لا يألو الكاتب جهدا في إثبات أن صحيح البخاري مليء بالطوام والخرافات الجسيمة والإساءات البالغة لله ورسوله وللدين في الفصل الذي عقده في البحث عن النسخة الأصلية للكتاب العظيم والديوان الجليل من ص163 إلى243 ، ولقد لجأ إلى فهرسة لمكتبة الملك عبد العزيز بالرياض لنسخ أصلية لصحيح البخاري يحاول أن يثبت من خلال تواريخ نسخها أن النسخة التي خطها البخاري بيده من كتابه لا وجود لها إلا في عقول المعتقدين لجلالة الكتاب وقيمته؟؟ وإني هنا لأتعجب من صنيع الكاتب ههنا وأتساءل لم وقع اختيار الكاتب على هذا الفهرس مع أن نسخ الكتاب أعني الجامع الصحيح في العالم متوافرة بشكل كبير يلفت النظر؟؟ ولما تأملت صنيع الكاتب ألفيت لذلك سرا، إذ يخلط الكاتب- وهو الجاهل بالمصطلحات العلمية- بين النسخة الأصلية للكتاب وبين النسخة الأم للمؤلف أو الجامع للكتاب، فلأن المفهرس في مكتبة الملك عبد العزيز وصف النسخ الخطية المحفوظة للبخاري في المكتبة بأنها أصلية بمعنى أنها أصلية بالنسبة إلى أعصارها ومالكيها ومنتسخيها اعتقد الكاتب جهلا وفدامة أن المفهرس يقصد النسخة الأصلية التي كتبها البخاري لنفسه من الجامع الصحيح؟؟ وهذا لعمر الله منتهى الجهل وغاية العار..إذ كيف يتعرض كاتب من أغمار الكتاب إلى كتاب رفيع الشأن جليل المقام قد حصل عليه الإجماع من أمة الإسلام قاطبة بالتسفيه والعيب والاعتراض والقدح وهو لا يدري معاني مصطلحات أولية معدودة من أبجديات هذا العلم الشريف والمنحى الجليل الذي ينعت بعلم الحديث؟؟؟ ولذلك فإن الكاتب ارتضخ في جهل بالمصطلحات العلمية يستنتج أن هذه النسخة " الأصلية " لكتاب البخاري بعضها انتُسخ سنة 407هـــ وبعضها انتُسخ سنة 424هـ قال وهي تواريخ بعيدة عن تاريخ وفاة البخاري الذي كان سنة 256هـ، فأين النسخة الأصلية لما كتبه البخاري ؟ ثم يخلص إلى أنها لا وجود لها ألبتة وأنها لم تؤلف أصلا؟؟ ويفرح الكاتب المسكين بالنتيجة التي توصل إليها ، وما درى المسكين أنه جاهل بما يستعمله من المصطلحات وبما يستنتجه من الفُهوم والمفاهيم ؟؟؟
والكاتب هنا لم يفهم أن ما يقصده المفهرس في مكتبة الملك عبد العزيز من وصفه النسخ الخطية للبخاري بــــــــ:" الأصلية " ليس هو نسخة البخاري التي كتبها بيده وتعب في جمع أحاديثها في الأمصار والبلدان التي دخلها فخبر رجالها ونخل أحاديثهم وميز الصحيح من غيره فأثبت منه ما كان على شرطه وقواعده وضوابطه، واطَّرح ما ليس على شرطه وقواعده وضوابطه- وإنما يقصد النسخ الأصول التي خطها من كتبها بيده من أهل العلم والفضل والنسخ والخط ممن امتهن النساخة وعرف بالكتابة في زمن لم تكن فيه دور النشر والطباعة، فكانت مهنة النسخ ظاهرة معروفة تكتب فيها الأصول العتاق بمعنى النسخ المتقنة التي إليها النهاية في الضبط والمنتهى في الإتقان لا بمعنى الأصول التي يعتني بها مؤلفوها فيدبجونها لأول مرة شرعوا فيها بالتأليف والتصنيف والجمع والتدوين..
والكاتب في ص243 يحاول أن يسترسل فيما تهيأ له من أوهام تخيلها بخصوص الصحيح للإمام البخاري فيدعي أنه إنْ ثبت أن سبعين ألف محبرة كتبت عن البخاري في وقته فأين تلك النسخ وأين أصحابها ومن أي البلاد كانوا ؟؟؟ ليخلُص بعدُ إلى أن ذلك كله لم يقع، وأن كتاب البخاري ليس صحيح النسبة إلى مؤلفه وأنه ألف في عصور متأخرة تعاقبت عليه أقلام الشيوخ المتنطعين الذين أرادوا الإساءة إلى الدين ربا ورسولا وعادات وتاريخا؟؟؟
ونحن هنا نقول إن ما قد نسجه الكاتب من هذه الأوهام تخيلات قامت في نفسه وليس لها نصيب من علم ولا تحقيق، ولا معرفة ولا تدقيق..فإن الذي عُلم من تاريخ تأليف هذا الديوان العظيم أن هؤلاء الذين كانوا يحضرون الإمام البخاري في مجلسه ليسوا كلهم كانوا يكتبون عنه، بل منهم وهم الجماء الغفير كانوا يحفظون ما يسمعهم البخاري ويتسابقون في وعيه، فنشأ لذلك جيل من الرواة الذين شكَّلوا حلقة مهمة من تاريخ الرواية الحديثية المسندة إلى المؤلفين والجامعين والمصنفين، فهؤلاء السبعون الألف أو التسعون على اختلاف في الرواية إنما حملوا الجامع الصحيح رواية وحفظا، إذ كانت الكتابة في ذلك العصر وهو المائة الثالثة قليلة، وظنَّ الكاتب جهلا وقلة علم أنها كانت فاشية؟؟ فمن كان يكتب في ذلك الصر إلا القلة من ذوي النبل والسيادة العلمية دون بقية الآخذين ممن لا يملكون قلما أو إداوة للكتابة ولا كاغدا ولا ورقا...