تدبر هذه الموعظة الجليلة وقِف على فوائد التغيير الإيجابي بترك المعاصي وفعل الطاعات ؛ عندها تَذَكَّرْ : من أحب تصفية الأحوال ، فليجتهد في تصفية الأعمال ؛ قال ابن القيم - : ومن عقوبات الذنوب إنها تزيل النعم ، وتُحِلُّ النقم ، فما زالت عن العبد نعمة إلا بسبب ذنب ، ولا حلت به نقمة إلا بذنب ؛ كما قال علي بن أبي طالب : ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا رفع بلاء إلا بتوبة ؛ وقد قال تعالى : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 30 ]؛ وقال تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [ الأنفال : 53 ] ؛ فأخبر الله تعالى إنه لا يغير نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه ، فيغير طاعة الله بمعصيته ، وشكره بكفره ، وأسباب رضاه بأسباب سخطه ؛ فإذا غَيَّر غُيِّر عليه ، جزاءً وفاقًا ، وما ربك بظلام للعبيد .

فإن غيَّر المعصية بالطاعة ، غيَّر الله عليه العقوبة بالعافية ، والذل بالعز ؛ قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [ الرعد : 11 ] ؛ وفي بعض الآثار الإلهية عن الرب إنه قال : ( وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب ثم ينتقل عنه إلى ما أكره ، إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره ؛ ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره فينتقل عنه إلى ما أحب ، إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب ) وقد أحسن القائل :

إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن الذنوب تزيل النعم

وحُطها بطاعة رب العباد ... فرب العباد سريع النقم ( 1 )

وروى أبو نعيم عن مطرَّف بن الشخِّير قال : من صَفَّى صُفي له ، ومن خَلَطَ خُلط له ( 2 ) ؛ والمعنى : من صفَّى عمله لله تعالى كان جزاؤه صافيًا وافيًا ، ومن لم يكن عمله صافيًا بأن خلطه بشيء من حظوظ النفس ، فذلك ينقص من ثوابه بحسبه ، والعلم عند الله تعالى .

_

[1] انظر ( الجواب الكافي ) ص 49 .

[2] انظر ( حلية الأولياء ) : 10 / 395 .