً وثلاثين ألفاً، وقال سعيد بن جبير: سبعين ألفاً"
وذكر أبو حيان في البحر: "والزيادة ثلاثون ألفاً، قاله ابن عباس، أو سبعون ألفاً، قاله ابن جبير، أو عشرون ألفاً" وغير ذلك من الأرقام التي تتباين وتحتلف من تفسير لآخر.
ولم يذكر أيٌّ من المفسرين على أيِّ أساس حددوا الزيادة بعدد محدد، سواء كان عن ابن عباس أو سعيد بن جبير أو غيرهما ممن حدد الزيادة.
والرأي عندي أن العلم بالعدد المحدد للزيادة لا طائل منه، فلن ينفعنا العلم به، ولن يضرنا الجهل به، فلا أرى وجاهة للبحث فيه، والآية على ظاهرها محكمة واضحة في غنى عن التآويل الغامضة، وفي غنى عن الوقوف عن العدد المحدد للزيادة.

هذا والله أعلم
د. محمد الجبالي