يبلغ الحقد بالكاتب على البخاري وكتابه مداه في هذا الفصل الذي عقده بعنوان:" النسخة الأصلية لصحيح البخاري" ص163، فالكاتب هنا يستعمل أسلوب التعالي والتكبر وادعاء ما ليس له، فهو يزعم أنه قد خاض جولات لإسقاط أسطورة صحيح البخاري، وأنه قد سبر غور الأسطورة، و أنه أدلى بأدلة وحجج قوية لأنها حقائق لا يمكن أن تصمد الأسطورة في وجهها...ولقد خاب سعي الكاتب وخسر فعن أي حقائق يتحدث ؟ ومتى كان البخاري وصحيحه أسطورة؟ وأين جولات الكاتب ونضاله؟ وبلاؤه وغناؤه؟ وسبره وصبره؟؟ وأدلته وحججه؟ إن مثل ذلك كمثل هرٍّ أراد أن يغلب أسدا فحاكاه في مشيته وزئيره وقوته حتى إذا حانت من الأسد الهصور التفاتة زأر زأرة أطارت الهر المنتفخ المتكبر المغرور كلَّ مطار فأردته قتيلا؟؟؟ فما بناه الكاتب من أوهام وما نسجه من أحلام ظنه حقائق ثابتة عند النقاش ومنازلة البُزْل الكرام، وكتابه كله من أوله إلى آخره أحلام طفولة غير بريئة، أو أماني مراهق يعاني الأمريْن من فترة البلوغ فهو لا يلوي على شيء، لأنه هو ليس شيئا؟؟ إن المراهقة الفكرية لا تقدم علما واضح المعالم، ولا نقدا متزنا في الأدلة والحجج، إنها تدمير من غير بناء وهدم من غير تأسيس...
يظن الكاتب أنه سيقدم في هذا الفصل دليلا دامغا على سقوط أسطورة صحيح البخاري، إنه ترقى إلى مرقى بلا سُلم فزعم متحديا أنه قائل ٌههنا بقولٍ سينسف الأسطورة نسفا ويهدها هدا، وسيقلب التاريخ قلبا، وسيمحو حياة أعلام عظام كانوا طوال تاريخ أمتنا من رواة الجامع الصحيح، وكتبة الجامع الصحيح، والسامعين للجامع الصحيح، والمجازين في الجامع الصحيح، والراحلين في الجامع الصحيح، والمستنبطين العلمَ والهدى والفقه من الجامع الصحيح؟؟ إن الكاتب قد زعم أنه معلنٌ تاريخا جديدا لهذه الأمة التي عرفت للجامع لصحيح حقه، فأقبلت عليه وحدانا وجماعات، مشرقا ومغربا، وسفرا وحضرا، وسلما وحربا، ورجالا ونساء، في المساجد والمعاهد والجامعات والزوايا، في المدارس والمحاضر، وإننا هنا نوقف الكاتب ونسأله هل يدري فداحة ما ارتكب في حق كتاب هو ملك لهذه الأمة العظيمة التي كان فيها رجل عظيم هو البخاري، قد ألف كتابا عظيما هو الجامع الصحيح؟؟
يقوم دليل الكاتب المزعوم على البحث عن النسخة الأصلية لصحيح البخاري..وهذا البحث ليس يجدي نفعا وإن كان الكاتب قد عدَّ ذلك هو الحجة الدامغة، فهل إذا وُجدت النسخة الأصلية لكتاب البخاري في هذا العصر آمن الكاتب وأناب، وسحب كلامه ونقده وتفيَّأ ظلال أهل الحديث؟؟؟ وهل يقتضي إيماني بكتابٍ قديم أُلِّف في زمان قديم أن يكون الكتاب الأصلي بين يدي؟؟ هل يقتضي إيماني بالقرآن الكريم في هذا العصر أن تكون بين يدي نسخة المصحف الأصلية التي كانت تجمع بين يدي رسول الله ، أو أن تكون بين يدي تلك اللخاف والعُسب والأوراق التي لم يكن يجمعها شَدَّادٌ والتي كتبت فيها آي الذكر الحكيم في العهد النبوي؟؟ وهل من العلم الوثيق والأدب الرفيع أن أشكك في هذا العصر في الكتب القديمة التي لم تصلنا نسخها الأصلية ولا صحائفها التي كانت بين أيدي مؤلفيها؟؟؟ ولو قال قائلٌ إن مئات الكتب القديمة لم تصلنا نسخها الأصلية في هذا العصر لما أبعد..بل ما من أمة على وجه الأرض اليومَ لها تراث قديم لم تصل إليها أصول الكتب التي ألفت في عهد قديم من عهودها....فكيف يزعم الكاتب الذي لا يعرف هذه الحقيقة الساطعة أنه مُسقطٌ البخاري وكتابه لمجرد أنَّ النسخة الأصلية التي كتبها البخاريُّ نفسه لم تصل إلينا اليوم؟؟؟
إن كتب ثقافتنا الإسلامية المتنوعة في أغراضها ومناحيها لم تصل إلينا أصولها الخطية التي وضعها مؤلفوها إلا في النادر القليل جدا، فهل يصحُّ منا أن نشكك في صحة نسبتها إلى مؤلفيها لأن الأصول لم تمهلها عوادي الدهر فذهبت وتلاشت وانمحت وفقدت ؟؟؟
إن هذه الكتب التي فقدت أصولها الخطية لأسباب قد نعرفها أو لسنا نعرفها قد تأكد لدينا أنها صحيحة النسبة إلى مؤلفيها بواسطة طريق لا يدع شكا لمتشكك أو ريبة لمرتاب وهذا الطريق هو الذي ميَّز هذه الأمة عن غيرها وهو طريق النقل، فالكتاب القديم يروى من قبل جماعة من الناس عن جماعة مثلهم حتى إنه قد يصل إلى التواتر إلى المؤلف، وطريق النقل أقوى من طريق وِجدان النسخة الأصلية...لأن هذه النسخة قد تعتورها العوادي وتشوبها الشوائب..بينما طريق النقل الجماعي طريق سليمة من العوادي آمنة من الشوائب، لبعد أهلها عن التواطؤ على التزوير أو التدليس أو الكذب، فهذا مشرقي يروي الكتاب بسنده، وهذا مغربي يروي الكتاب نفسه بسنده وقد تأتلف الأوقات وقد تختلف، ويستمر النقل بالكتاب في جميع الطبقات من زمن المؤلف إلى زمن الطباعة والنشر، فهل هناك قوة أقوى من هذا النقل أو أوثق من هذا الوِثاق؟؟
هذا مما لا يفهمه الكاتب وأضرابه من الحداثيين الذين لا يعلمون أن هذه الأمة أمة إسناد ورواية وليست أمة فلسفة ولا رأي ولا فدامة؟؟ يجلس العالم فيها على كرسي التعليم والإفادة فيقول أروي هذا الكتاب بالسند المتصل إلى مؤلفه وهكذا يرويه ملايين العلماء مشرقا ومغربا حضرا وسفرا غدوا وعشيا، لا يخرمون منه حرفا...وقد تتباين حروفهم لكن ذلك بالنسبة للأعم الأغلب يكون على سبيل القلة والندرة..فهل في العالم أمة شرقية أو غربية تصنع مثل هذا الصنيع؟؟ فتنقل كتبها بمثل هذا النقل الأمين والأمر الوثيق والسند الحفيل؟؟
والكاتب في هذا الفصل كثير التخليط، مُجلِبٌ من كل واد، يلحظ عليه القارئ أنه قد حشر ههنا في أثناء البحث عن النسخة الأصلية لصحيح البخاري أمورا لا علاقة لها بالموضوع، فما علاقة ما هو فيه بقضية أن البخاري ليس عربيا وأنه يُطرح السؤال متى تعلم العربية؟ ص164..فماذا يريد الكاتب أن يثبت؟؟ ولقد غاب عن الكاتب- وإنه لَغائبٌ- أن الثقافة العربية في ذاك العهد السحيق هي الثقافة الغالبة على شعوب المشرق العربي والعجمي، إذ ليس ينبغ عالم في أي مجال من مجالات العلم والمعرفة ما لم يكن ذا حظ عظيم في العربية إذ كانت العربية حينئذ لغة َالعلم وأسلوبَ التفكير فيه، ثم ما ظنُّ الكاتب بالبخاري اللغوي؟؟ لقد أثبتت تراجم البخاري في كتابه تضلعه من العربية وشدة ميله إليها وغناءه فيها، بل لقد لاحظ المتتبعون لهذه التراجم أن واضعها كثيرا ما كان يشرح اللفظة الغريبة شرحا لغويا يذكر بما يفعله كبار أهل اللغة في أزمانهم..فأين ما قد يُستفاد من صنيع الكاتب مع البخاري في ص164 من كتابه، مما يُشعر أنه يغمز البخاريَّ بأنه ليس عربيا فكيف يمكن أن يجئ منه هذا الديوان العظيم الموضوع بالعربية في تراجمه، المحتوي على أحاديث شريفة لأفصح مَنْ نطق بالضاد؟؟
وتستمر المعركة ..